تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية٥ : وقوله تعالى :﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾.
يخرج على وجهين :
أحدهما : إذا كان الحاسد دون المحسود، ولا يقوى على الشر ليفعل به، والشر المتوهم منه يكون من شره(١) عينه، وعمل الحسد إرادة زوال نعم المحسود، وذهاب دولته.
( والثاني :)(٢) أنه جائز أن يكون الله تعالى بلطفه يجعل في بعض الأعيان عملا ينادي بالنظر إلى ما يستحسنه من النعم إلى الزوال، ويؤثرون ذهاب الدولة عنه، فأمر بالتعوذ.
هذا وقد بينا لك المتولدات من الأفعال بما جعل الله تعالى فيها من المضار والمنافع ما لا يبلغها علوم الخلق ؛ بل لو أراد الخلق أن يعرفوا ما في البصر من الحكمة التي تدرك بفتح البصر ما بين السماء والأرض من غير كثير مهلة، لم يقدروا عليه.
وروى عمران بن حصين عن رسول الله ﷺ أنه قال : " لا رقية إلا من عين أو حمة " ( أبو داود ٣٨٨٤ )، وعن ابن عباس رضي الله عنه ( قوله ﷺ )(٣) :" العين حق، فإن كان شيء يسبق القدر لسبقته العين " ( مسلم ٢١٨٨ )، وفي خبر آخر : " لا شر في الهام، والعين حق " ( الترمذي : ٢٠٦١ )، ويدل عليه في قصة يوسف عليه السلام ( ما )(٤) قال :﴿لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة﴾ ( يوسف : ٦٧ ).
وقد فسر قوم وجه عمل العين وكيفيته ( بأمرين :
أحدهما : أنه )(٥) أمر كعمل الشمس في العين نفسها في ما تبصر الشمس، وتنظر إليها، فإنها تضره، وتغلبه عن النظر على بعدها(٦) من العين بما جعل الله تعالى، وذلك من اللطف والحكمة، وكذلك عمل العين في المعيون.
والثاني : أن يكون بما حسد أن يبعث حسده على الحيل وأنواع ما به العين من السعي في الأمور التي بها الفساد على ضعفه في نفسه.
قال الله تعالى في صفة المنافقين :﴿يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم﴾ ( المنافقون : ٤ )، فمع ما بيّن من فشلهم وضعفهم أمرهم بالحذر منهم، وقال :﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾ ( النساء : ٧٦ )، ثم أمر بالتعوذ من شره، فكذلك الحاسد، والله أعلم ( بالصواب )(٧).
١ في الأصل وم: شر.
٢ في الأصل وم: و.
٣ ساقطة من الأصل وم.
٤ ساقطة من الأصل وم.
٥ في الأصل وم: لكنه.
٦ في م: بعد.
٧ من م، ساقطة من الأصل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى