تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مخبرا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومن مالأهم(١) على نصرتهم على رسول الله ﷺ :﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي : هم الكفار دون غيرهم، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي : وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي : وصدوا الهدي أن يصل(٢) إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهديُ سبعين بدنة، كما سيأتي بيانه.
وقوله :﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي : بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سَلَّطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة(٣) القتل ؛ ولهذا قال :﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي : إثم وغرامة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي : يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام.
ثم قال :﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي : لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي : لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلا ذريعا.
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أبو الزِّنْباع - روح بن الفرج - حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله(٤) أبو سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا حُجْر بن خلف : سمعت عبد الله بن عوف(٥) يقول(٦) : سمعت (٧) جنيد بن سبع يقول(٨) : قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار مسلما، وفينا نزلت :﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ قال : كنا تسعة نفر : سبعة رجال وامرأتين (٩).
ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه : عن أبي جمعة جنيد بن سبيع، فذكره (١٠) والصواب أبو جعفر : حبيب بن سباع. ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف(١١)،
به. وقال : كنا ثلاثة(١٢) رجال وتسع نسوة، وفينا نزلت :﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة، عن أبي حمزة (١٣)، عن عطاء عن سعيد بن جبير(١٤)، عن ابن عباس :﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يقول : لو تزيل الكفار من المؤمنين، لعذبهم الله عذابا أليما بقتلهم إياهم.
١ - (١) في ت، أ: "ولا هم"..
٢ - (٢) في ت: "يبلغ"..
٣ - (٣) في أ: "حال"..
٤ - (٤) في م، أ: "عبيد الله"..
٥ - (٥) في أ: "عمرو"..
٦ - (٦) في ت: "روى الحافظ الطبراني بسنده"..
٧ - (٧) في ت: "عن"..
٨ - (٨) في ت: "قال"..
٩ - (٩) المعجم الكبير (٢/٢٩٠)..
١٠ - (١٠) المعجم الكبير (٤/٢٤)..
١١ - (١١) في أ: "حنيف"..
١٢ - (١) في م: "ثلاث"..
١٣ - (٢) في أ: "عن أبي هريرة"..
١٤ - (٣) في ت: "روى ابن أبي حاتم بسنده"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى