محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ٩﴾.
قال القاشانيّ : المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١). فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان الكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليه. بحقن الدماء وحصن الأموال وغير ذلك. وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبّة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين : أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال بازدياد الظلمة، والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى :﴿ومكروا * ومكر الله والله خير الماكرين﴾ (٢) وهم من غاية تعمّقهم في جهلهم لا يحسون بذلك الأمر الظاهر.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ﴿وما يخادعون﴾ بالألف.
قال ابن كثير : نبه الله سبحانه على صفات المنافقين، لئلا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر وهذا من المحذورات : أن يُظَنَّ بأهل الفجور خير. ثم إن قول من قال : كان عليه / الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان(٣) في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا في غزوة تبوك الذين همّوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفِّروا به الناقة، ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة.
فأما غير هؤلاء، فقد قال الله تعالى :﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة * مردوا على النفاق لا تعلمهم﴾ (٤) الآية. وقال تعالى :﴿لئن لم ينته المنافقون * والذين في قلوبهم مرض * والمرجفون في المدينة * لنغرينك بهم * ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا﴾ ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم، فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى :﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم * ولتعرفنهم في لحن القول * والله يعلم أعمالكم﴾ (٥). وقد كان من أشهرهم بالنفاق، عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول.
واستند غير واحد من الأئمة في الحكمة عن كفّه ﷺ عن قتل المنافقين، بما ثبت في ( الصحيحين ) أنه ﷺ قال لعمر رضي الله عنه(٦) ( أكره أن يتحدث العرب أنّ محمدا / يقتل أصحابه ). ومعناه خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتلهم بأنه لأجل كفرهم فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون : إن محمدا يقتل أصحابه.
قال القاشانيّ : المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١). فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان الكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليه. بحقن الدماء وحصن الأموال وغير ذلك. وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبّة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين : أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال بازدياد الظلمة، والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى :﴿ومكروا * ومكر الله والله خير الماكرين﴾ (٢) وهم من غاية تعمّقهم في جهلهم لا يحسون بذلك الأمر الظاهر.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ﴿وما يخادعون﴾ بالألف.
قال ابن كثير : نبه الله سبحانه على صفات المنافقين، لئلا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر وهذا من المحذورات : أن يُظَنَّ بأهل الفجور خير. ثم إن قول من قال : كان عليه / الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان(٣) في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا في غزوة تبوك الذين همّوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفِّروا به الناقة، ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة.
فأما غير هؤلاء، فقد قال الله تعالى :﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة * مردوا على النفاق لا تعلمهم﴾ (٤) الآية. وقال تعالى :﴿لئن لم ينته المنافقون * والذين في قلوبهم مرض * والمرجفون في المدينة * لنغرينك بهم * ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا﴾ ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم، فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى :﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم * ولتعرفنهم في لحن القول * والله يعلم أعمالكم﴾ (٥). وقد كان من أشهرهم بالنفاق، عبد الله بن أبيٍّ ابن سلول.
واستند غير واحد من الأئمة في الحكمة عن كفّه ﷺ عن قتل المنافقين، بما ثبت في ( الصحيحين ) أنه ﷺ قال لعمر رضي الله عنه(٦) ( أكره أن يتحدث العرب أنّ محمدا / يقتل أصحابه ). ومعناه خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتلهم بأنه لأجل كفرهم فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون : إن محمدا يقتل أصحابه.
١ [٤/ النساء/ ٨٠] ونصها: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ٨٠﴾..
٢ [٣/ آل عمران/ ٥٤]..
٣ يشير إلى حديث حذيفة الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في: ٥٠ ـ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٩ و١٠ و١١..
٤ [٩/ التوبة/ ١٠١] ونصها: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ١٠١﴾..
٥ [٤٧/ محمد/ ٣٠]..
٦ يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ١٤٢ ونصه:
عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة، منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة. ورسول الله ﷺ يقبض منها. يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل. قال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبتُ وخسرتُ، إن لم أكن أعدل) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني، يا رسول الله، فأقتل، هذا المنافق. فقال: (معاذ الله، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم. يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية).
.
٢ [٣/ آل عمران/ ٥٤]..
٣ يشير إلى حديث حذيفة الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في: ٥٠ ـ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٩ و١٠ و١١..
٤ [٩/ التوبة/ ١٠١] ونصها: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ١٠١﴾..
٥ [٤٧/ محمد/ ٣٠]..
٦ يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في: ١٢ ـ كتاب الزكاة، حديث ١٤٢ ونصه:
عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة، منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة. ورسول الله ﷺ يقبض منها. يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعدل. قال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبتُ وخسرتُ، إن لم أكن أعدل) فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني، يا رسول الله، فأقتل، هذا المنافق. فقال: (معاذ الله، أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم. يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية).
.