جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿هُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مّؤْمِنَاتٌ لّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مّعَرّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لّيُدْخِلَ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيّلُواْ لَعَذّبْنَا الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾.
يقول تعالى ذكره : هؤلاء المشركون من قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدّوكم أيها المؤمنون بالله عن دخول المسجد الحرام، وصدّوا الهَدي معكوفا : يقول : محبوسا عن أن يبلغ مَحِلّه. فموضع «أن » نصب لتعلقه إن شئت بمعكوف، وإن شئت بصدّوا. وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك : وصدّوا الهدي معكوفا كراهية أن يبلغ محله.
وعنى بقوله تعالى ذكره : أنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ أن يبلغ محلّ نحره، وذلك دخول الحرم، والموضع الذي إذا صار إليه حلّ نحره، وكان رسول الله ﷺ ساق معه حين خرج إلى مكة في سَفرته تلك سبعين بدنة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدّثاه، قالا : خرج رسول الله ﷺ عام الحُديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق الهَدي معه سبعين بدنة وكان الناس سبعَ مئة رجل، فكانت كلّ بدنة عن عشرة.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوكُمْ عَن المَسْجدِ الحَرَام، وَالهَدْيَ مَعْكُوفا أنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدوكْم عَن المَسْجدِ الْحَرَامِ والهَدْيَ مَعْكُوفا : أي محبوسا أنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ وأقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه معتمرين في ذي القعدة، ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحُديبية، صدّهم المشركون، فصالحهم نبيّ ﷺ صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، ثم يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من أهلها، فنحروا الهدي، وحلقوا، وقصّروا، حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيّ ﷺ وأصحابه حتى دخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة، فأقام بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فجروا عليه حين ردّوه، فأقصه الله منهم فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردّوه فيه، فأنزل الله الشّهْرُ الْحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماتُ قِصَاصٌ.
حدثني محمد بن عمارة الأسديّ وأحمد بن منصور الرمادي، واللفظ لابن عمارة، قالا : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال : بعثت قريش سُهَيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العُزّى، وحفص بن فلان إلى النبيّ ﷺ ليصالحوه فلما رآهم رسول الله ﷺ فيهم سُهَيل بن عمرو، قال :«قد سهّل الله لكم من أمركم، القوم مائلون إليكم بأرحامهم وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهَدي، وأظهروا التلبية، لعلّ ذلك يلين قلوبهم »، فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجّت أصواتهم بالتّلبية، فجاؤوا فسألوه الصلح قال : فبينما الناس قد توادعوا وفي المسلمين ناس من المشركين، قال : فقيل به أبو سفيان قال : وإذا الوادي يسيل بالرجال قال : قال إياس، قال سلمة : فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا، فأتيت بهم النبيّ ﷺ، فلم يسلب ولم يقتل وعفا قال : فشددنا على من في أيدي المشركين منا، فما تركنا في أيديهم منا رجلاً إلا استنقذناه قال : وغلبنا على من في أيدينا منهم ثم إن قريشا بعثوا سُهَيل بن عمرو، وحويطبا، فولوا صلحهم، وبعث النبيّ ﷺ عليا في صلحه فكتب عليّ بينهم : بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ قريشا، صالحهم على أنه لا إهلال ولا امتلال، وعلى أنه من قَدِم مكة من أصحاب محمد ﷺ حاجا أو معتمرا، أو يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله ومن قَدِم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله وعلى أنه من جاء محمدا ﷺ من قريش فهو إليهم رَدّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم. فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ :«مَنْ جاءَهُمْ مِنّا فأَبْعَدَهُ اللّهُ، وَمَنْ جاءَنا مِنْهُمْ فَرَدَدْناه إلَيْهِمْ فَعَلِمَ اللّهُ الإسْلامَ مِنْ نَفْسِهِ، جَعَلَ لَهُ مَخْرَجا ». فصالحوه على أنه يعتمر في عام قابل في هذا الشهر، لا يدخل علينا بخيل ولا سلاح، إلا ما يحمل المسافر في قِرابه، يثوي فينا ثلاث ليال، وعلى أن هذا الهَدْي حيثما حبسناه محّله لا يقدمه علينا. فقال لهم رسول الله ﷺ :«نَحْن نَسُوقُهُ وأنْتُمْ تَرُدونَ وُجُوهَهُ »، فسار رسول الله مع الهدي وسار الناس.
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا موسى، قال : أخبرني أبو مُرّة مولى أمّ هانىء، عن ابن عمر، قال :«كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له المشركون، فردّوا وجوهه قال : فنحر النبيّ ﷺ الهدي حين حبسوه، وهي الحُديبية، وحلق، وتأسّى به أُناس حين رأوه حلق، وتربّص آخرون، فقالوا : لعلنا نطوف بالبيت، فقال رسول الله ﷺ :«رَحِمَ اللّهُ المُحَلّقِينَ »، قيل : والمقصرين، قال :«رَحِمَ اللّهُ المُحَلّقِينَ »، قيل : والمقصرين، قال :«والمُقَصّرِينَ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمر بن ذَرّ الهمداني، عن مجاهد أن النبيّ ﷺ اعتمر ثلاث عمر، كلها في ذي القعدة، يرجع في كلها إلى المدينة، منها العمرة التي صدّ فيها الهدي، فنحره في محله، عند الشجرة، وشارطوه أن يأتي في العام المقبل معتمرا، فيدخل مكة، فيطوف بالبيت ثلاثة أيام، ثم يخرج، ولا يحبسون عنه أحدا قدم معه، ولا يخرج من مكة بأحد كان فيها قبل قدومه من المسلمين فلما كان من العام المقبل دخل مكة، فأقام بها ثلاثا يطوف بالبيت فلما كان اليوم الثالث قريبا من الظهر، أرسلوا إليه : إن قومك قد آذاهم مقامك، فنُودي في الناس : لا تغرب الشمس وفيها أحد من المسلمين قَدم مع رسول الله ﷺ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، قال : خرج النبيّ ﷺ زمن الحُديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحُلَيْفة قلّد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خُزاعة يخبره عن قريش، وسار النبيّ ﷺ، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من قُعَيقعان، أتاه عينه الخزاعيّ، فقال : إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ :«أشِيرُوا عَليّ، أتَرَوْنَ أنْ نَمِيلَ على ذَرَارِي هَؤُلاءِ الّذِينَ أعانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ، فإنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْزُونِين وإنْ لحّوا تَكنْ عُنُقا قَطَعَها اللّهُ ؟ أمْ تَرَوْنَ أنّا نَؤُمّ البَيْتَ، فمَنْ صَدّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ ؟ » فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله : إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه فقال النبيّ ﷺ :«فَروّحُوا إذًا » وكان أبو هريرة يقول : ما رأيت أحدا قطّ كان أكثر مُشاورة لأصحابه من النبيّ ﷺ، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبيّ ﷺ :«إنّ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ بالغَمِيم في خَيْل لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فخُذُوا ذَاتَ اليْمِينِ »، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بُقْترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبيّ ﷺ، حتى إذا كان بالثنية التي يُهبْط عليهم منها، بركت به راحلته فقال الناس : حَلْ حَل، فقال : ما حَلْ ؟ فقالوا : خَلأَتِ القَصْواء، فقال النبيّ ﷺ :«ما خَلأَتْ وَما ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ، ولَكِنّها حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ »، ثم قال :«والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسألُونِي خُطّةً يُعَظّمُونَ بها حُرُماتِ اللّهِ إلاّ أعْطَيْتُهُم إيّاها »، ثم زُجِرت فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرّضه الناس تبرّضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشُكِي إلى رسول الله ﷺ العطش، فنزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خُزاعة، وكانوا عَيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال : إني تركت كعب بن لُؤَيّ، وعامر بن لُؤَيّ، قد نزلوا أعداد مياه الحُديبية معهم العوْذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال النبيّ ﷺ :«إنّا لَمْ نأْتِ لِقِتال أَحَدٍ، وَلَكِنّا جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وإنّ قُرَيْشا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرّتْ بِهمْ، فإنْ شاؤوُا مادَدْناهُمْ مُدّةً، ويُخْلُوا بَيْنِي وَبَينَ النّاسِ، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاؤوا أن يَدْخُلُوا فِيما دَخَلَ فِيهِ النّاسُ فَعَلُوا، وَإلاّ فَقَدْ جَمّوا وَإنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالّذي نَفْسي بِيَدِهِ لأَقُاتِلَنّهُمْ عَلى أمْرِي هَذَا حتى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي، أوْ لَيُنْفِذَن اللّهُ أمْرَهُ » فقال بديل : سنبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا، فقال : إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا قال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول : قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبيّ ﷺ، فقام عُروة بن مسعود الثقفي، فقال : أيْ قوم، ألستم بالولد ؟ قالوا : بلى أو لست بالوالد ؟ قالوا : بلى قال : فهل أنتم تتهموني ؟ قالوا : لا قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وَولدِي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى قال : فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته فقالوا : ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ نحوا من مقالته لبُديل فقال عروة عند ذلك : أي م
يقول تعالى ذكره : هؤلاء المشركون من قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدّوكم أيها المؤمنون بالله عن دخول المسجد الحرام، وصدّوا الهَدي معكوفا : يقول : محبوسا عن أن يبلغ مَحِلّه. فموضع «أن » نصب لتعلقه إن شئت بمعكوف، وإن شئت بصدّوا. وكان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك : وصدّوا الهدي معكوفا كراهية أن يبلغ محله.
وعنى بقوله تعالى ذكره : أنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ أن يبلغ محلّ نحره، وذلك دخول الحرم، والموضع الذي إذا صار إليه حلّ نحره، وكان رسول الله ﷺ ساق معه حين خرج إلى مكة في سَفرته تلك سبعين بدنة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدّثاه، قالا : خرج رسول الله ﷺ عام الحُديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق الهَدي معه سبعين بدنة وكان الناس سبعَ مئة رجل، فكانت كلّ بدنة عن عشرة.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدّوكُمْ عَن المَسْجدِ الحَرَام، وَالهَدْيَ مَعْكُوفا أنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصَدوكْم عَن المَسْجدِ الْحَرَامِ والهَدْيَ مَعْكُوفا : أي محبوسا أنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ وأقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه معتمرين في ذي القعدة، ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحُديبية، صدّهم المشركون، فصالحهم نبيّ ﷺ صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، ثم يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من أهلها، فنحروا الهدي، وحلقوا، وقصّروا، حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيّ ﷺ وأصحابه حتى دخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة، فأقام بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فجروا عليه حين ردّوه، فأقصه الله منهم فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردّوه فيه، فأنزل الله الشّهْرُ الْحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماتُ قِصَاصٌ.
حدثني محمد بن عمارة الأسديّ وأحمد بن منصور الرمادي، واللفظ لابن عمارة، قالا : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال : بعثت قريش سُهَيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العُزّى، وحفص بن فلان إلى النبيّ ﷺ ليصالحوه فلما رآهم رسول الله ﷺ فيهم سُهَيل بن عمرو، قال :«قد سهّل الله لكم من أمركم، القوم مائلون إليكم بأرحامهم وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهَدي، وأظهروا التلبية، لعلّ ذلك يلين قلوبهم »، فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجّت أصواتهم بالتّلبية، فجاؤوا فسألوه الصلح قال : فبينما الناس قد توادعوا وفي المسلمين ناس من المشركين، قال : فقيل به أبو سفيان قال : وإذا الوادي يسيل بالرجال قال : قال إياس، قال سلمة : فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا، فأتيت بهم النبيّ ﷺ، فلم يسلب ولم يقتل وعفا قال : فشددنا على من في أيدي المشركين منا، فما تركنا في أيديهم منا رجلاً إلا استنقذناه قال : وغلبنا على من في أيدينا منهم ثم إن قريشا بعثوا سُهَيل بن عمرو، وحويطبا، فولوا صلحهم، وبعث النبيّ ﷺ عليا في صلحه فكتب عليّ بينهم : بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ قريشا، صالحهم على أنه لا إهلال ولا امتلال، وعلى أنه من قَدِم مكة من أصحاب محمد ﷺ حاجا أو معتمرا، أو يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله ومن قَدِم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله وعلى أنه من جاء محمدا ﷺ من قريش فهو إليهم رَدّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم. فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ :«مَنْ جاءَهُمْ مِنّا فأَبْعَدَهُ اللّهُ، وَمَنْ جاءَنا مِنْهُمْ فَرَدَدْناه إلَيْهِمْ فَعَلِمَ اللّهُ الإسْلامَ مِنْ نَفْسِهِ، جَعَلَ لَهُ مَخْرَجا ». فصالحوه على أنه يعتمر في عام قابل في هذا الشهر، لا يدخل علينا بخيل ولا سلاح، إلا ما يحمل المسافر في قِرابه، يثوي فينا ثلاث ليال، وعلى أن هذا الهَدْي حيثما حبسناه محّله لا يقدمه علينا. فقال لهم رسول الله ﷺ :«نَحْن نَسُوقُهُ وأنْتُمْ تَرُدونَ وُجُوهَهُ »، فسار رسول الله مع الهدي وسار الناس.
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا موسى، قال : أخبرني أبو مُرّة مولى أمّ هانىء، عن ابن عمر، قال :«كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له المشركون، فردّوا وجوهه قال : فنحر النبيّ ﷺ الهدي حين حبسوه، وهي الحُديبية، وحلق، وتأسّى به أُناس حين رأوه حلق، وتربّص آخرون، فقالوا : لعلنا نطوف بالبيت، فقال رسول الله ﷺ :«رَحِمَ اللّهُ المُحَلّقِينَ »، قيل : والمقصرين، قال :«رَحِمَ اللّهُ المُحَلّقِينَ »، قيل : والمقصرين، قال :«والمُقَصّرِينَ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمر بن ذَرّ الهمداني، عن مجاهد أن النبيّ ﷺ اعتمر ثلاث عمر، كلها في ذي القعدة، يرجع في كلها إلى المدينة، منها العمرة التي صدّ فيها الهدي، فنحره في محله، عند الشجرة، وشارطوه أن يأتي في العام المقبل معتمرا، فيدخل مكة، فيطوف بالبيت ثلاثة أيام، ثم يخرج، ولا يحبسون عنه أحدا قدم معه، ولا يخرج من مكة بأحد كان فيها قبل قدومه من المسلمين فلما كان من العام المقبل دخل مكة، فأقام بها ثلاثا يطوف بالبيت فلما كان اليوم الثالث قريبا من الظهر، أرسلوا إليه : إن قومك قد آذاهم مقامك، فنُودي في الناس : لا تغرب الشمس وفيها أحد من المسلمين قَدم مع رسول الله ﷺ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، قال : خرج النبيّ ﷺ زمن الحُديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحُلَيْفة قلّد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خُزاعة يخبره عن قريش، وسار النبيّ ﷺ، حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من قُعَيقعان، أتاه عينه الخزاعيّ، فقال : إني تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ :«أشِيرُوا عَليّ، أتَرَوْنَ أنْ نَمِيلَ على ذَرَارِي هَؤُلاءِ الّذِينَ أعانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ، فإنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْزُونِين وإنْ لحّوا تَكنْ عُنُقا قَطَعَها اللّهُ ؟ أمْ تَرَوْنَ أنّا نَؤُمّ البَيْتَ، فمَنْ صَدّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ ؟ » فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال : يا رسول الله : إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه فقال النبيّ ﷺ :«فَروّحُوا إذًا » وكان أبو هريرة يقول : ما رأيت أحدا قطّ كان أكثر مُشاورة لأصحابه من النبيّ ﷺ، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبيّ ﷺ :«إنّ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ بالغَمِيم في خَيْل لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فخُذُوا ذَاتَ اليْمِينِ »، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بُقْترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبيّ ﷺ، حتى إذا كان بالثنية التي يُهبْط عليهم منها، بركت به راحلته فقال الناس : حَلْ حَل، فقال : ما حَلْ ؟ فقالوا : خَلأَتِ القَصْواء، فقال النبيّ ﷺ :«ما خَلأَتْ وَما ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ، ولَكِنّها حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ »، ثم قال :«والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسألُونِي خُطّةً يُعَظّمُونَ بها حُرُماتِ اللّهِ إلاّ أعْطَيْتُهُم إيّاها »، ثم زُجِرت فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرّضه الناس تبرّضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشُكِي إلى رسول الله ﷺ العطش، فنزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك جاء بُدَيل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خُزاعة، وكانوا عَيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال : إني تركت كعب بن لُؤَيّ، وعامر بن لُؤَيّ، قد نزلوا أعداد مياه الحُديبية معهم العوْذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال النبيّ ﷺ :«إنّا لَمْ نأْتِ لِقِتال أَحَدٍ، وَلَكِنّا جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وإنّ قُرَيْشا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ، وأَضَرّتْ بِهمْ، فإنْ شاؤوُا مادَدْناهُمْ مُدّةً، ويُخْلُوا بَيْنِي وَبَينَ النّاسِ، فإنْ أظْهَرْ فإنْ شاؤوا أن يَدْخُلُوا فِيما دَخَلَ فِيهِ النّاسُ فَعَلُوا، وَإلاّ فَقَدْ جَمّوا وَإنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالّذي نَفْسي بِيَدِهِ لأَقُاتِلَنّهُمْ عَلى أمْرِي هَذَا حتى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي، أوْ لَيُنْفِذَن اللّهُ أمْرَهُ » فقال بديل : سنبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا، فقال : إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا قال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول : قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبيّ ﷺ، فقام عُروة بن مسعود الثقفي، فقال : أيْ قوم، ألستم بالولد ؟ قالوا : بلى أو لست بالوالد ؟ قالوا : بلى قال : فهل أنتم تتهموني ؟ قالوا : لا قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وَولدِي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى قال : فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته فقالوا : ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبيّ ﷺ، فقال النبيّ ﷺ نحوا من مقالته لبُديل فقال عروة عند ذلك : أي م