التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
افتتحت سورة " الفتح " بهذه البشارات السامية، والمدائح العالية للنبى - ﷺ - افتتحت بقوله - تعالى - :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾.
والفتح فى الأصل : إزالة الأغلاق عن الشئ.. وفتح البلد : المقصود به الظفر به، ووقوعه تحت سيطرة الفاتح.
والذى عليه المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا : صلح الحديبية وما ترتب عليه من خيرات كثيرة، ومنافع جمة للمسلمين.
ويشهد لذلك أحاديث متعددة منها : ما أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن مسعود قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله - ﷺ -، وكان قد خرج إليها - ﷺ - يوم الاثنين هلال ذى القعدة، فأقام بها بضعة عشر يوما، ثم قفل راجعا إلى المدينة، فينما نحن نسير إلى المدينة إذ أتاه الوحى - وكان إذا أتاه اشتد عليه - فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾.
وروى الإِمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال : شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله - ﷺ - واقفا عند كراع الغميم - موضع بين مكة والمدينة - وقد جمع الناس وقرأ عليهم :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ الآيات.
فقال رجل : يا رسول الله، أو فتح هو ؟ فقال - ﷺ - : أو والذى نفسى بيده إنه لفتح.
ويرى بعضهم : أن المراد بالفتح هنا : فتح مكة، والتعبير عنه بالماضى فى قوله :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ لتحقق الوقوع، فهو من قبيل قوله - تعالى - :﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ...﴾ ويبدو لنا أن المراد بالفتح هنا صلح الحديبية لوجود اللآثار الصحيحة التى تشهد لذلك، ولأن هذا الصلح قد ترتب عليه من المنافع للدعوة الإِسلامية ما يجعله من أعظم الفتوح، إن لم يكن أعظمها.
لقد ترتب عليه أن انتشر الأمان بين المسلمين والمشركين، فاستطاع المسلمون أن ينشروا دعوة الحق فى مكة وفى غيرها، كما استطاعوا أن ينتقلوا من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم، فترتب على ذلك أن دخل فى الإِسلام عدد كبير من الناس.
قال الزهرى : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، وتمكن الإِسلام من قلوبهم، وأسلم خلق كثير، وكثر بهم سواد الإِسلام.
قال ابن هشام : والدليل على صحة قول الزهرى، أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى الحديبية فى الف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج إلى مكة فى عام الفتح - بعد ذلك بسنتين - فى عشرة آلاف من أصحابه.
وقد أكد - سبحانه - هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات، وهى " إن " والمصدر " فتحا " والوصف " مبينا " وذلك للمسارعة إلى تبشير المؤمنين بتحقق هذا الفتح، ولإِدخال السرور على قلوبهم، بعد تلك الشروط التى اشتمل عليها الصلح، والتى ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين.
وأسند - سبحانه - الفعل إلى نون العظمة ﴿فَتَحْنَا﴾ لتفخيم شأن المخبر - عز وجل - وعلو شأن المخبَر عنه وهو الفتح.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور ﴿لَكَ﴾ على المفعول المطلق ﴿فَتْحاً﴾ للاهتمام وللإِشعار بأن ذلك الفتح كان من أجله - ﷺ - وفى ذلك ما فيه من تعظيم أمره - ﷺ - ومن وجوب طاعته، والامتثال لأمره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى