روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ أي هو أو ذلك الرسول المرسل بالهدي ودين الحق محمد على أن الاسم الشريف خبر مبتدأ محذوف و ﴿رَسُولِ الله﴾ عطف بيان أو نعت أو بدل، والجملة استئناف مبين لقوله تعالى :﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [الفتح: ٢٨] وهذا هو الوجه الأرجح الأنسب بالمساق كما في الكشف ويؤيده نظراً إلى بعض ما يأتي من الأوجه إن شاء الله تعالى قراءة ابن عامر في رواية ﴿رَّسُولٍ﴾ بالنصب على المدح، وقوله تعالى :﴿والذين مَعَهُ﴾ مبتدأ خبره قوله سبحانه :﴿أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ وقال أبو حيان : الظاهر أن ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ مبتدأ وخبر والجملة عليه مبنية للمشهود به، أما على كونه الرسالة فظاهر، وأما على كونه محقق الوعد فقيل : لأن كينونة ما وعده لازمة لكونه عليه الصلاة والسلام رسول الله إذ هو لا يوعد إلا بما هو محقق ولا يخبر إلا عن كل صدق.
وجوز كون ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مبتدأ و ﴿رَّسُولٍ﴾ تابعاً له ﴿والذين مَعَهُ﴾ عطفاً عليه والخبر عنه وعنهم قوله تعالى :﴿أَشِدَّاء﴾ الخ.
وقرأ الحسن ﴿أَشِدَّاء رُحَمَاء﴾ بنصبهما فقيل على المدح وقيل على الحال، والعامل فيهما العامل في ﴿مَعَهُ﴾ فيكون الخبر على هذا الوجه جملة ﴿تَرَاهُمْ﴾ الآتي وكذا خبر ﴿الذين﴾ على الوجه الأول، والمراد بالذين معه عند ابن عباس من شهد الحديبية، وقال الجمهور : جميع أصحابه ﷺ ورضي الله تعالى عنهم. و ﴿أَشِدَّاء﴾ جمع شديد و ﴿رُحَمَاء﴾ جمع رحيم، والمعنى أن فيهم غلظة وشدة على أعداء الدين ورحمة ورقة على إخوانهم المؤمنين، وفي وصفهم بالرحمة بعد وصفهم بالشدة تكميل واحتراس فإنه لو اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفعوم القيد غير معتبر فيتوهم الفظاظة والغلظة مطلقاً فدفع بأرداف الوصف الثاني، ومآل ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء على الإخوان، ونحوه قوله تعالى :﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] وعلى هذا قوله :
وقد بلغ كما روى عن الحسن من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدان وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه. والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء. أخرج أبو داود عن البراء قال :«قال رسول الله ﷺ : إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمداً الله واستغفراه غفر لهما » وفي رواية الترمذي «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان ألا غفر لهما قبل أن يتفرقان » وفي الأذكار النووية أنها مستحبة عند كل لقاء وأما ما اعتاده الناس بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة وكونهم محافظين عليها في بعض الأحوال ومفرطين في كثير منها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها، وجعل ذلك العز بن عبد السلام في قواعده من البدع المباحة، وأطال الشيخ إبراهيم الكوراني قدس سره الكلام في ذلك، وأما المانقة فقال الزمخشري : كرهها أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكذلك التقبيل قال : لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئاً من جسده، ورخص أبو يوسف عليه الرحمة المعانقة ؛ ويؤيد ما روى عن الإمام ما أخرجه الترمذي عن أنس قال :" سمعت رجلاً يقول لرسول الله ﷺ : يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أينحني له ؟ قال : لا قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا قال : أياخذ بيده ويصافحه ؟ قال : نعم " وفي «الأذكار » التقبيل وكذا المعانقة لا بأس به عند القدم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، وللأمرد الحسن حرام بكل حال.
أخرج الترمذي وحسنه عن عائشة قالت : قدم زيد بن خالد بن حارثة المدينة ورسول الله في بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله ﷺ يجر ثوبه فاعتنقه وقبله، وزاد رزين في حديث أنس السابق بعد قوله : ويقبله قال :«لا إلا أن يأتي من سفره » وروى أبو داود سئل أبو ذكر هل كان ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه ؟ قال : ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنه ﷺ أرسل إلى فاتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت أجود أجود، وهذا يؤيد الإطلاق المحكي عن أبي يوسف ؛ وينبغي التأسي بهم رضي الله تعالى عنهم في التشدد على أعداء الدين والرحمة على المؤمنين. وقد أخرج ابن أبي شيبة. وأبو داود عن عبد الله بن عمر مرفوعاً " من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا " وإخراجاً هما. وأحمد. وابن حبان. والترمذي وحسنه عن أبي هريرة قال :" سمعت رسول الله ﷺ يقول : لا تنزع الرحمة إلا من شقي " ولا بأس بالبر والإحسان على عدو الدين إذا تضمن مصلحة شرعية كما أفاد ذلك ابن حجر في «فتاويه » الحديثية فليراجع. وقرأ يحيى بن يعمر ﴿*أشدا﴾ بالقصر وهي قراءة شاذة لأن قصر الممدود في الشعر نحو قوله :
لا بد من صنعاً وإن طال السفر *** وقوله تعالى :﴿بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ خبر آخر للدين أو استئناف ويجوز فيه غير ذلك على ما لا يخفى، والرؤية بصرية، والخطاب لكل من تتأتى منه، و ﴿رُكَّعاً سُجَّداً﴾ حال من المفعول، والمراد تراهم مصلين، والتعير بالركوع والسجود عن الصلاة مجاز مرسل، والتعبير بالمضارع للاستمرار وهو استمرار عرفي، ومن هنا قال في «البحر » : هذا دليل على كثرة الصلاة منهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً﴾ أي ثواباً ورضا، والجملة إما خبر آخر أو حال من مفعول ﴿تَرَاهُمْ﴾ أو من المستتر في ﴿رُكَّعاً سُجَّداً﴾ أو استئناف مبني على سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل : ماذا يريدون بذلك ؟ فقيل : يبتغون فضلاً الخ.
وقرأ عمرو بن عبيد ﴿وَرِضْوَاناً﴾ بضم الراء ﴿سيماهم﴾ أي علامتهم وقرئ ﴿سيمياؤهم﴾ بزيادة ياء بعد الميم والمد وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر قال الشاعر :
وجاء سيما بالمد واشتقاقها من السومة بالضم العلامة تجعل على الشاة والياء مبدلة من الواو، وهي مبتدأ خبره قوله تعالى :﴿سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ﴾ أي في جباههم أو هي على ظاهرها، وقوله سبحانه :﴿مّنْ أَثَرِ السجود﴾ حال من المستكن في الجار والمجرور الواقع خبراً لسيماهم أو بيان لها أي سيماهم التي هي أثر السجود، ووجه إضافة الأثر إلى السجود أنه حادث من التأثير الذي يؤثره السجود، وشاع تفسير ذلك بما يحدث في جبهة السجاد مما يشبه أثر الكي وثفتة البعير وكان كل من العليين علي بن الحسين زين العابدين وعلي بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك رضي الله تعالى عنهما يقال له ذو الثفنات لأن كثرة سجودهما أحدث في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير وهي ما يقع على الأرض من أعضائه إذا غلظ، وما روى من قوله ﷺ :" لا تعلبوا صوركم " أي لا تمسوها من العلب بفتح العين المهملة وسكون اللام الأثر، وقول ابن عمر وقد رأى رجلاً بأنفه أثر السجود : أن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تسن صورتك فذلك إنما هو إذا اعتمد بجبهته وأنفه على الأرض لتحدث تلك السمة وذاك محض رياء ونفاق يستعاذ بالله تعالى منه، والكلام فيما حدث في وجه السجاد الذي لا يسجد إلا خالصاً لوجه الله عز وجل، وأنكر بعضهم كون المراد بالسيما ذلك.
أخرج الطبراني. والبيهقي في «سننه » عن حميد بن عبد الرحمن قال : كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل وفي وجهه أثر السجود فقال : لقد أفسد هذا وجهه إما والله ما هي السيما التي سمي الله تعالى ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثر السجود بين عيني، وربما يحمل على أنه استشعر من الرجل تعمداً لذلك فنفى أن يكون ما حصل به هو السيما التي سمي الله تعالى، ونظيره ما حكى عن بعض المتقدمين قال : كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فترى بين عينيه ركبة البعير فما ندري أثقلت إلا رؤس أم خشنت الأرض.
وأخرج ابن جرير. وجماعة عن سعيد بن جبير أنه قال : هذه السيما ندى الطهور وتراب الأرض، وروى نحوه عن سعيد بن المسبب. وأخرج سعيد بن منصور. وعبد بن حميد. وابن جرير عن مجاهد أنه قال : ليس له أثر في الوجه ولكنه الخشوع، وفي رواية هي الخشوع والتواضع، وقال منصور : سألت مجاهداً أهذه السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل قال : لا وقد يكون مثل ركبة البعير وهو أقسى قلباً من الحجارة، وقيل : هي صفرة الوجه من سهر الليل وروى ذلك عن عكرمة. والضحاك، وروى السلمي عن عبد العزيز المكي ليس ذاك هو النحول والصفرة ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان في زنجي أو حبشي، وقال عطاء : والربيع بن أنس : هو حسن يعتري وجوه المصلين، وأخرج ابن المنذر. وابن جرير. وابن أبي حاتم. والبيهقي في «سننه » عن ابن عباس قال : السمت الحسن، وعن بعضهم ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم، والذاهبون إلى هذه الأقوال قائلون : إن المراد علامتهم في وجوههم وهم في الدنيا، وقال غير واحد : هذه السيما في الآخرة، أخرج البخاري في «تاريخه ». وابن نصر عن ابن عباس أنه قال في الآية : بياض يغشى وجوههم يوم القيامة. وأخرج ابن نصر. وعبد بن حميد. وابن جرير عن الحسن مثله، وأخرجوا عن عطية العوفي قال : موضع السجود أشد وجوههم بياضاً، وأخرج الطبراني في «الأوسط » والصغير. وابن مردويه بسند حسن عن أبي بن كعب قال :" قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى :﴿سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود﴾ النور يوم القيامة " ولا يبعد أن يكون النور علامة في وجوههم في الدنيا والآخرة لكنه لما كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبي ﷺ بالذكر، وإذا صح الحديث فهو مذهبي. وقرأ ابن هرمز ﴿أَثَرِ﴾ بكسر الهمزة وسكون الثاء وهو لغة في أثر. وقرأ قتادة من ﴿ءاثار﴾ بالجمع ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة ؛ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه وبعد منزلته في الفضل، وقيل : البعد باعتبار المبتدأ أعني ﴿أَشِدَّاء﴾ ولو قيل هذا لتوهم أن المشار إليه هو النعت الأخير أعني ﴿سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود﴾ وهومبتدأ خبره قوله تعالى :﴿مّثْلُهُمْ﴾ أي وصفهم العجيب الشأن الجاري في الغرابة مجرى الأمثال، وقوله سبحانه وتعالى :﴿فِي التوراة﴾ حال من ﴿مّثْلُهُمْ﴾ والعامل معنى الإشارة ؛ وقوله تعالى :﴿وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل﴾ عطف على ﴿مّثْلُهُمْ﴾ الأول كأنه قيل : ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل، وتكرير ﴿مّثْلُهُمْ﴾ لتأكيد غرابته وزيادة تقريرها، وقرئ ﴿الإنجيل﴾ بفتح الهمزة، وقوله عز وجل :﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ﴾ الخ تمثيل مستأنف أي هم أو مثلهم كزرع الخ فالوقف على ﴿أَهْلُ الإنجيل﴾ وهذا مروي عن مجاهد، وقيل :﴿مّثْلُهُمْ﴾ الثاني مبتدأ وقوله تعالى :﴿كَزَرْعٍ﴾ الخ خبره فالوقف على ﴿التوراة﴾ وهذا مروي عن الضحاك. وأبي حاتم. وقتادة، وجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أو
وجوز كون ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مبتدأ و ﴿رَّسُولٍ﴾ تابعاً له ﴿والذين مَعَهُ﴾ عطفاً عليه والخبر عنه وعنهم قوله تعالى :﴿أَشِدَّاء﴾ الخ.
وقرأ الحسن ﴿أَشِدَّاء رُحَمَاء﴾ بنصبهما فقيل على المدح وقيل على الحال، والعامل فيهما العامل في ﴿مَعَهُ﴾ فيكون الخبر على هذا الوجه جملة ﴿تَرَاهُمْ﴾ الآتي وكذا خبر ﴿الذين﴾ على الوجه الأول، والمراد بالذين معه عند ابن عباس من شهد الحديبية، وقال الجمهور : جميع أصحابه ﷺ ورضي الله تعالى عنهم. و ﴿أَشِدَّاء﴾ جمع شديد و ﴿رُحَمَاء﴾ جمع رحيم، والمعنى أن فيهم غلظة وشدة على أعداء الدين ورحمة ورقة على إخوانهم المؤمنين، وفي وصفهم بالرحمة بعد وصفهم بالشدة تكميل واحتراس فإنه لو اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفعوم القيد غير معتبر فيتوهم الفظاظة والغلظة مطلقاً فدفع بأرداف الوصف الثاني، ومآل ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء على الإخوان، ونحوه قوله تعالى :﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] وعلى هذا قوله :
| حليم إذا ما الحلم زين أهله | على أنه عند العدو مهيب |
أخرج الترمذي وحسنه عن عائشة قالت : قدم زيد بن خالد بن حارثة المدينة ورسول الله في بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله ﷺ يجر ثوبه فاعتنقه وقبله، وزاد رزين في حديث أنس السابق بعد قوله : ويقبله قال :«لا إلا أن يأتي من سفره » وروى أبو داود سئل أبو ذكر هل كان ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه ؟ قال : ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فجئت فأخبرت أنه ﷺ أرسل إلى فاتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت أجود أجود، وهذا يؤيد الإطلاق المحكي عن أبي يوسف ؛ وينبغي التأسي بهم رضي الله تعالى عنهم في التشدد على أعداء الدين والرحمة على المؤمنين. وقد أخرج ابن أبي شيبة. وأبو داود عن عبد الله بن عمر مرفوعاً " من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا " وإخراجاً هما. وأحمد. وابن حبان. والترمذي وحسنه عن أبي هريرة قال :" سمعت رسول الله ﷺ يقول : لا تنزع الرحمة إلا من شقي " ولا بأس بالبر والإحسان على عدو الدين إذا تضمن مصلحة شرعية كما أفاد ذلك ابن حجر في «فتاويه » الحديثية فليراجع. وقرأ يحيى بن يعمر ﴿*أشدا﴾ بالقصر وهي قراءة شاذة لأن قصر الممدود في الشعر نحو قوله :
لا بد من صنعاً وإن طال السفر *** وقوله تعالى :﴿بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ خبر آخر للدين أو استئناف ويجوز فيه غير ذلك على ما لا يخفى، والرؤية بصرية، والخطاب لكل من تتأتى منه، و ﴿رُكَّعاً سُجَّداً﴾ حال من المفعول، والمراد تراهم مصلين، والتعير بالركوع والسجود عن الصلاة مجاز مرسل، والتعبير بالمضارع للاستمرار وهو استمرار عرفي، ومن هنا قال في «البحر » : هذا دليل على كثرة الصلاة منهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً﴾ أي ثواباً ورضا، والجملة إما خبر آخر أو حال من مفعول ﴿تَرَاهُمْ﴾ أو من المستتر في ﴿رُكَّعاً سُجَّداً﴾ أو استئناف مبني على سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل : ماذا يريدون بذلك ؟ فقيل : يبتغون فضلاً الخ.
وقرأ عمرو بن عبيد ﴿وَرِضْوَاناً﴾ بضم الراء ﴿سيماهم﴾ أي علامتهم وقرئ ﴿سيمياؤهم﴾ بزيادة ياء بعد الميم والمد وهي لغة فصيحة كثيرة في الشعر قال الشاعر :
| غلام رماه الله بالحسن يافعا | له سيمياء لا تشق على البصر |
أخرج الطبراني. والبيهقي في «سننه » عن حميد بن عبد الرحمن قال : كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل وفي وجهه أثر السجود فقال : لقد أفسد هذا وجهه إما والله ما هي السيما التي سمي الله تعالى ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثر السجود بين عيني، وربما يحمل على أنه استشعر من الرجل تعمداً لذلك فنفى أن يكون ما حصل به هو السيما التي سمي الله تعالى، ونظيره ما حكى عن بعض المتقدمين قال : كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء ونرى أحدنا الآن يصلي فترى بين عينيه ركبة البعير فما ندري أثقلت إلا رؤس أم خشنت الأرض.
وأخرج ابن جرير. وجماعة عن سعيد بن جبير أنه قال : هذه السيما ندى الطهور وتراب الأرض، وروى نحوه عن سعيد بن المسبب. وأخرج سعيد بن منصور. وعبد بن حميد. وابن جرير عن مجاهد أنه قال : ليس له أثر في الوجه ولكنه الخشوع، وفي رواية هي الخشوع والتواضع، وقال منصور : سألت مجاهداً أهذه السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل قال : لا وقد يكون مثل ركبة البعير وهو أقسى قلباً من الحجارة، وقيل : هي صفرة الوجه من سهر الليل وروى ذلك عن عكرمة. والضحاك، وروى السلمي عن عبد العزيز المكي ليس ذاك هو النحول والصفرة ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان في زنجي أو حبشي، وقال عطاء : والربيع بن أنس : هو حسن يعتري وجوه المصلين، وأخرج ابن المنذر. وابن جرير. وابن أبي حاتم. والبيهقي في «سننه » عن ابن عباس قال : السمت الحسن، وعن بعضهم ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم، والذاهبون إلى هذه الأقوال قائلون : إن المراد علامتهم في وجوههم وهم في الدنيا، وقال غير واحد : هذه السيما في الآخرة، أخرج البخاري في «تاريخه ». وابن نصر عن ابن عباس أنه قال في الآية : بياض يغشى وجوههم يوم القيامة. وأخرج ابن نصر. وعبد بن حميد. وابن جرير عن الحسن مثله، وأخرجوا عن عطية العوفي قال : موضع السجود أشد وجوههم بياضاً، وأخرج الطبراني في «الأوسط » والصغير. وابن مردويه بسند حسن عن أبي بن كعب قال :" قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى :﴿سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود﴾ النور يوم القيامة " ولا يبعد أن يكون النور علامة في وجوههم في الدنيا والآخرة لكنه لما كان في الآخرة أظهر وأتم خصه النبي ﷺ بالذكر، وإذا صح الحديث فهو مذهبي. وقرأ ابن هرمز ﴿أَثَرِ﴾ بكسر الهمزة وسكون الثاء وهو لغة في أثر. وقرأ قتادة من ﴿ءاثار﴾ بالجمع ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة ؛ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه وبعد منزلته في الفضل، وقيل : البعد باعتبار المبتدأ أعني ﴿أَشِدَّاء﴾ ولو قيل هذا لتوهم أن المشار إليه هو النعت الأخير أعني ﴿سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود﴾ وهومبتدأ خبره قوله تعالى :﴿مّثْلُهُمْ﴾ أي وصفهم العجيب الشأن الجاري في الغرابة مجرى الأمثال، وقوله سبحانه وتعالى :﴿فِي التوراة﴾ حال من ﴿مّثْلُهُمْ﴾ والعامل معنى الإشارة ؛ وقوله تعالى :﴿وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل﴾ عطف على ﴿مّثْلُهُمْ﴾ الأول كأنه قيل : ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل، وتكرير ﴿مّثْلُهُمْ﴾ لتأكيد غرابته وزيادة تقريرها، وقرئ ﴿الإنجيل﴾ بفتح الهمزة، وقوله عز وجل :﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ﴾ الخ تمثيل مستأنف أي هم أو مثلهم كزرع الخ فالوقف على ﴿أَهْلُ الإنجيل﴾ وهذا مروي عن مجاهد، وقيل :﴿مّثْلُهُمْ﴾ الثاني مبتدأ وقوله تعالى :﴿كَزَرْعٍ﴾ الخ خبره فالوقف على ﴿التوراة﴾ وهذا مروي عن الضحاك. وأبي حاتم. وقتادة، وجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أو