تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
في افتتاح السورة بهذا القسم تشويق إلى ما يرد بعده وإشعار بأهمية المقسم عليه، وهو مع ذلك يَلفت ألبابَ السّامعين إلى الأمور المقسم بها، لأن بعضها من دلائل عظيم القدرة الإلهية المقتضية تفرد الله تعالى بالإلهية وإبطالَ الشريك، وبعضها مذكِّر بيوم البعث الموعود، ورمز إلى تحقيق وقوعه، إذ القسم لا يكون إلا بشيء ثابت الوقوع وبعضها بما فيه من الإِبهام يوجِّه أنفُس السامعين إلى تطلب بيانه.
ومناسبةُ القسم لما أقسم عليه أن المقسم عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب الأخدود ولما كانت الأخاديد خُطوطاً مجعولة في الأرض مستَعِرَة بالنار أقسم على ما تضمنها بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ما سماه العرب بروجاً وهي تشبه دارات متلألئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة بتلهب النار.
والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسماً بالأمرين معاً لتلتفت أفكارُ المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة وسعة العلم الإلهي إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة لينتفع بها الناس في مواقيت الأشهر والفصل. كما قال تعالى في نحو هذا: ﴿ذلك لتعلموا أن اللَّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن اللَّه بكل شيء عليم﴾ [المائدة: ٩٧].
وأما مناسبة القسم باليوم الموعود فلأنه يوم القيامة باتفاق أهل التأويل لأن الله وعد بوقوعه قال تعالى: ﴿ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون﴾ [المعارج: ٤٤] مع ما في القَسم به من إدماج الإِيماء إلى وعيد أصحاب القصة المقسَم على مضمونها، ووعيد أمثالهم المعرَّض بهم.
ومناسبة القسم ب ﴿شاهد ومشهود﴾ على اختلاف تأويلاته، ستُذكر عند ذكر التأويلات وهي قريبة من مناسبة القَسم باليوم الموعود، ويقابله في المقسم عليه قوله: ﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود﴾.
و﴿شاهد ومشهود﴾ مراد بهما النوع. فالشاهد : الرائي، أو المخبر بحق لإِلزام منكره. والمشهود : المَرئي أو المشهود عليه بحق. وحذف متعلق الوصفين لدلالة الكلام عليه فيجوز أن يكون الشاهد حاضرَ ذلك اليوم الموعود من الملائكة قال تعالى :﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١].
ويجوز أن يكون الشاهد الله تعالى ويؤيده قوله :﴿واللَّه على كل شيء شهيد﴾ أو الرسل والملائكة.
والمشهود : الناس المحشورون للحساب وهم أصحاب الأعمال المعرَّضون للحساب لأن العرف في المجامع أن الشاهد فيها : هو السالم من مشقتها وهم النظارة الذين يطَّلعون على ما يجري في المجمع، وأن المشهود : هو الذي يطَّلعُ الناسُ على ما يجري عليه.
ويجوز أن يكون الشاهد : الشاهدين من الملائكة، وهم الحفظة الشاهدون على الأعمال. والمشهود : أصحاب الأعمال. وأن يكون الشاهد الرسل المبلغين للأمم حين يقول الكفار : ما جاءنا من بشير ولا نذير ومحمد ﷺ يشهد على جميعهم وهو ما في قوله تعالى :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ [النساء: ٤١].
وعلى مختلف الوجوه فالمناسبة ظاهرة بين ﴿شاهد ومشهود﴾ وبين ما في المقسم عليه من قوله :﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود﴾، وقوله :﴿إذ هم عليها قعود﴾ أي حضور.
وروى الترمذي من طريق موسى بن عبيدة إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ " اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة ". أي فالتقدير : ويومٍ شاهد ويومٍ مشهود. قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قِبَل حفظه اه.
ووصف « يوم » بأنه « شاهد » مجاز عقلي، ومحمل هذا الحديث على أن هذا مما يراد في الآية من وصف ﴿شاهد﴾ ووصف ﴿مشهود﴾ فهو من حَمْل الآية على ما يحتمله اللفظ في حقيقة ومجاز كما تقدم في المقدمة التاسعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى