التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مظاهر فضله على رسوله - ﷺ - فقال :﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
واللام فى قوله ﴿لِّيَغْفِرَ﴾ متعلقة بقوله :﴿فَتْحاً﴾ وهى للتعليل. والمراد بما تقدم من ذنبه - ﷺ - ما كان قبل النبوة، وبما تأخر منه ما كان بعدها.
والمراد بالذنب هنا بالنسبة له - ﷺ - ما كان خلاف الأولى، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو المراد بالغفران : الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها، فلا يصدر منه - ﷺ - ذنب، لأن غفران الذنوب معناه : سرتها وتغطيتها وإزالتها.
قال الشوكانى : وقوله - تعالى - :﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ اللام : متعلقة بفتحنا وهى لام العلة، قال المبرد : هى لام كى ومعناها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا - أى : ظاهرا واضحا مكشوفا - لكى يجتمع لك مغ المغفرة تمام النعمة فى الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث واقع حسن معنى كى.
وقال ابن عطية : المراد أن الله فتح لك لكى يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة.
وقال بعض العلماء : وقوله :﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ هو كناية عن عدم المؤاخذة. أو المراد بالذنب ما فرط منه - ﷺ - من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه - ﷺ - أو المراد بالغفران : الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها، فلا يصدر منه ذنب. لأن الغفر هو الستر، والستر إما بين العبد والذنب، وهو اللائق بمقام النبوة، أو بين الذنب وعقوبته، وهو اللائق بغيره.
واللام فى ﴿لِّيَغْفِرَ﴾ للعلة الغائية. أى : أن مجموع المتعاطفات الأربعة غاية للفتح المبين، وسبب عنه لا كل واحد منها.
والمعنى : يسرنا لك هذا الفتح لإِتمام النعمة عليك، وهدايتك إلى الصراط المستقيم، ولنصرك نصرا عزيزا.
ولما امتن الله عليه بهذه النعم، صدرها بما هو اعظم، وهو المغفرة الشاملة ليجمع له بين عزى الدنيا والآخرة. فليست المغفرة مسببة عن الفتح.
ولقد كان - ﷺ - مع هذه المغفرة من الله - تعالى - له، أعبد الناس لربه، وأشدهم خوفا منه، وأكثرهم صلة به.
قال ابن كثير : قال الإِمام أحمد : " حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : كان النبى - ﷺ - يصلى حتى تَرِمَ قدماه أى : تتورهم - فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : " أفلا أكون عبدا شكورا " ".
وعن عروة بن الزبير " عن عائشة قالت : كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه - أى : تتشقق - فقالت له عائشة : يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
فقال : " يا عائشة، أفلا أكون عدبا شكورا.. " ".
وقوله - تعالى - :﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ معطوف على ما قبله. أى : ويتم - سبحانه - نعمه عليك - أيها الرسول الكريم - بأن يظهر دعوتك، ويكتب بها النصر، والخلود، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد من الأنبياء، فضلا عن غيرهم.
﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ أى : ويهديك ويرشدك - سبحانه - بفضله وكرمه، إلى الطريق القويم، والدين الحق، والأقوال الطيبة، والأعمال الصالحة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى