تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) قال ثعلب معناه : كي يغفر الله لك، فاللام بمعنى كي، قال : وحقيقة المعنى هو أنه يجمع لك المغفرة مع الفتح، فيتم عليك النعمة بها. وقال أبو حاتم السجستاني النحوي : معنى قوله :( ليغفر لك الله ) أي : ليغفرن الله لك، فلما أسقط النون خفض اللام. وقوله :( ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) أي : ما تقدم من ذنبك قبل زمان النبوة، وما تأخر عن زمان النبوة، وقيل : ما تقدم من ذنبك قبل الفتح، وما تأخر عن الفتح. وعن الثوري قال : ما كان وما يكون مالم تفعله، وأنت فاعله، فكأنه غفر له قبل الفعل.
فإن قال قائل : وأي ذنب كان له ؟ قلنا : الصغائر، وقد كان معصوما من الكبائر. وفي تفسير النقاش : أنه كان متعبدا قبل النبوة بشريعة إبراهيم في النكاح والطلاق والعبادات والمعاملات وغير ذلك، وكان قد تزوج خديجة وهي مشركة، وكذلك زوج ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب وهو مشرك، و[ كذلك ](١) زوج ابنته زينب من [ أبي ](٢) العاص بن الربيع وكان مشركا فهذه ذنوبه قبل النبوة، وقد غفرها الله تعالى له، وكان ذلك منه لا على طريق القصد. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم " أنه صلى حتى تورمت قدماه، فقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا(٣).
وذكر الدمياطي في تفسيره عن ابن عباس : أن سب نزول الآية هو أن الله تعالى لما أنزل قوله :( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم )(٤) شمت به المشركون واليهود، وقالوا : هذا رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه، فكيف ندخل في دينه ؟ وقال عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري : أتدخلون في دين رجل وهو لا يدري ما يفعل به، فحزن المسلمون لذلك حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى قوله :( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) الآية، فقال المسلمون : هنيئا لك يا رسول الله، فكيف أمرنا ؟ فأنزل الله تعالى قوله :( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ).
وقوله :( ويتم نعمته عليك ) أي :( يتم )(٥) نعمته عليك بالنصر على الأعداء
وبالإرشاد إلى شرائع الإسلام، وقد أول الفتح المذكور في الآية بالإرشاد إلى الإسلام. وقوله :( ويهديك صراطا مستقيما ) أي : يدلك على الطريق المستقيم.
١ - من ((ك))..
٢ -في ((الاصل و ك)) : ابن، و هو تحريف. و انظر ترجمته في الإصابة ( ٤/ ١٢١- ١٢٣)..
٣ - متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة، رواه البخاري ( ٣/١٩/١١٣٠ و طرفاه : ٤٨٣٦، ٦٤٧١)، ومسلم ( ١٧ / ٢٣٧ رقم ٢٨١٩).
٤ - الأحقاف : ٩..
٥ - في ((ك)) : ليتم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى