الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، لأنه لَمَّا تقدَّمَ :﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ دَلَّ على ذلك المقدَّرِ أي : هو أي : الرسولُ بالهدى محمدٌ، و " رسولُ " بدلٌ أو بيانٌ أو نعتٌ، وأن يكونَ مبتدأً أو خبراً، وأن يكونَ مبتدأً و " رسولُ اللَّهِ " على ما تقدَّم من البدلِ والبيانِ والنعتِ. و " الذين معه " عطفٌ على " محمدٌ " والخبرُ عنهم قوله :﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾. وابن عامر في روايةٍ " رسولَ الله " بالنصبِ على الاختصاصِ، وهي تؤيِّدُ كونَه تابعاً لا خبراً حالةَ الرفعِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ " والذين " على هذا الوجه مجروراً عطفاً على الجلالة أي : ورسولُ الذين آمنوا معه ؛ لأنه لَمَّا أُرْسِل إليهم أُضيف إليهم فهو رسولُ اللَّهِ بمعنى : أنَّ اللَّهَ أرسله، ورسولُ أمتِه بمعنى : أنه مُرْسَلٌ إليهم، ويكون " أشدَّاءُ " حينئذٍ خبرَ مبتدأ مضمر أي : هم أشدَّاء. ويجوزُ أَنْ يكونَ تَمَّ الكلام على " رسولُ الله " و " الذين معه " مبتدأٌ و " أشدَّاءُ " خبره.
وقرأ الحسن " أشداءَ، رحماءَ " بالنصبِ : إمَّا على المدحِ، وإمَّا على الحال من الضميرِ المستكنِّ في " معه " لوقوعِه صلةً، والخبرُ حينئذٍ عن المبتدأ.
قوله :﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ حالان ؛ لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ، وكذلك " يَبْتَغُون " يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وإذا كانَتْ حالاً فيجوزُ أَنْ تكونَ حالاً ثالثةً مِنْ مفعول " تَراهم " وأن تكونَ من الضمير المستترِ في " رُكَّعاً سجداً ". وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ " سُجَّداً " حالاً مِنَ الضمير في " رُكَّعاً " حالاً مقدرة. فعلى هذا يكونُ " يَبْتَغون " حالاً من الضميرِ في " سُجَّداً " فتكونُ حالاً مِنْ حال، وتلك الحالُ الأولى حالٌ مِنْ حال أخرى.
وقرأ ابن يعمر " أَشِدَّا " بالقصرِ، والقصرُ مِنْ ضرائر الأشعار كقوله :
٤٠٨١ لا بدَّ مِنْ صَنْعا وإنْ طالَ السَّفرْ ***
فلذلك كانَتْ شاذَّةً. قال الشيخ :" وقرأ عمرو بن عبيد " ورُضوانا " بضم الراء ". قلت : هذه قراءةٌ متواترةٌ قرأها عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ عنه قَدَّمْتها في سورة آل عمران، واستثنيتُ له حرفاً واحداً وهو ثاني المائدة.
وقُرِئ " سِيْمِياؤهم " بياء بعد الميمِ والمدِّ، وهي لغةٌ فصيحةٌ وأُنْشِد :
وتقدَّم الكلامُ عليها وعلى اشتقاقِها في آخر البقرة. و " في وجوههِم " خبرُ " سِيماهم ".
قوله :﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ حال من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو " في وجوههم ".
والعامَّةُ " مِنْ أَثَرِ " بفتحتين، وابن هرمز بكسرٍ وسكون، وقتادة " مِنْ آثارَ " جمعاً.
قوله :" ذلك مَثَلُهم " " ذلك " إشارةٌ إلى ما تقدَّم من وَصْفِهم بكونهم أَشِدَّاءَ رُحَماءَ لهم سِيما في وجوههم، وهو مبتدأ خبرُه " مَثَلُهم " و " في التوراة " حالٌ مِنْ مَثَلُهم " والعاملُ معنى الإِشارة.
قوله :﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ﴾ يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما : أنَّه مبتدأٌ وخبرُه " كزَرْعٍ " فيُوقَفُ على قولِه :" في التوراة " فهما مَثَلان. وإليه ذهب ابن عباس. والثاني : أنه معطوفٌ على " مَثَلُهم " الأولِ، فيكونُ مَثَلاً/ واحداً في الكتابَيْن، ويُوْقَفُ حينئذٍ على " الإِنجيل " وإليه نحا مجاهدٌ والفراء، ويكون قولُه على هذا :" كزَرْع " فيه أوجهٌ، أحدها : أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي : مَثَلُهم كزَرْعٍ، فَسَّر بها المثل المذكور. الثاني : أنه حالٌ من الضمير في " مَثَلُهم " أي : مُماثِلين زَرْعاً هذه صفتُه. الثالث : أنها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أي : تمثيلاً كزرع، ذكره أبو البقاء. وليس بذاك. وقال الزمخشريُّ :" ويجوزُ أَنْ يكونَ " ذلك " إشارةً مُبْهَمَةً أُوْضِحَتْ بقولِه :" كَزَرْع " كقوله :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ﴾ ".
قوله :" أَخْرَجَ شَطْأَه " صفةٌ لزرع. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان بفتح الطاء، والباقون بإسكانها، وهما لغتان. وفي الحرف لغاتٌ أخرى قُرِئَ بها في الشاذِّ : فقرأ أبو حيوةَ " شَطاءَه " بالمدِّ، وزيد بن علي " شَطاه " بألفٍ صريحةٍ بعد الطاءِ، فاحتملَتْ أَنْ تكونَ بدلاً من الهمزةِ بعد نقلِ حركتِها إلى الساكنِ قبلَها على لغةِ مَنْ يقولُ : المَراةُ والكَماةُ بعد النقلِ، وهو مقيسٌ عند الكوفيين، واحتملَ أَنْ يكونَ مقصوراً من الممدود. وأبو جعفر ونافعٌ في روايةٍ " شَطَه " بالنقل والحَذْفِ وهو القياسُ. والجحدري " شَطْوَه " أبدل الهمزة واواً، إذ تكونُ لغةً مستقلةً. وهذه كلُّها لغاتٌ في فراخِ الزَّرْع. يقال : شَطَأَ الزَّرْعُ وأَشْطَأ أي : أخرجَ فِراخَه. وهل يختصُّ ذلك بالحِنْطة فقط، أو بها وبالشعيرِ فقط، أو لا يختصُّ ؟ خلاف مشهور قال :
قوله :" فآزَرَه " العامَّةُ على المدِّ وهو على أَفْعَل. وغَلَّطوا مَنْ قال : إنه فاعَلَ كمجاهدٍ وغيرِه بأنَّه لم يُسْمَعْ في مضارِعه يُؤَازِرُ بل يُؤْزِرُ. وقرأ ابن ذكوان " فَأَزَره " مقصوراً جعله ثلاثياً. وقُرِئ " فأَزَّرَه " بالتشديدِ والمعنى في الكلِّ : قَوَّاه.
وقيل : ساواه. وأُنْشد :
قوله :" على سُوْقِه " متعلِّقٌ ب " اسْتوى "، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً أي : كائناً على سُوْقِه أي : قائماً عليها. وقد تقدَّم في النمل أن قنبلاً يقرأ " سُؤْقِه " بالهمزةِ الساكنة كقولِه :
٤٠٨٥ أحَبُّ المُؤْقِدين إليَّ موسى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهمزةٍ مضمومةٍ بعدها واوٌ كقُرُوْح، وتوجيهُ ذلك. والسُّوْق : جمع ساق.
قوله :" يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ " حالٌ أي : مُعْجِباً، وهنا تَمَّ المَثَلُ.
