التفسير البسيط — الواحدي

عن الكتاب
٩٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا (١)، حيث قال لرسول - ﷺ -: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله هذه الآية (٢).
والبينات: جمع بينة، والبين: من باب الصيّب والسيّد، وقد مرّ (٣).
والبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة؛ لأنها من إبانة أحد شيئين عن الآخر، فيزول الالتباس بها. واستقصاء الكلام في هذا عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمد - ﷺ - عن شريعة موسى عليه السلام (٤).
١٠٠ - قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ قال سيبويه (٥): الواو فيه واو العطف، إلا أن ألف الاستفهام دخل عليها؛ لأن لها صدر الكلام، وهي الأصل في الاستفهام، يدل على ذلك: أن الواو تدخل على (هل)، كقولك: وهل زيد عاقل؟ ولا يجوز: وأزيد عاقل؛ لأن الألف أقوى في
(١) هو: عبد الله بن صوريا، تقدمت ترجمته [البقرة: ١].
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" ١/ ٤٤١، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ١٨٣ من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٠٥١ والواحدي في "أسباب النزول" ص ٣٤، والسيوطي في "لباب القول" ص ١٨.
(٣) في تفسير الآية رقم ١٩.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ١/ ٤٤١.
(٥) ينظر: "الكتاب" لسيبويه ٣/ ١٨٧، "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٤٧، "تفسير الطبري" ١/ ٤٤١ - ٤٤٢، و"إعراب مشكل القرآن" لمكي ١/ ١٠٥، "التبيان" للعكبري ١/ ٧٩.
الاستفهام (١). و ﴿كُلَّمَا﴾ ظرف، والعامل فيه: ﴿نَبَذَهُ﴾ (٢) ﴿عَاهَدُوا﴾، لأنه متمم لما، إما صلةً، وإما صِفَةً.
وقوله تعالى: ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ قال المفسرون: إن اليهود عاهدوا فيما بينهم، لئن خرج محمد - ﷺ - ليؤمنُنّ به، وليكونُنّ (٣) معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ نقضوا العهد وكفروا به (٤).
وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله - ﷺ - وبين اليهود، فنقضوها كفعل قريظة والنضير، عاهدوا ألا يعينوا عليه أحدًا، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشًا يوم الخندق (٥).
واتصال هذه الآية بما قبلها: من حيث إنهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إنما دخلت (بل) ههنا لأنه لما قال: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ دل على أنه كفر ذلك الفريق بالنقض، فقال:
(١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٨١، و"تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٥١، "القرطبي" ٢/ ٣٩ وذكر أبو حيان في "البحر" ١/ ٣٢٣ الخلاف في هذه الواو: فقيل هي زائدة، قاله الأخفش، وقيل: هي أو الساكنة الواو حركت بالفتح، وهي بمعنى بل، قاله الكسائي، وكلا القولين ضعيف، وقيل: واو العطف وهو الصحيح.
(٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٨١، "إعراب مشكل القرآن" ١/ ١٠٦.
(٣) في (ش): (لنؤمنن به ولنكونن).
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٠٥٢، "الوسيط" ١/ ١٨١، "زاد المسير" ١/ ١٢٠، القرطبي ٢/ ٣٥ والرازي في "تفسيره" ٢/ ٢١٧.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١٠٥٣، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ١٠٥، الرازي في "تفسيره" ٣/ ٢٠١، القرطبي في "تفسيره" ٢/ ٤٠ وأبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٣٢٣.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى