فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب﴾ هم المذكورون سابقاً ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال عطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني : هم فارس. وقال كعب، والحسن : هم الروم. وروي عن الحسن أيضاً أنه قال : هم فارس والروم. وقال سعيد بن جبير : هم هوازن وثقيف. وقال عكرمة : هوازن. وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري، ومقاتل : هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة. وحكى هذا القول الواحدي عن أكثر المفسرين ﴿تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي يكون أحد الأمرين : إما المقاتلة، أو الإسلام لا ثالث لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا تؤخذ منهم الجزية. قال الزجاج : التقدير : أو هم يسلمون، وفي قراءة أبيّ ( أو يسلموا ) أي حتى يسلموا ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً﴾ وهو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ﴾ أي تعرضوا ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ﴾ وذلك عام الحديبية ﴿يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ بالقتل والأسر والقهر في الدنيا وبعذاب النار في الآخرة لتضاعف جرمكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله :﴿أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يقول : فارس. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنهم الأكراد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : فارس والروم. وأخرج الفريابي وابن مردويه عنه قال : هوازن وبني حنيفة. وأخرج الطبراني. قال السيوطي بسند حسن عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول الله ﷺ، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال :«كيف لي وأنا ذاهب البصر ؟ فنزلت ﴿لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية». قال : هذا في الجهاد، وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال :«بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ :«أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس، فثرنا إلى رسول الله ﷺ، وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى :﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾ فبايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس : هنيئًا لابن عفان يطوف بالبيت، ونحن هاهنا، فقال رسول الله ﷺ :«لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف». وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع قال : بلغ عمر بن الخطاب أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت. وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال :«بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قيل : على أي شيء كنتم تبايعونه يومئذ ؟ قال : على الموت». وأخرج مسلم، وغيره عن جابر قال : بايعناه على أن لا نفرّ ولم نبايعه على الموت. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر عن النبي قال :«لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة». وأخرج مسلم من حديثه مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ﴾ قال : إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ يعني : الفتح. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ يعني : خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ﴾ يعني : أهل مكة أن يستحلوا حرم الله ويستحلّ بكم وأنتم حرم ﴿وَلِتَكُونَ ءايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال : سنة لمن بعدكم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً في قوله :﴿وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ قال : هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم، وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أيضاً ﴿وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ قال : هي خيبر. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال : لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبال التنعيم يريدون غرّة رسول الله ﷺ، فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية :﴿وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. وفي صحيح مسلم وغيره : أنها نزلت في نفر أسرهم سلمة بن الأكوع يوم الحديبية. وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل في سبب نزول الآية :«أن ثلاثين شاباً من المشركين خرجوا يوم الحديبية على المسلمين في السلاح فثاروا في وجوههم، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ الله بأسماعهم، ولفظ الحاكم بأبصارهم، فقام إليهم المسلمون فأخذوهم، فقال لهم رسول الله ﷺ :«هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أماناً ؟» فقالوا : لا، فخلى سبيلهم فنزلت هذه الآية.