جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعّالٌ لّمَا يُرِيدُ * هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى قوله : إنّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ فقال بعضهم : معنى ذلك : إن الله أبدى خلقه، فهو يبتدئ، بمعنى : يحدث خلقه ابتداء، ثم يميتهم، ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم، كهيئتهم. قبل مماتهم. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يُبْدِىءُ ويُعِيدُ يعني : الخلق.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ قال : يُبدىء الخلق حين خلقه، ويعيده يوم القيامة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إنه هو يبدئ العذاب ويعيده. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس إنّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ قال : يبدىء العذاب ويعيده.
وأوليَ التأويلين في ذلك عندي بالصواب، وأشبههما بظاهر ما دلّ عليه التنزيل، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أنه يُبدىء العذاب لأهل الكفر به ويعيد، كما قال جلّ ثناؤه : فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنّمَ ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ في الدنيا، فأبدأ ذلك لهم في الدنيا، وهو يعيده لهم في الآخرة.
وإنما قلت : هذا أولى التأويلين بالصواب، لأن الله أتبع ذلك قوله إنّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ فكان للبيان عن معنى شدّة بطشه الذي قد ذكره قبله، أشبه به بالبيان عما لم يجر له ذكر ومما يؤيد ما قلنا من ذلك وضوحا وصحة، قوله : وَهُوَ الْغَفُورُ الوَدُودُ فبين ذلك عن أن الذي قبله من ذكر خبره عن عذابه وشدّة عقابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى