الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
و﴿الحَمِيَّةُ﴾ التي جعلوها هي حَمِيَّةُ أَهل مكة في الصَّدِّ ؛ قال الزُّهْرِيُّ : وهي حمية سُهَيْلٍ ومَنْ شَاهَدَ مِنْهُمْ عقدَ الصُّلْحِ، وجعلها سبحانه حَمِيَّةً جاهلية، لأَنَّها كانت منهم بغير حُجَّةٍ، إذ لم يأت ﷺ مُحِارِباً لهم، وإنما جاء معتمراً معظِّماً لبيت اللَّه، و( السكينة ) : هي الطَّمْأَنِينَةُ إلى أَمْرِ رسُولِ اللَّه ﷺ، والثقةُ بوعد اللَّه، والطاعةُ، وزوالُ الأَنَفَةِ التي لحقت عُمَرَ وغيره، و( كَلِمَةُ التَّقْوَى ) : قال الجمهور : هي لا إله إلا اللَّه، ورُوِيَ ذلك عن النبيِّ ﷺ وفي مصحف ابن مسعود :﴿وَكَانُوا أَهْلَهَا وَأَحَقَّ بِهَا﴾ والمعنى : كانوا أهلها على الإطلاق في علم اللَّه وسابق قضائه لهم، وروى أبو أمامة عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ :" إذَا نَادَى المُنَادِي فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، فَمَنْ نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ أَوْ شِدَّةٌ فَلْيَتَحَيَّنِ المُنَادِيَ، فَإذَا كَبَّرَ كَبَّرَ، وَإذَا تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ، وَإذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، وَإذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ : حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، ثُمَّ يَقُولُ : رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الصادِقَةِ المُسْتَجَابِ لَهَا، دَعُوَةِ الحَقِّ وَكَلِمَةِ التقوى، أَحْيِنَا عَلَيْهَا، وَأَمِتْنَا عَلَيْهَا، وَابْعَثْنَا عَلَيْهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَاً، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَتَهُ ". رواه الحاكم في «المُسْتَدْرَكِ »، وقال : صحيح الإسناد، انتهى من «السِّلاَح ».
فقد بَيَّنَ ﷺ في هذا الحديث معنى «كلمة التقوى » على نحو ما فسرَ به الجمهور، والصحيحِ أنه يعوض عن الحَيْعَلَةِ الحَوْقَلَةُ ؛ ففي صحيح مسلم :" ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَلاَةِ، قَالَ : لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَالَ : لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ " الحديث، انتهى.
وقوله تعالى :﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية ؛ فيُرْوَى أَنَّهُ لما انعقد الصلحُ أَمِنَ الناسُ في تلك المُدَّةِ الحربَ والفتنةَ، وامتزجوا وعَلَتْ دعوةُ الإسلام، وانقاد إلى الإسلام كُلُّ مَنْ له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أَضعافَ ما كان قبلَ ذلك ؛ قال ( ع ) : ويقتضى ذلك أَنَّ النبي ﷺ، كان في عام الحديبيةِ في أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائة، ثم سار إلى مَكَّةَ بعد ذلك بعامين في عَشَرَةِ آلاف فارس ﷺ.
( ت ) : المعروف عَشَرَةُ آلاف، وقوله فارس ما أَظُنُّهُ يَصِحُّ فتأمله في كتب السيرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى