اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿والشفع والوتر﴾.
قرأ الأخوان(١) : بكسر الواو من :«الوِتْرِ ».
والباقون : بفتحها، وهما لغتان، كالحَبْرِ والحِبْر، والفتح : لغة قريش ومن والاها، والكسر : لغة تميم.
وهاتان اللغتان في :«الوتر »، مقابل «الشفع »، فأما في «الوتر » بمعنى : التِّرة، فبالكسر وحده.
قال الزمخشريُّ : ونقل الأصمعي فيه اللغتين أيضاً.
وقرأ أبو عمرو(٢) في رواية يونس عنه : بفتح الواو وكسر التاء، فيحتملُ أن تكون لغة ثالثة، وأن يكون نقل كسرة الراء إلى التاء، إجراءً للوصل مجرى الوقف.

فصل في الشفع والوتر


قال ابنُ الخطيب(٣) :«الشَّفْعُ والوتْرُ » : هو الذي تسميه العرب، الخساء والركاء، وتسميه العامة : الزَّوجُ والفَرْدُ.
قال يونس : أهل العالية يقولون :«الوَتْرُ » بالفتح في العدد، و«الوِتْر » بالكسر في الذحل، وتميم يقولون : بكسر الواو فيهما، تقول :«أوترت أوتر إيتاراً » أي : جعلته وتراً، ومنه قوله ﷺ :«من اسْتَجْمرَ فليُوتِرْ »(٤).
واختلف في الشفع والوتر، فروى عمران بن حصين - رضي الله عنه - عن النبي ﷺ قال :«الشَّفعُ والوتر : الصَّلاة مِنْها شَفعٌ، ومِنهَا وتْرٌ »(٥).
قال جابر بن عبد الله : قال النبي ﷺ :﴿والفَجْرِ وليَالٍ عَشْرٍ﴾ قال :«هُو الصُّبْحُ وعَشْرُ النَِّحْرِ، والوترُ : يومُ عرفَة، والشَّفعُ : يومُ النَّحْرِ »(٦).
وهو قول ابن عباس وعكرمة، واختاره النحاس وقال : حديث ابن الزبير عن جابر، وهو الذي صح عن النبي ﷺ وهو أصح إسناداً من حديث عمران بن حصين، فيوم عرفة : وتر ؛ لأنه تاسعها، ويوم النحر : شفع ؛ لأنه عاشرها.
وعن أبي أيوب، قال :«سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى :﴿والشفع والوتر﴾، قال :«الشَّفْعُ : يَومُ عَرفَةَ ويوْمُ النَِّحْرِ، والوترُ : ليْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ »(٧).
وقال مجاهدٌ وابنُ السميفع وابنُ عباسٍ : الشفع : خلقه، قال الله تعالى :﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النبأ: ٨]، والوتْرُ : هو الله عز وجل.
فقيل لمجاهد : أترويه عن أحد ؟ قال : نعم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن رسول الله عليه وسلم.
ونحوه قال محمدُ بن سيرين، ومسروق، وأبُو صالحٍ وقتادةُ، قالوا : الشَّفع : الخلقُ، قال تعالى :﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] : الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء والأرض، والإنس والجن، والوَتْر : هو الله تعالى، قال تعالى :﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١، ٢].
وقال ﷺ :«إنَّ للهِ تِسْعَة وتسْعِينَ اسْماً، واللهُ وترٌ يُحِبُّ الوِتْرِ »(٨).
وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - : الشَّفعُ : صلاة الصبح، والوَتْرُ : صلاة المغرب(٩).
وقال الربيعُ بنُ أنس وأبو العالية : هي صلاة المغرب فالشفع منها : الركعتان الأوليان، والوتر : الثالثة(١٠).
وقال ابنُ الزبير : الشفع : الحادي عشر، والثاني عشر من أيَّام منى، والوتر : اليوم الثالث، قال تعالى :﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾(١١) [البقرة: ٢٠٣].
وقال عطاءٌ والضحاكُ : الشفعُ : عشر ذي الحجة، والوتر : أيام منى الثلاثة(١٢).
وقيل : الشفع والوتر : آدم - عليه الصلاة والسلام - كان وتراً، فشفع بزوجته حواء، رواه ابن أبي نجيحٍ، وحكاه القشيريُّ عن ابن عباس [ رضي الله عنهما. وفي رواية : الشفع آدم وحواء، والوتر هو الله تعالى(١٣).
وقيل : الشفع درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر هي دركات النار، وهي سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. قاله الحسين بن الفضل.
وقيل : الشفع : الصفا والمروة، والوتر : الكعبة.
وقال مقاتل بن حيان : الشفع الأيام والليالي، والوتر الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة(١٤).
وقيل غير ذلك ](١٥).
قال ابنُ الخطيبِ(١٦) : كل هذه الوجوه محتملة، والظاهر لا شعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين، فإن ثبت في شيء منها خبرٌ عن الرسول - عليه الصلاة والسلام -، أو إجماع من أهل التأويل، حكم بأنه المراد، وإن لم يثبت، وجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز ؛ لا على القطع، ولقائل أن يقول : إني أحمل الكلام على الكل ؛ لأن الألف واللام في :«الشفع والوتر » يفيد العموم.
١ ينظر : السبعة ٦٨٣، والحجة ٦/٤٠٢، وإعراب القراءات ٢/٤٧٦ وإعراب القراءات ٧٦١..
٢ ينظر: البحر المحيط ٨/٤٦٣، والدر المصون ٦/٥١٨..
٣ الفخر الرازي ٣١/١٤٨..
٤ تقدم..
٥ أخرجه أحمد (٤/٤٤٢) والترمذي (٣٣٤٢) والحاكم (٢/٥٢٢) والطبري في "تفسيره" (١٢/٥٦٣) من طريق قتادة عن عمران بن عصام عن شيخ من أهل البصرة عن عمران بن حصين به وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا تعرفه إلا من حديث قتادة..
٦ ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٤٠) وقال: رواه البزار وأحمد ورجالهما رجال الصحيح غير عياش بن عقبة وهو ثقة..
٧ ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٤٠) وقال: رواه الطبراني في حديث طويل وفيه واصل بن السائب وهو متروك.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٨٢) وزاد نسبته إلى ابن مردويه بسند ضعيف..

٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٦٢) عن ابن عباس ومجاهد والحسن وأبي صالح.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٨١) عن مجاهد وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وذكره عن أبي صالح وعزاه إلى عبد بن حميد..

٩ تقدم تخريجه..
١٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٢٨) عن ابن عباس..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٦٣) عن الربيع بن أنس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٨١) عن أبي العالية وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه. وينظر تفسير الماوردي (٦/٢٦٦) والقرطبي (٢٠/٢٨)..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٦٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٨٢) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٣ ذكره الماوردي (٦/٢٦٦) والقرطبي (٢٠/٢٨)..
١٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٢٨)..
١٥ سقط من ب..
١٦ الفخر الرازي ٣١/١٤٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى