الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ : متعلقٌ بفَتَحْنا، وهي لامُ العلةِ. وقال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : كيف جُعِل فتحُ مكةَ علةً للمغفرة ؟ قلت : لم يُجْعَلْ علةً للمغفرةِ، ولكن لِما عَدَّد من الأمور الأربعة وهي : المغفرةُ، وإتمامُ النعمةِ، وهدايةُ الصراطِ المستقيمِ، والنصرُ العزيزُ ؛ كأنه قال : يَسَّرْنا لك فتح مكة ونَصَرْناك على عدوِّك ؛ لنجمعَ لك بين عِزِّ الدارَيْن وأغراضِ العاجلِ والآجل. ويجوزُ أَنْ يكونَ فَتْحُ مكةَ من حيث إنَّه جهادٌ للعدو سبباً للغفران والثواب ". وهذا الذي قاله مخالِفٌ لظاهرِ الآية ؛ فإنَّ اللامَ داخلةٌ على المغفرة، فتكونُ المغفرةُ علةً للفتح، والفتحُ مُعَلَّلٌ بها، فكان ينبغي أَنْ يقولَ : كيف جُعِل فتحُ مكةَ مُعَلَّلاً بالمغفرةِ ؟ ثم يقول : لم يُجْعَلْ مُعَلَّلاً. وقال ابنُ عطية :" المرادُ هنا أنَّ اللَّهَ تعالى فَتَح لك لكي يجعلَ الفتح علامةً لغفرانه لك، فكأنها لامُ صيرورة " وهذا كلامٌ ماشٍ على الظاهر. وقال بعضُهم : إنَّ هذه اللامُ لامُ القسمِ والأصلُ : لَيَغْفِرَنَّ فكُسِرَتْ اللامُ تشبيهاً ب لام كي، وحُذِفَتْ النونُ. ورُدَّ هذا : بأنَّ اللامَ لا تُكْسَرُ. وبأنَّها لا تَنْصِبُ المضارعَ. وقد يقال : إنَّ هذا ليس بنصبٍ، وإنما هو بقاءُ الفتحِ الذي كان قبل نونِ التوكيد، بقي ليدُلَّ عليها، ولكنه قولٌ مردودٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى