البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الخداع : قيل إظهار غير ما في النفس، وأصله الإخفاء، ومنه سمي البيت المفرد في المنزل مخدعاً لتستر أهل صاحب المنزل فيه، ومنه الأخدعان : وهما العرقان المستبطنان في العنق، وسمي الدهر خادعاً لما يخفي من غوائله، وقيل الخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه، من قولهم : ضب خادع وخدع إذا أمر الحارث، وهو صائد الضب، يده على باب حجره أوهمه إقباله عليه ثم خرج من باب آخر، وهو راجع إلى معنى القول الأول، وقيل أصله الفساد، من قول الشاعر :
أبيض اللون لذيذ طعمهطيب الريق إذا الريق خدع
أي فسد.
إلا : حرف، وهو أصل لذوات الاستثناء، وقد يكون ما بعده وصفاً، وشرط الوصف به جواز صلاحية الموضع للاستثناء.
وأحكام إلا مستوفاة في علم النحو.
النفس : الدم، أو النفس : المودع في الهيكل القائم به الحياة، والنفس، الخاطر، ما يدري أي نفسيه يطيع، وهل النفس الروح أم هي غيره ؟ في ذلك خلاف.
وفي حقيقة النفس خلاف كثير ومجمع على أنفس ونفوس، وهما قياس فعل الاسم الصحيح العين في جميعه القليل والكثير.
الشعور : إدراك الشيء من وجه يدق مشتق من الشعر، والإدراك بالحاسة مشتق من الشعار، وهو ثوب بلى الجسد ومشاعر الإنسان حواسه.
وقراءة الجمهور : يخادعون الله، مضارع خادع.
وقرأ عبد الله وأبو حياة يخدعون الله، مضارع خدع المجرد، ويحتمل قوله :﴿يخادعون الله﴾ أن يكون مستأنفاً، كأن قائلاً يقول : لم يتظاهرون بالإيمان وليسوا بمؤمنين في الحقيقة ؟ فقيل : يخادعون، ويحتمل أن يكون بدلاً من قوله : يقول آمنا، ويكون ذلك بياناً، لأن قولهم : آمنا وليسوا بمؤمنين في الحقيقة مخادعة، فيكون بدل فعل من فعل لأنه في معناه، وعلى كلا الوجهين لا موضع للجملة من الإعراب.
ويحتمل أن تكون الجملة في موضع الحال، وذو الحال الضمير المستكن في يقول، أي : ومن الناس من يقول آمنا، مخادعين الله والذين آمنوا.
وجوّز أبو البقاء أن يكون حالاً، والعامل فيها اسم الفاعل الذي هو : بمؤمنين، وذو الحال : الضمير المستكن في اسم الفاعل.
وهذا إعراب خطأ، وذلك أن ما دخلت على الجملة فنفت نسبة الإيمان إليهم، فإذا قيدت تلك النسبة بحال تسلط النفي على تلك الحال، وهو القيد، فنفته، ولذلك طريقان في لسان العرب : أحدهما : وهو الأكثر أن ينتفي ذلك القيد فقط، ويكون إذ ذاك قد ثبت العامل في ذلك القيد، فإذا قلت : ما زيد أقبل ضاحكاً فمفهومه نفي الضحك ويكون قد أقبل غير ضاحك، وليس معنى الآية على هذا، إذ لا ينفي عنهم الخداع فقط، ويثبت لهم الإيمان بغير خداع، بل المعنى : نفي الإيمان عنهم مطلقاً.
والطريق الثاني : وهو الأقل، أن ينتفي القيد وينتفي العامل فيه، فكأنه قال في المثال السابق : لم يقبل زيد ولم يضحك : أي لم يكن منه إقبال ولا ضحك.
وليس معنى الآية على هذا، إذ ليس المراد نفي الإيمان عنهم ونفي الخداع.
والعجب من أبي البقاء كيف تنبه لشيء من هذا فمنع أن يكون يخادعون في موضع الصفة فقال : ولا يجوز أن يكون في موضع جر على الصفة لمؤمنين، لأن ذلك يوجب نفي خداعهم، والمعنى على إثبات الخداع، انتهى كلامه.
فأجاز ذلك في الحال ولم يجز ذلك في الصفة، وهما سواء، ولا فرق بين الحال والصفة في ذلك، بل كل منهما قيد يتسلط النفي عليه، والله تعالى هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء.
فمخادعة المنافقين الله هو من حيث الصورة لا من حيث المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر، قاله جماعة، أو من حيث عدم عرفانهم بالله وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه.
فالتقدير الأول مجاز والثاني حقيقة، أو يكون على حذف مضاف، أي يخادعون رسول الله ﷺ والذين آمنوا، فتارة يكون المحذوف مراداً وتارة لا يكون مراداً، بل مخادعتهم رسول الله ﷺ بمنزلة مخادعة الله، فجاء :﴿يخادعون الله﴾، وهذا الوجه قاله الحسن والزجاج.
وإذا صح نسبة مخادعتهم إلى الله تعالى بالأوجه التي ذكرناها، كما ذكرناها، فلا ضرورة تدعو إلى أن نذهب إلى أن اسم مقحم، لأن المعنى يخادعون الذين آمنوا، كما ذهب إليه الزمخشري، وقال : يكون من باب : أعجبني زيد وكرمه، المعنى هذا أعجبني كرم زيد، وذكر زيد توطئة لذكر كرمه، والنسبة إلى الإعجاب إلى كرمه هي المقصودة، وجعل من ذلك والله ورسوله أحق أن يرضوه، إن الذين يؤذون الله ورسوله وما ذكره في هذه المثل غير مسلّم له.
وللآيتين الشريفتين محامل تأتي في مكانها، إن شاء الله تعالى.
وأما أعجبني زيد وكرمه، فإن الإعجاب أسند إلى زيد بجملته، ثم عطف عليه بعض صفاته تمييزاً لصفة الكرم من سائر الصفات التي انطوى عليها لشرف هذه الصفة، فصار من المعنى نظيراً لقوله تعالى :﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ فلا يدعي كما ادعى الزمخشري أن الاسم مقحم، وأنه ذكر توطئة لذكر الكرم.
وخادع الذي مضارعه يخادع على وزن فاعل، وفاعل يأتي لخمسة معان : لاقتسام الفاعلية، والمفعولية في اللفظ، والاشتراك فيهما من حيث المعنى، ولموافقة أفعل المتعدي، وموافقة المجرد للإغناء عن أفعل وعن المجرد.
ومثل ذلك : ضارب زيداً عمر، وباعدته، وواريت الشيء، وقاسيت.
وخادع هنا إما لموافقة الفعل المجرد فيكون بمعنى خدع، وكأنه قال : يخدعون الله، ويبينه قراءة ابن مسعود وأبي حياة، وقد تقدمت.
ويحتمل أن يكون خادع من باب المفاعلة، فمخادعتهم تقدم تفسيرها، ومخادعة الله لهم حيث أجرى عليهم أحكام المسلمين واكتفى منهم في الدنيا بإظهار الإسلام، وإن أبطنوا خلافه، ومخادعة المؤمنين لهم كونهم امتثلوا أحكام المسلمين عليهم.
وفي مخادعتهم هم للمؤمنين فوائد لهم، من تعظيمهم عند المؤمنين، والتطلع على أسرارهم فيغشونها إلى أعدائهم، ورفع حكم الكفار عنهم من القتل وضرب الجزية، وغير ذلك، وما ينالون من الإحسان بالهداية وقسم الغنائم.
وقرأ : وما يخادعون، الحرميان، وأبو عمرو.
وقرأ باقي السبعة : وما يخدعون.
وقرأ الجارود بن أبي سبرة، وأبو طالوت عبد السلام بن شداد : وما يخدعون مبنياً للمفعول.
وقرأ بعضهم : وما يخادعون، بفتح الدال مبنياً للمفعول.
وقرأ قتادة، ومورق العجلي : وما يخدعون، من خدّع المشدّد مبنياً للفاعل، وبعضهم يفتح الياء والخاء وتشديد الدال المكسورة.
فهذه ست قراءات توجيه : الأولى : أن المعنى في الخداع إنما هو الوصول إلى المقصود من المخدوع، بأن ينفعل له فيما يختار، وينال منه ما يطلب على غرة من المخدوع وتمكن منه وتفعل له، ووبال ذلك ليس راجعاً للمخدوع، إنما وباله راجع إلى المخادع، فكأنه ما خادع ولا كاد إلا نفسه بإيرادها موارد الهلكة، وهو لا يشعر بذلك جهلاً منه بقبيح انتحاله وسوء مآله.
وعبر عن هذا المعنى بالمخادعة على وجه المقابلة، وتسمية الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له، كما قال :
ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
جعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزع هنا أنه قد يجيء من واحد : كعاقبت اللص، وطارقت النعل.
ويحتمل أن تكون المخادعة على بابها من اثنين، فهم خادعون أنفسهم حيث منوهاً الأباطيل، وأنفسهم خادعتهم حيث منتهم أيضاً ذلك، فكأنها مجاورة بين اثنين، وقال الشاعر :
تذكر من أني ومن أين شربهيؤامر نفسيه لذي البهجة الإبل
وأنشد ابن الأعرابي :
لم تدر ما ولست قائلهاعمرك ما عشت آخر الأبد
ولم تؤامر نفسيك ممتريافيها وفي أختها ولم تلد
وقال :
يؤامر نفسيه وفي العيش فسحةأيستوبع الذوبان أم لا يطورها
وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي :
وكنت كذات الضي لم تدر إذ بغتتؤامر نفسيها أتسرق أم تزني
ففي هذه الأبيات قد جعل للشخص نفسين على معنى الخاطرين، ولها جنسين، أو يكون فاعل بمعنى فعل، فيكون موافقاً لقراءة :( وما يخدعون ).
وتقول العرب : خادعت الرجل، أعملت التحيل عليه فخدعته، أي تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، خِدعاً، بكسر الخاء في المصدر وخديعة، حكاه أبو زيد.
فالمعنى : وما ينفذ السوء إلا على أنفسهم، والمراد بالأنفس هنا : ذواتهم.
فالفاعل هو المفعول، وقد ادعى بعضهم أن هذا من المقلوب وأن المعنى : وما يخادعهم إلا أنفسهم قال : لأن الإنسان لا يخدع نفسه، بل نفسه هي التي تخدعه وتسوّل له وتأمره بالسوء.
وأورد أشياء مما قلبته العرب، وللنحويين في القلب مذهبان : أحدهما : أنه يجوز في الكلام والشعر اتساعاً واتكالاً على فهم المعنى.
والثاني : أنه لا يجوز في الكلام ويجوز في الشعر حالة الاضطرار، وهذا هو الذي صححه أصحابنا، وكان هذا الذي ادعى القلب لما رأى قولهم : منتك نفسك، وقوله تعالى :﴿بل سولت لكم أنفسكم﴾ تخيل أن الممني والمسوّل غير الممنيَّ والمسوَّل له، وليس على ما تخيل، بل الفاعل هنا هو المفعول.
ألا ترى أنك تقول : أحب زيد نفسه، وعظم زيد نفسه ؟ فلا يتخيل هنا تباين الفاعل والمفعول إلا من حيث اللفظ، وأما المدلول فهو واحد.
وإذا كان المعنى صحيحاً دون قلب، فأي حاجة تدعو إليه هذا ؟ مع أن الصحيح أنه لا يجوز إلا في الشعر، فينبغي أن ينزه كتاب الله تعالى منه.
ومن قرأ : وما يخادعون أو يخدعون مبنياً للمفعول، فانتصاب ما بعد إلا على ما انتصب عليه زيد غبن رأيه، إما على التمييز على مذهب الكوفيين، وإما على التشبيه بالمفعول به على ما زعم بعضهم، وإما على إسقاط حرف الجر، أي : في أنفسهم، أو عن أنفسهم، أو ضمن الفعل معنى ينتقضون ويستلبون، فينتصب على أنه مفعول به، كما ضمن الرفث معنى الإفضاء فعدى بإلى في قوله :﴿الرفث إلى نسائكم﴾ ولا يقال رفث إلى كذا، وكما ضمن ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ معنى أجذبك، ولا يقال : إلا هل لك في كذا.
وفي قراءة : وما يخدعون، فالتشديد إما للتكثير بالنسبة للفاعلين أو للمبالغة في نفس الفعل، إذ هو مصير إلى عذاب الله وإما لموافقة فعل نحو : قدر الله وقدر، وقد تقدم ذكر معاني فعل.
وقراءة من قرأ : وما يخدعون، أصلها يختدعون فأدغم، ويكون افتعل فيه موافقاً لفعل نحو : اقتدر على زيد، وقدر عليه، وهو أحد المعاني التي جاءت لها افتعل، وهي اثنا عشر معنى، وقد تقدم ذكرها.
﴿وما يشعرون﴾ : جملة معطوفة على : وما يخادعون إلا أنفسهم، فلا موضع لها من الإعراب، ومفعول يشعرون محذوف تقديره إطلاع الله نبيه على خداعهم وكذبهم، روي ذلك عن ابن عباس، أو تقديره هلاك أنفسهم وإيقاعها في الشقاء الأبدي بكفرهم ونفاقهم، روي ذلك عن زيد.
ويحتمل أن يكون وما يشعرون : جملة حالية تقديره وما يخادعون إلا أنفسهم غير شاعرين بذلك، لأنهم لو شعروا أن خداعهم لله وللمؤمنين إنما هو خداع لأنفسهم لما خادعوا الله والمؤمنين.
وجاء : يخادعون الله بلفظ المضارع لا بلفظ الماضي لأن المضي يشعر بالانقطاع بخلاف المضارع، فإنه يشعر في معرض الذم أو المدح بالديمومة، نحو : زيد يدعّ اليتيم، وعمرو يقري الضيف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى