جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله :﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ يقول : ومن شرّ مظلم إذا دخل، وهجم علينا بظلامه.
ثم اختلف أهل التأويل في المظلم الذي عُنِي في هذه الآية، وأمر رسول الله ﷺ بالاستعاذة منه، فقال بعضهم : هو الليل إذا أظلم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : الليل.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، قال : أنبأنا عوف، عن الحسن، في قوله :﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : أوّل الليل إذا أظلم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في :﴿غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ يقول : النهار إذا دخل في الليل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن رجل من أهل المدينة، عن محمد بن كعب ﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : هو غروب الشمس إذا جاء الليل، إذا وقب.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله :﴿غاسِقٍ﴾ قال : الليل ﴿إذَا وَقَبَ﴾ قال : إذا دخل.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : الليل إذا أقبل.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : إذا جاء.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إذَا وَقَبَ﴾ يقول : إذا أقبل.
وقال بعضهم : هو النهار إذا دخل في الليل، وقد ذكرناه قبلُ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن رجل من أهل المدينة، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ ﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : هو غروب الشمس إذا جاء الليل، إذا وجب.
وقال آخرون : هو كوكب. وكان بعضهم يقول : ذلك الكوكب هو الثّريا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا سليمان بن حِبّان، عن أبي المُهَزّم، عن أبي هريرة في قوله :﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : كوكب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : كانت العرب تقول : الغاسق : سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها.
ولقائلي هذا القول عِلّة من أثر عن النبيّ ﷺ، وهو ما :
حدثنا به نصر بن عليّ، قال : حدثنا بكار بن عبد الله بن أخي هَمّام، قال : حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ﴿وَمِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : النجم الغاسق.
وقال آخرون : بل الغاسق إذا وقب : القمر، ورووا بذلك عن النبيّ ﷺ خبرا.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع وحدثنا ابن سفيان، قال : حدثنا أبي ويزيد بن هارون به.
وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحرث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت : أخذ النبيّ ﷺ بيدي، ثم نظر إلى القمر، ثم قال :«يا عائِشَةُ، تَعَوّذِي باللّهِ مِنْ شَرّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ، وَهَذَا غاسِقٌ إذَا وَقَبَ »، وهذا لفظ حديث أبي كُرَيب وابن وكيع. وأما ابن حُمَيد، فإنه قال في حديثه : قالت أخَذَ النبيّ ﷺ بيدي، فقال :«أتَدْرِينَ أيّ شَيْءٍ هَذَا ؟ تَعَوّذِي باللّهِ مِنْ شَرّ هَذَا، فإنّ هَذَا الْغاسِقُ إذَا وَقَبَ ».
حدثنا محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا ابن أبي ذئب، عن الحرث بن عبد الرحمن، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ نظر إلى القمر. فقال :«يا عائِشَةُ اسْتَعِيذِي باللّهِ مِنْ شَرّ هَذَا، فإنّ هَذَا الْغاسِقُ إذَا وَقَبَ ».
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال : إن الله أمر نبيه ﷺ أن يستعيذ ﴿مِنْ شَرّ غاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلم، يقال : قد غَسَق الليل يَغْسُق غسوقا : إذا أظلم. ﴿إذَا وَقَبَ﴾ يعني : إذا دخل في ظلامه، والليل إذا دخل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفل غاسق، والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعض ذلك ؛ بل عمّ الأمر بذلك، فكلّ غاسق، فإنه ﷺ كان يُؤمر بالاستعاذة من شرّه إذا وقب. وكان قتادة يقول في معنى وقب : ذهب.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿غاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ قال : إذا ذهب.
ولست أعرف ما قال قتادة في ذلك في كلام العرب ؛ بل المعروف من كلامها من معنى وقب : دخل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى