تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾.
لما بيّن صدق الرسول ﷺ في رؤياه واطمأنت نفوس المؤمنين أعقب ذلك بتنويه شأن الرسول ﷺ والثناء على المؤمنين الذين معه.
و ﴿محمد﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره : هو محمد يعود هذا الضمير المحذوف على قوله :﴿رسوله﴾ [الفتح: ٢٨] في الآية قبلها. وهذا من حذف المسند الذي وصفه السكاكي بالحذف الذي الاستعمال وارد على ترك المسند إليه وترك نظائره. قال التفتازاني في « المطول » « ومنه قولهم بعد أن يذكروا رجلاً : فتى من شأنه كذا وكذا، وهو أن يذكروا الديار أو المنازل ربع كذا وكذا ». ومن أمثلة « المفتاح » لذاك قوله :( فراجعهما ) أي العقل السليم والطبع المستقيم في مثل : قوله
إذ لم يقل : هو فتى.
وهذا المعنى هو الأظهر هنا إذ ليس المقصود إفادة أن محمداً رسول الله وإنما المقصود بيان رسول الله من هو بعد أن أجرى عليه من الأخبار من قوله :﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ [الفتح: ٢٧] إلى قوله :﴿ليظهره على الدين كله﴾ [الفتح: ٢٨] فيعتبر السامع كالمشتاق إلى بيان : مَنْ هذا المتحدث عنه بهذه الأخبار ؟ فيقال له : محمد رسول الله، أي هو محمد رسول الله. وهذا من العناية والاهتمام بذكر مناقبه ﷺ فتعتبر الجملةُ المحذوفُ مبتدؤها مستأنفةً استئنافاً بيانياً. وفيه وجوه أخر لا تخفى، والأحسن منها هذا.
وفي هذا نداء على إبطال جحود المشركين رسالته حين امتنعوا من أن يكتب في صحيفة الصلح « هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. وقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ».
وقوله :﴿والذين معه﴾ يجوز أن يكون مبتدأ و ﴿أشداء﴾ خبراً عنه وما بعده إخبار. والمقصود الثناء على أصحاب رسول الله ﷺ ومعنى ﴿معه﴾ : المصاحَبة الكاملة بالطاعة والتأييد كقوله تعالى :﴿وقال الله إني معكم﴾. والمراد : أصحابه كلهم لا خصوص أهل الحديبية.
وإن كانوا هم المقصود ابتداء فقد عُرفوا بصدق ما عاهدوا عليه الله، ولذلك لما انهزم المسلمون يوم حنين قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب نادِ يا أصل السَّمُرة. ويجوز أن يكون ﴿والذين معه﴾ عطفاً على ﴿رسولَه﴾ من قوله :﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾ [التوبة: ٣٣]. والتقدير : وأرسل الذين معه، أي أصحابه على أن المراد بالإرسال ما يشمل الإذن لهم بواسطة الرسول ﷺ كقوله تعالى :﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين﴾ [يس: ١٤] الآية فإن المرسلين إلى أهل أنطاكية كانوا من الحواريين، أمرهم عيسى بنشر الهدى والتوحيد.
فيكون الإرسال البعث له في قوله تعالى :﴿بعثنا عليكم عبادا لَنَا﴾ وعلى هذا يكون ﴿أرسلنا﴾ في هذه الآية مستعملاً في حقيقته ومجازه.
و ﴿أشداء﴾ : جمع شديد، وهو الموصوف بالشدة المعنوية وهي صلابة المعاملة وقساوتها، قال تعالى في وصف النار ﴿عليها ملائكة غلاظٌ شداد﴾ [التحريم: ٦].
والشدة على الكفار : هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم، وهذا وصف مدح لأن المؤمنين الذين مع النبي ﷺ كانوا هم فئة الحق ونشر الإسلام فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وأصحاب النبي ﷺ أقوى المؤمنين إيماناً من أجْل إشراق أنوار النبوءة على قلوبهم فلا جرم أن يكونوا أشد على الكفار فإن بين نفوس الفريقين تمام المضادة وما كانت كراهيتهم للصلح مع الكفار يوم الحديبية ورغبتهم في قتل أسراهم الذين ثقفوهم يوم الحديبية وعفا عنهم النبي ﷺ إلا من آثار شدتهم على الكفار ولم تكن لاحت لهم المصلحة الراجحة على القتال وعلى القتل التي آثرها النبي ﷺ ولذلك كان أكثرهم محاورة في إباء الصلح يومئذٍ أشد أشدّائهم على الكفار وهو عمر بن الخطاب وكان أفهمهم للمصلحة التي توخاها النبي ﷺ في إبرام الصلح أبا بكر. وقد قال سهل بن حنيف يوم صفين : أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله فعله لرددناه. والله ورسوله أعلم.
ثم تكون أحكام الشدة على الكفار من وجوب وندب وإباحة وأحكام صحبتهم ومعاملتهم جارية على مختلف الأحوال ولعلماء الإسلام فيها مقال، وقد تقدم كثير من ذلك في سورة آل عمران وفي سورة براءة. والشدة على الكفار اقتبسوها من شدة النبي ﷺ في إقامة الدين قال تعالى ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
وأما كونهم رحماء بينهم فذلك من رسوخ أخوة الإيمان بينهم في نفوسهم. وقد وردت أخبار أخوتهم وتراحمهم في مواضع كثيرة من القرآن وكلام الرسول ﷺ.
وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين الشدّةِ والرحمة إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الرؤية. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعِزّة على الكافرين﴾ في سورة العقود ( ٥٤ ).
وفي تعليق رحماء } مع ظرف ( بين ) المفيد للمكان الداخل وسط ما يضاف هو إليه تنبيه على انبثاث التراحم فيهم جميعاً قال النبي ﷺ « تجد المسلمين في توادِّهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى له جميع الجسد بالسهر والحمى »
والخطاب في ﴿تراهم﴾ لغير معين بل لكل من تتأتى رؤيته إياهم، أي يراهم الرائي.
وإيثار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك، أي تراهم كلما شئت أن تراهم ركعاً سجداً. وهذا ثناء عليهم بشدة إقبالهم على أفضل الأعمال المزكية للنفس، وهي الصلوات مفروضُها ونافلتها وأنهم يتطلبون بذلك رضى الله ورضوانه. وفي سوق هذا في مساق الثناء إيماء إلى أن الله حقق لهم ما يبتغونه.
والسيما : العلامة، وتقدم عند قوله تعالى :﴿تعرفهم بسيماهم﴾ في البقرة ( ٢٧٣ ) وهذه سيما خاصة هي من أثر السجود.
واختلف في المراد من السيما التي وصفت بأنها ﴿من أثر السجود﴾ على ثلاثة أنحاء الأول : أنها أثر محسوس للسجود، الثاني أنها من الأثر النفسي للسجود، الثالث أنها أثر يظهر في وجوههم يوم القيامة. فبالأول فسر مالك بن أنس وعكرمة وأبو العالية قال مالك : السيما هي ما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود مثل ما تعلق بجبهة النبي ﷺ من أثر الطين والماء لما وَكَف المسجد صبيحة إحدى وعشرين من رمضان. وقال السعيد وعكرمة : الأثر كالغدة يكون في جبهة الرجل.
وليس المراد أنهم يتكلفون حدوث ذلك في وجوههم ولكنه يحصل من غير قصد بسبب تكرر مباشرة الجبهة للأرض وبشرات الناس مختلفة في التأثر بذلك فلا حرج على من حصل له ذلك إذا لم يتكلفه ولم يقصد به رياء.
وقال أبو العالية : يسجدون على التراب لا على الأثواب.
