اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ اختلفوا في هذا الفتح فروى أنس أنه فتح مكة وقال مجاهد : فتح خيبر. والأكثرون على أنه فتح الحديبية، وقيل : فتح الروم. وقيل : فتح الإسلام بالحُجَّة والبُرْهَان والسَّيْفِ والسِّنان. وقيل : الفتح الحكم لقوله تعالى :﴿افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٩] وقوله :﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق﴾ [سبأ: ٢٦]. فمن قال : هو فتح مكة قال : لأنه مناسب لآخر السورة التي قبلها من وجوه :
أحدهما : أنه تعالى لما قال :﴿هَا أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ إلى أن قال :﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ وبين تعالى أنه فَتَحَ لهم مكة، وغَنِموا ديارهم، وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ؛ ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم.
وثانيها : لما قال :«واللهُ مَعكُمْ » وقال :«وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ » بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون.
وثالثها : لما قال تعالى :﴿فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم﴾ وكان معناه لا تسألوا الفتح بل اصبروا فإنكم تسألون الصلح كما كان يوم الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتوا صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ومستسلمين.
فإن قيل : إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت فكيف قال : فتحنا بلفظ الماضي ؟
فالجواب من وجهين :
أحدهما : فتحنا في حُكْمِنا وتَقْدِيرِنا(١).
والثاني : ما قدره الله تعالى فهو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمرٌ واقعٌ لا دَافِعَ له.
وأما حجة رأي الأَكْثرِين على أنه صلح الحديبية فلِمَا رَوَى البراء(٢) قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي(٣) ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائةً والحديبيةُ بئرٌ فَنَزَحَنَاهَا فلم تنزل قَطْرَةٌ فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناءٍ من ماءٍ فتوضأ ثم تَمَضْمَضَ ودعا وَصبَّهُ فيها فتركناها غير بعيد. ثم إنها أَصْدَرَتْنَا ما شئنا نحن وركابنا(٤). قال الشعبي في قوله :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ قال : فتح الحديبية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نَخْل خيبر، وبلغ الهديْ مَحِلّه وظهرت الروم على الفرس ففرح المؤمنون بظهر أهل الكتاب على المَجُوسِ. قال الزهري : ولم يكن فتح أعظمُ من صُلْحِ الحُدْيبِيَةِ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاثِ سنين خلق كثير وكثر سَواَدٌ الإسلام(٥)، قال المفسرون :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ أي قضينا لك قَضَاءً بَيِّناً(٦).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: فصل
قال :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ ثم قال :﴿لَكَ الله﴾، ولم يقل :«إنَّا فَتَحْنَا لِيَغْفِرَ لَكَ» تعظيماً لأمر الفتح وذلك لان المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى :﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] وقال :﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦] فإن قلنا : المراد من المغفرة في حق النبي ﷺ فكذلك لم يختص به نبينا، بل غيره من الرسل كان معصوماً وإتمام النعمة كذلك قال تعالى :﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى :﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [ البقرة : ٤٧ و١٢٢ ] وكذلك الهداية قال تعالى :﴿يَهْدِي الله﴾ [النور: ٣٥] وكذلك النصر، قال الله تعالى :﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ [الصافات: ١٧١ -١٧٢] وأما الفتح فلم يبق لأحد غير النبي صلى لله عليه ونسلم فعظَّمه بقوله :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ وفيه التعظيم من وجهين :
أحدهما : قوله :«إنَّا»
والثاني : قوله :«لَكَ» أي لأجلك على وجه المِنَّةِ.
أحدهما : أنه تعالى لما قال :﴿هَا أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ إلى أن قال :﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ وبين تعالى أنه فَتَحَ لهم مكة، وغَنِموا ديارهم، وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ؛ ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم.
وثانيها : لما قال :«واللهُ مَعكُمْ » وقال :«وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ » بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون.
وثالثها : لما قال تعالى :﴿فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم﴾ وكان معناه لا تسألوا الفتح بل اصبروا فإنكم تسألون الصلح كما كان يوم الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتوا صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ومستسلمين.
فإن قيل : إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت فكيف قال : فتحنا بلفظ الماضي ؟
فالجواب من وجهين :
أحدهما : فتحنا في حُكْمِنا وتَقْدِيرِنا(١).
والثاني : ما قدره الله تعالى فهو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمرٌ واقعٌ لا دَافِعَ له.
وأما حجة رأي الأَكْثرِين على أنه صلح الحديبية فلِمَا رَوَى البراء(٢) قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي(٣) ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائةً والحديبيةُ بئرٌ فَنَزَحَنَاهَا فلم تنزل قَطْرَةٌ فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناءٍ من ماءٍ فتوضأ ثم تَمَضْمَضَ ودعا وَصبَّهُ فيها فتركناها غير بعيد. ثم إنها أَصْدَرَتْنَا ما شئنا نحن وركابنا(٤). قال الشعبي في قوله :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ قال : فتح الحديبية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نَخْل خيبر، وبلغ الهديْ مَحِلّه وظهرت الروم على الفرس ففرح المؤمنون بظهر أهل الكتاب على المَجُوسِ. قال الزهري : ولم يكن فتح أعظمُ من صُلْحِ الحُدْيبِيَةِ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاثِ سنين خلق كثير وكثر سَواَدٌ الإسلام(٥)، قال المفسرون :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ أي قضينا لك قَضَاءً بَيِّناً(٦).
قال :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ ثم قال :﴿لَكَ الله﴾، ولم يقل :«إنَّا فَتَحْنَا لِيَغْفِرَ لَكَ» تعظيماً لأمر الفتح وذلك لان المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى :﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] وقال :﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦] فإن قلنا : المراد من المغفرة في حق النبي ﷺ فكذلك لم يختص به نبينا، بل غيره من الرسل كان معصوماً وإتمام النعمة كذلك قال تعالى :﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى :﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [ البقرة : ٤٧ و١٢٢ ] وكذلك الهداية قال تعالى :﴿يَهْدِي الله﴾ [النور: ٣٥] وكذلك النصر، قال الله تعالى :﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ [الصافات: ١٧١ -١٧٢] وأما الفتح فلم يبق لأحد غير النبي صلى لله عليه ونسلم فعظَّمه بقوله :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ وفيه التعظيم من وجهين :
أحدهما : قوله :«إنَّا»
والثاني : قوله :«لَكَ» أي لأجلك على وجه المِنَّةِ.
١ كذا في الرازي وفي ب وتدبيرنا. وكلتاهما قريبتان..
٢ هو البراء بن عازب وقد مر ترجمته..
٣ في ب مع الرسول..
٤ انظر القرطبي ١٦/٢٦٠..
٥ بالمعنى من القرطبي المرجع السابق..
٦ قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٥/١٩..
٢ هو البراء بن عازب وقد مر ترجمته..
٣ في ب مع الرسول..
٤ انظر القرطبي ١٦/٢٦٠..
٥ بالمعنى من القرطبي المرجع السابق..
٦ قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٥/١٩..