قوله :" ليَغيظَ " فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه متعلِّقٌ ب " وَعَدَ " ؛ لأنَّ الكفارَ إذا سَمِعوا بعِزِّ المؤمنين في الدنيا وما أُعِدَّ لهم في الآخرة غاظَهم ذلك. الثاني : أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ دَلَّ عليه تشبيهُهم بالزَّرْعِ في نَمائِهم وتَقْويتِهم. قاله الزمخشري أي : شَبَّههم اللَّهُ بذلك ليَغيظَ. الثالث : أنه متعلِّقٌ بما دَلَّ عليه قولُه :﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى آخره أي : جعلهم بهذه الصفاتِ ليَغيظَ.
قوله :" مِنْهم " " مِنْ " هذه للبيانِ لا للتبعيضِ ؛ لأنَّ كلَّهم كذلك فهي كقولِه :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقال الطبري :" منهم أي : من الشَّطْء الذي أخرجه الزرعُ، وهم الداخلون في الإِسلامِ إلى يومِ القيامة "، فأعاد الضميرَ على معنى الشَّطْءِ، لا على لفظِه، وهو معنى حسنٌ.
وقرأ الحسن " أشداءَ، رحماءَ " بالنصبِ : إمَّا على المدحِ، وإمَّا على الحال من الضميرِ المستكنِّ في " معه " لوقوعِه صلةً، والخبرُ حينئذٍ عن المبتدأ.
قوله :﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ حالان ؛ لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ، وكذلك " يَبْتَغُون " يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وإذا كانَتْ حالاً فيجوزُ أَنْ تكونَ حالاً ثالثةً مِنْ مفعول " تَراهم " وأن تكونَ من الضمير المستترِ في " رُكَّعاً سجداً ". وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ " سُجَّداً " حالاً مِنَ الضمير في " رُكَّعاً " حالاً مقدرة. فعلى هذا يكونُ " يَبْتَغون " حالاً من الضميرِ في " سُجَّداً " فتكونُ حالاً مِنْ حال، وتلك الحالُ الأولى حالٌ مِنْ حال أخرى.
وقرأ ابن يعمر " أَشِدَّا " بالقصرِ، والقصرُ مِنْ ضرائر الأشعار كقوله :
٤٠٨١ لا بدَّ مِنْ صَنْعا وإنْ طالَ السَّفرْ ***
فلذلك كانَتْ شاذَّةً. قال الشيخ :" وقرأ عمرو بن عبيد " ورُضوانا " بضم الراء ". قلت : هذه قراءةٌ متواترةٌ قرأها عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ عنه قَدَّمْتها في سورة آل عمران، واستثنيتُ له حرفاً واحداً وهو ثاني المائدة.
وقُرِئ " سِيْمِياؤهم " بياء بعد الميمِ والمدِّ، وهي لغةٌ فصيحةٌ وأُنْشِد :
| ٤٠٨٢ غلامٌ رَماه اللَّهُ بالحُسْن يافعاً | له سِيْمِياءُ لا تَشُقُّ على البصَرْ |
قوله :﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ حال من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو " في وجوههم ".
والعامَّةُ " مِنْ أَثَرِ " بفتحتين، وابن هرمز بكسرٍ وسكون، وقتادة " مِنْ آثارَ " جمعاً.
قوله :" ذلك مَثَلُهم " " ذلك " إشارةٌ إلى ما تقدَّم من وَصْفِهم بكونهم أَشِدَّاءَ رُحَماءَ لهم سِيما في وجوههم، وهو مبتدأ خبرُه " مَثَلُهم " و " في التوراة " حالٌ مِنْ مَثَلُهم " والعاملُ معنى الإِشارة.
قوله :﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ﴾ يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما : أنَّه مبتدأٌ وخبرُه " كزَرْعٍ " فيُوقَفُ على قولِه :" في التوراة " فهما مَثَلان. وإليه ذهب ابن عباس. والثاني : أنه معطوفٌ على " مَثَلُهم " الأولِ، فيكونُ مَثَلاً/ واحداً في الكتابَيْن، ويُوْقَفُ حينئذٍ على " الإِنجيل " وإليه نحا مجاهدٌ والفراء، ويكون قولُه على هذا :" كزَرْع " فيه أوجهٌ، أحدها : أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي : مَثَلُهم كزَرْعٍ، فَسَّر بها المثل المذكور. الثاني : أنه حالٌ من الضمير في " مَثَلُهم " أي : مُماثِلين زَرْعاً هذه صفتُه. الثالث : أنها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أي : تمثيلاً كزرع، ذكره أبو البقاء. وليس بذاك. وقال الزمخشريُّ :" ويجوزُ أَنْ يكونَ " ذلك " إشارةً مُبْهَمَةً أُوْضِحَتْ بقولِه :" كَزَرْع " كقوله :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ﴾ ".
قوله :" أَخْرَجَ شَطْأَه " صفةٌ لزرع. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان بفتح الطاء، والباقون بإسكانها، وهما لغتان. وفي الحرف لغاتٌ أخرى قُرِئَ بها في الشاذِّ : فقرأ أبو حيوةَ " شَطاءَه " بالمدِّ، وزيد بن علي " شَطاه " بألفٍ صريحةٍ بعد الطاءِ، فاحتملَتْ أَنْ تكونَ بدلاً من الهمزةِ بعد نقلِ حركتِها إلى الساكنِ قبلَها على لغةِ مَنْ يقولُ : المَراةُ والكَماةُ بعد النقلِ، وهو مقيسٌ عند الكوفيين، واحتملَ أَنْ يكونَ مقصوراً من الممدود. وأبو جعفر ونافعٌ في روايةٍ " شَطَه " بالنقل والحَذْفِ وهو القياسُ. والجحدري " شَطْوَه " أبدل الهمزة واواً، إذ تكونُ لغةً مستقلةً. وهذه كلُّها لغاتٌ في فراخِ الزَّرْع. يقال : شَطَأَ الزَّرْعُ وأَشْطَأ أي : أخرجَ فِراخَه. وهل يختصُّ ذلك بالحِنْطة فقط، أو بها وبالشعيرِ فقط، أو لا يختصُّ ؟ خلاف مشهور قال :
| ٤٠٨٣ أَخْرج الشَّطْءَ على وجهِ الثَّرى | ومنَ الأشجارِ أفنانَ الثمرْ |
وقيل : ساواه. وأُنْشد :
| ٤٠٨٤ بمَحْنِيَةٍ قد آزَرَ الضالُّ نَبْتَها | مَجَرَّ جُيُوشٍ غانِميْنَ وخُيَّبِ |
٤٠٨٥ أحَبُّ المُؤْقِدين إليَّ موسى ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهمزةٍ مضمومةٍ بعدها واوٌ كقُرُوْح، وتوجيهُ ذلك. والسُّوْق : جمع ساق.
قوله :" يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ " حالٌ أي : مُعْجِباً، وهنا تَمَّ المَثَلُ.
قوله :" ليَغيظَ " فيه أوجهٌ، أحدُها : أنه متعلِّقٌ ب " وَعَدَ " ؛ لأنَّ الكفارَ إذا سَمِعوا بعِزِّ المؤمنين في الدنيا وما أُعِدَّ لهم في الآخرة غاظَهم ذلك. الثاني : أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ دَلَّ عليه تشبيهُهم بالزَّرْعِ في نَمائِهم وتَقْويتِهم. قاله الزمخشري أي : شَبَّههم اللَّهُ بذلك ليَغيظَ. الثالث : أنه متعلِّقٌ بما دَلَّ عليه قولُه :﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى آخره أي : جعلهم بهذه الصفاتِ ليَغيظَ.
قوله :" مِنْهم " " مِنْ " هذه للبيانِ لا للتبعيضِ ؛ لأنَّ كلَّهم كذلك فهي كقولِه :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقال الطبري :" منهم أي : من الشَّطْء الذي أخرجه الزرعُ، وهم الداخلون في الإِسلامِ إلى يومِ القيامة "، فأعاد الضميرَ على معنى الشَّطْءِ، لا على لفظِه، وهو معنى حسنٌ.