وإلى النحو الثاني فسر الأعمش والحسن وعطاء والربيع ومجاهد عن ابن عباس وابن جزء والضحاك. فقال الأعمش : مَن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وقريب منه عن عطاء والربيع بن سليمان. وقال ابن عباس : هو حسن السمت. وقال مجاهد : هو نور من الخشوع والتواضع. وقال الحسن والضحاك : بياض وصفرة وتهيج يعتري الوجوه من السهر. وإلى النحو الثالث فسر سعيد بن جبير أيضاً والزهري وابن عباس في رواية العوفي والحسن أيضاً وخالد الحنفي وعطية وشهر بن حوشب : أنها سِيما تكون لهم يوم القيامة، وقالوا : هي بياض يكون في الوجه يوم القيامة كالقمر ليلة البدر يجعله الله كرامة لهم. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول الله في قوله تعالى :﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩] : النور يوم القيامة، قيل وسنده حسن وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات إذ كل ذلك من السيما المحمودة ولكنّ النبي ﷺ ذَكر أعلاها.
وضمائر الغيبة في قوله :﴿تراهم﴾ و ﴿يبتغون﴾ و ﴿سيماهم في وجوههم﴾ عائدة إلى ﴿الذين معه﴾ على الوجه الأول، وإلى كل من ﴿محمد رسول اللَّه والذين معه﴾ على الوجه الثاني.
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التوراة﴾.
الإشارة ب ﴿ذلك﴾ إلى المذكور من صفات الذين مع النبي ﷺ لأن السابق في الذكر بمنزلة الحاضر فيشار إليه بهذا الاعتبار فاسم الإشارة مبتدأ و ﴿مثلهم﴾ خبره.
والمَثل يطلق على الحالة العجيبة، ويطلق على النظير، أي المُشابه فإن كان هنا محمولاً على الحالة العجيبة فالمعنى : أن الصفات المذكورة هي حالهم الموصوف في « التوراة ». وقوله :﴿في التوراة﴾ متعلق ب ﴿مثلهم﴾ أو حال منه. فيحتمل أن في « التوراة » وصف قوم سيأتون ووصفوا بهذه الصفات، فبيّن الله بهذه الآية أن الذين مع النبي ﷺ هم المقصود بتلك الصفة العجيبة التي في « التوراة »، أي أن « التوراة » قد جاءت فيها بشارة بمجيء محمد ﷺ ووصف أصحاب النبي ﷺ والذي وقفنا عليه في « التوراة » مما يصلح لتطبيق هذه الآية هو البشارة الرمزية التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من « سفر التثنية » من قول موسى عليه السلام :« جاء الربُ من سينا وأشرقَ لهم من سَعير وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القُدُس وعن يمينه نار شريعة لهم فأحبّ الشعب جميع قديسيه وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك » فإن جبل فاران هو حِيال الحجاز. وقوله :« فأحب الشعب جميع قديسيه » يشير إليه قوله :﴿رحماءُ بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]، وقد تقدم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ما ينطبق على هذا من سورة الفتح وقوله : قديسيه يفيد معنى ﴿تراهم رُكَّعا سُجَّدا﴾ [الفتح: ٢٩] ومعنى ﴿سِيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩]. وقوله في « التوراة » « جالسون عند قدمك » يفيد معنى قوله تعالى :﴿يبتغون فضلاً من الله ورضوانا﴾ [الحشر: ٨]. ويكون قوله تعالى :﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوصف.
﴿وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع﴾.
ابتداء كلام مبتدأ. ويكون الوقف على قوله :﴿في التوراة﴾ والتشبيه في قوله :﴿كزرع﴾ خبره، وهو المثَل. وهذا هو الظاهر من سياق الآية فيكون مشيراً إلى نحو قوله في « إنجيل متى » الإصحاح ١٣ فقرة ٣ « هو ذا الزَارع قد خرج ليزرع يعني عيسى عليه السّلام وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته » إلى أن قال « وسقط الآخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمره بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين ». قال فقرة، ثم قال :« وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي بثَمر فيصنع بعضٌ مائةً وبعضٌ ستين وآخر ثلاثين ». وهذا يتضمن نماء الإيمان في قلوبهم وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر ا
لما بيّن صدق الرسول ﷺ في رؤياه واطمأنت نفوس المؤمنين أعقب ذلك بتنويه شأن الرسول ﷺ والثناء على المؤمنين الذين معه.
و ﴿محمد﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره : هو محمد يعود هذا الضمير المحذوف على قوله :﴿رسوله﴾ [الفتح: ٢٨] في الآية قبلها. وهذا من حذف المسند الذي وصفه السكاكي بالحذف الذي الاستعمال وارد على ترك المسند إليه وترك نظائره. قال التفتازاني في « المطول » « ومنه قولهم بعد أن يذكروا رجلاً : فتى من شأنه كذا وكذا، وهو أن يذكروا الديار أو المنازل ربع كذا وكذا ». ومن أمثلة « المفتاح » لذاك قوله :( فراجعهما ) أي العقل السليم والطبع المستقيم في مثل : قوله
| سأشكر عمراً إن تراخَتْ منيتــي | أيــاديَ لم تُمنن وإنْ هيَ جلّت |
| فتى غير محجوب الغنى عن صديقه | ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت(١) |
وهذا المعنى هو الأظهر هنا إذ ليس المقصود إفادة أن محمداً رسول الله وإنما المقصود بيان رسول الله من هو بعد أن أجرى عليه من الأخبار من قوله :﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ [الفتح: ٢٧] إلى قوله :﴿ليظهره على الدين كله﴾ [الفتح: ٢٨] فيعتبر السامع كالمشتاق إلى بيان : مَنْ هذا المتحدث عنه بهذه الأخبار ؟ فيقال له : محمد رسول الله، أي هو محمد رسول الله. وهذا من العناية والاهتمام بذكر مناقبه ﷺ فتعتبر الجملةُ المحذوفُ مبتدؤها مستأنفةً استئنافاً بيانياً. وفيه وجوه أخر لا تخفى، والأحسن منها هذا.
وفي هذا نداء على إبطال جحود المشركين رسالته حين امتنعوا من أن يكتب في صحيفة الصلح « هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. وقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ».
وقوله :﴿والذين معه﴾ يجوز أن يكون مبتدأ و ﴿أشداء﴾ خبراً عنه وما بعده إخبار. والمقصود الثناء على أصحاب رسول الله ﷺ ومعنى ﴿معه﴾ : المصاحَبة الكاملة بالطاعة والتأييد كقوله تعالى :﴿وقال الله إني معكم﴾. والمراد : أصحابه كلهم لا خصوص أهل الحديبية.
وإن كانوا هم المقصود ابتداء فقد عُرفوا بصدق ما عاهدوا عليه الله، ولذلك لما انهزم المسلمون يوم حنين قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب نادِ يا أصل السَّمُرة. ويجوز أن يكون ﴿والذين معه﴾ عطفاً على ﴿رسولَه﴾ من قوله :﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾ [التوبة: ٣٣]. والتقدير : وأرسل الذين معه، أي أصحابه على أن المراد بالإرسال ما يشمل الإذن لهم بواسطة الرسول ﷺ كقوله تعالى :﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين﴾ [يس: ١٤] الآية فإن المرسلين إلى أهل أنطاكية كانوا من الحواريين، أمرهم عيسى بنشر الهدى والتوحيد.
فيكون الإرسال البعث له في قوله تعالى :﴿بعثنا عليكم عبادا لَنَا﴾ وعلى هذا يكون ﴿أرسلنا﴾ في هذه الآية مستعملاً في حقيقته ومجازه.
و ﴿أشداء﴾ : جمع شديد، وهو الموصوف بالشدة المعنوية وهي صلابة المعاملة وقساوتها، قال تعالى في وصف النار ﴿عليها ملائكة غلاظٌ شداد﴾ [التحريم: ٦].
والشدة على الكفار : هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم، وهذا وصف مدح لأن المؤمنين الذين مع النبي ﷺ كانوا هم فئة الحق ونشر الإسلام فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وأصحاب النبي ﷺ أقوى المؤمنين إيماناً من أجْل إشراق أنوار النبوءة على قلوبهم فلا جرم أن يكونوا أشد على الكفار فإن بين نفوس الفريقين تمام المضادة وما كانت كراهيتهم للصلح مع الكفار يوم الحديبية ورغبتهم في قتل أسراهم الذين ثقفوهم يوم الحديبية وعفا عنهم النبي ﷺ إلا من آثار شدتهم على الكفار ولم تكن لاحت لهم المصلحة الراجحة على القتال وعلى القتل التي آثرها النبي ﷺ ولذلك كان أكثرهم محاورة في إباء الصلح يومئذٍ أشد أشدّائهم على الكفار وهو عمر بن الخطاب وكان أفهمهم للمصلحة التي توخاها النبي ﷺ في إبرام الصلح أبا بكر. وقد قال سهل بن حنيف يوم صفين : أيها الناس اتهموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله فعله لرددناه. والله ورسوله أعلم.
ثم تكون أحكام الشدة على الكفار من وجوب وندب وإباحة وأحكام صحبتهم ومعاملتهم جارية على مختلف الأحوال ولعلماء الإسلام فيها مقال، وقد تقدم كثير من ذلك في سورة آل عمران وفي سورة براءة. والشدة على الكفار اقتبسوها من شدة النبي ﷺ في إقامة الدين قال تعالى ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
وأما كونهم رحماء بينهم فذلك من رسوخ أخوة الإيمان بينهم في نفوسهم. وقد وردت أخبار أخوتهم وتراحمهم في مواضع كثيرة من القرآن وكلام الرسول ﷺ.
وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين الشدّةِ والرحمة إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الرؤية. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى :﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعِزّة على الكافرين﴾ في سورة العقود ( ٥٤ ).
وفي تعليق رحماء } مع ظرف ( بين ) المفيد للمكان الداخل وسط ما يضاف هو إليه تنبيه على انبثاث التراحم فيهم جميعاً قال النبي ﷺ « تجد المسلمين في توادِّهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى له جميع الجسد بالسهر والحمى »
والخطاب في ﴿تراهم﴾ لغير معين بل لكل من تتأتى رؤيته إياهم، أي يراهم الرائي.
وإيثار صيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك، أي تراهم كلما شئت أن تراهم ركعاً سجداً. وهذا ثناء عليهم بشدة إقبالهم على أفضل الأعمال المزكية للنفس، وهي الصلوات مفروضُها ونافلتها وأنهم يتطلبون بذلك رضى الله ورضوانه. وفي سوق هذا في مساق الثناء إيماء إلى أن الله حقق لهم ما يبتغونه.
والسيما : العلامة، وتقدم عند قوله تعالى :﴿تعرفهم بسيماهم﴾ في البقرة ( ٢٧٣ ) وهذه سيما خاصة هي من أثر السجود.
واختلف في المراد من السيما التي وصفت بأنها ﴿من أثر السجود﴾ على ثلاثة أنحاء الأول : أنها أثر محسوس للسجود، الثاني أنها من الأثر النفسي للسجود، الثالث أنها أثر يظهر في وجوههم يوم القيامة. فبالأول فسر مالك بن أنس وعكرمة وأبو العالية قال مالك : السيما هي ما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود مثل ما تعلق بجبهة النبي ﷺ من أثر الطين والماء لما وَكَف المسجد صبيحة إحدى وعشرين من رمضان. وقال السعيد وعكرمة : الأثر كالغدة يكون في جبهة الرجل.
وليس المراد أنهم يتكلفون حدوث ذلك في وجوههم ولكنه يحصل من غير قصد بسبب تكرر مباشرة الجبهة للأرض وبشرات الناس مختلفة في التأثر بذلك فلا حرج على من حصل له ذلك إذا لم يتكلفه ولم يقصد به رياء.
وقال أبو العالية : يسجدون على التراب لا على الأثواب.
وإلى النحو الثاني فسر الأعمش والحسن وعطاء والربيع ومجاهد عن ابن عباس وابن جزء والضحاك. فقال الأعمش : مَن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وقريب منه عن عطاء والربيع بن سليمان. وقال ابن عباس : هو حسن السمت. وقال مجاهد : هو نور من الخشوع والتواضع. وقال الحسن والضحاك : بياض وصفرة وتهيج يعتري الوجوه من السهر. وإلى النحو الثالث فسر سعيد بن جبير أيضاً والزهري وابن عباس في رواية العوفي والحسن أيضاً وخالد الحنفي وعطية وشهر بن حوشب : أنها سِيما تكون لهم يوم القيامة، وقالوا : هي بياض يكون في الوجه يوم القيامة كالقمر ليلة البدر يجعله الله كرامة لهم. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول الله في قوله تعالى :﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩] : النور يوم القيامة، قيل وسنده حسن وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات إذ كل ذلك من السيما المحمودة ولكنّ النبي ﷺ ذَكر أعلاها.
وضمائر الغيبة في قوله :﴿تراهم﴾ و ﴿يبتغون﴾ و ﴿سيماهم في وجوههم﴾ عائدة إلى ﴿الذين معه﴾ على الوجه الأول، وإلى كل من ﴿محمد رسول اللَّه والذين معه﴾ على الوجه الثاني.
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التوراة﴾.
الإشارة ب ﴿ذلك﴾ إلى المذكور من صفات الذين مع النبي ﷺ لأن السابق في الذكر بمنزلة الحاضر فيشار إليه بهذا الاعتبار فاسم الإشارة مبتدأ و ﴿مثلهم﴾ خبره.
والمَثل يطلق على الحالة العجيبة، ويطلق على النظير، أي المُشابه فإن كان هنا محمولاً على الحالة العجيبة فالمعنى : أن الصفات المذكورة هي حالهم الموصوف في « التوراة ». وقوله :﴿في التوراة﴾ متعلق ب ﴿مثلهم﴾ أو حال منه. فيحتمل أن في « التوراة » وصف قوم سيأتون ووصفوا بهذه الصفات، فبيّن الله بهذه الآية أن الذين مع النبي ﷺ هم المقصود بتلك الصفة العجيبة التي في « التوراة »، أي أن « التوراة » قد جاءت فيها بشارة بمجيء محمد ﷺ ووصف أصحاب النبي ﷺ والذي وقفنا عليه في « التوراة » مما يصلح لتطبيق هذه الآية هو البشارة الرمزية التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من « سفر التثنية » من قول موسى عليه السلام :« جاء الربُ من سينا وأشرقَ لهم من سَعير وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القُدُس وعن يمينه نار شريعة لهم فأحبّ الشعب جميع قديسيه وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك » فإن جبل فاران هو حِيال الحجاز. وقوله :« فأحب الشعب جميع قديسيه » يشير إليه قوله :﴿رحماءُ بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]، وقد تقدم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ما ينطبق على هذا من سورة الفتح وقوله : قديسيه يفيد معنى ﴿تراهم رُكَّعا سُجَّدا﴾ [الفتح: ٢٩] ومعنى ﴿سِيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩]. وقوله في « التوراة » « جالسون عند قدمك » يفيد معنى قوله تعالى :﴿يبتغون فضلاً من الله ورضوانا﴾ [الحشر: ٨]. ويكون قوله تعالى :﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوصف.
﴿وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع﴾.
ابتداء كلام مبتدأ. ويكون الوقف على قوله :﴿في التوراة﴾ والتشبيه في قوله :﴿كزرع﴾ خبره، وهو المثَل. وهذا هو الظاهر من سياق الآية فيكون مشيراً إلى نحو قوله في « إنجيل متى » الإصحاح ١٣ فقرة ٣ « هو ذا الزَارع قد خرج ليزرع يعني عيسى عليه السّلام وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته » إلى أن قال « وسقط الآخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمره بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين ». قال فقرة، ثم قال :« وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي بثَمر فيصنع بعضٌ مائةً وبعضٌ ستين وآخر ثلاثين ». وهذا يتضمن نماء الإيمان في قلوبهم وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر ا
١ - البيتان لعبد الله بن الزبير ( بفتح الزاي وكسر الموحدة) الأسدي..