زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبلادِ﴾ وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو عمران :﴿لم تَخْلُق﴾ بتاء مفتوحة ورفع اللام " مثلها " بنصب اللام.
وقرأ معاذ القارئ، وعمرو بن دينار :" لم نَخْلُق " بنون مفتوحة ورفع اللام ﴿مثلَها﴾ بنصب اللام.
وفي المشار إليها قولان :
أحدهما : لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهذا معنى قول الحسن.
والثاني : المدينة لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد، قاله عكرمة.
وقد جاء في التفسير صفات تلك المدينة. وهذه الإشارة إلى ذلك.
روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت، فبينما هو في صحارى عدن وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول الحصن قصور كثيرة. فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ير خارجا ولا داخلا، فنزل عن دابته، وعقلها، وسل سيفه، ودخل من باب الحصن، فلما دخل الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهما. والبابان مرصّعان بالياقوت الأبيض و الأحمر، فلما رأى ذلك دهش، ففتح أحد البابين، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها، وإذا قصور، كل قصر فوقه غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت. ومصاريع تلك الغرف مثل مصاريع المدينة، يقابل بعضها بعضا، مفروشة كلها باللؤلؤ، وبنادق من مسك وزعفران. فلما عاين ذلك، ولم ير أحدا، هاله ذلك، ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو في كل زقاق منها شجر قد أثمر، وتحت الشجر أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة. فقال الرجل : إن هذه هي الجنة، فحمل معه من لؤلؤها، ومن بنادق المسك والزعفران ورجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه. وبلغ الأمر إلى معاوية، فأرسل إليه فقص عليه ما رأى، فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار، فلما أتاه قال له : يا أبا إسحاق : هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة ؟ قال : نعم، أخبرك بها وبمن بناها ؟ إنما بناها شداد بن عاد، والمدينة :
﴿إرم ذات العماد﴾، قال : فحدثني حديثها، فقال : إن عادا المنسوب إليهم عاد الأولى، كان له ولدان : شديد وشداد، فلما مات عاد، ثم مات شديد وبقي شداد، ملك الأرض، ودانت له الملوك، وكان مولعا بقراءة الكتب، فكان إذا مر بذكر الجنة دعته نفسه إلى بناء مثلها عتوا على الله تعالى. فأمر بصنع " إرم ذات العماد "، فأمّر على عملها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان، وكتب إلى ملوك الأرض أن يمدوه بما في بلادهم من الجواهر، فخرج القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة، فوقفوا على صحراء عظيمة نقية من التلال، وإذا فيها عيون ماء ومروج، فقالوا : هذه صفة الأرض التي أمر الملك أن يبنى بها، فوضعوا أساسها من الجزع اليماني، وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، فلما أتوه وقد فرغوا منها. قال : انطلقوا، واجعلوا عليها حصنا، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند كل قصر ألف علم ليكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي، ففعلوا ذلك، فأمر الملك الوزراء وهم ألف وزير أن يتهيئوا للنقلة إلى " إرم ذات العماد "، وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين، ثم ساروا إليها فلما كانوا منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه، وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد.
وروى الشعبي عن دغفل الشيباني عن علماء حمير قالوا : لما هلك شداد ابن عاد ومن معه من الصيحة، ملك بعده ابنه مرثد بن شداد، وقد كان أبوه خلفه بحضرموت على ملكه وسلطانه، فأمر بحمل أبيه من تلك المفازة إلى حضرموت، وأمر بدفنه فحُفرت له حفيرة في مفازة، فاستودعه فيها على سرير من ذهب، وألقى عليه سبعين حلة منسوجة بقضبان الذهب، ووضع عند رأسه لوحا عظيما من ذهب، وكتب عليه :
اعتبر يا أيها المغرور بالعمر المدير
أنا شداد بن عادصاحب الحصن المشيد
وأخو القوة والبأساء والملك الحشيد
دان أهل الأرض طرالي من خوف وعيدي
وملكت الشرق والغر *** ب بسلطان شديد
وبفضل الملك والعددة فيه والعديد
فأتى هود وكنا *** في ضلال قبل هود
فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرشيد
فعصيناه ونادى *** ما لكم هل من محيد ؟
فأتتنا صيحة تهوي من الأفق البعيد
فتوافينا كزرع *** وسط بيداء حصيد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى