الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
الحمدُ : الثناءُ على الجميل سواءً كان نعمةً مُسْداةً إلى أحدٍ أم لا، يقال : حَمِدْتُ الرجل على ما أنعم به عليَّ وحَمِدْته على شجاعته، ويكون باللسان وحدَه دونَ عملِ الجَواح، إذ لا يقال : حَمِدْت زيداً أي عَمِلْتُ له بيديَّ عملاً حسناً، بخلافِ الشكر فإنه لا يكونُ إلاَّ نعمةً مُسْدَاةً إلى الغيرِ، يقال : شكرتُه على ما أعطاني، ولا يقال : شكرتُه على شجاعته، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، قال تعالى :﴿اعْمَلُواْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ [سبأ: ١٣]، وقال الشاعر :
فيكونُ بين الحمد والشكر عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ. وقيل : الحمدُ هو الشكرُ بدليل قولهم :" الحمدُ لله شكراً ". وقيل : بينهما عمومٌ/ وخصوصٌ مطلقٌ والحمدُ أعمُّ من الشكرِ، وقيل : الحمدُ الثناءُ عليه تعالى بأوصافه، والشكرُ الثناءُ عليه بأفعالِه، فالحامدُ قسمان : شاكرٌ ومُثْنٍ بالصفاتِ الجميلة. وقيل : الحمدُ مقلوبٌ من المدحِ، وليس بسديدٍ وإن كان منقولاً عن ثعلب، لأن المقلوبَ أقلُّ استعمالاً من المقلوب منه، وهذان مستويان في الاستعمال، فليس ادِّعاءُ قلبِ أحدِهما من الآخر أَوْلَى من العكس، فكانا مادتين مستقلتين، وأيضاً فإنه يَمْتنع إطلاقُ المدحِ حيث يجوزُ إطلاقُ الحمدِ، فإنه يقال :" حَمِدْتُ الله " ولا يقال مَدَحْته، ولو كان مقلوباً لَما امتنع ذلك. ولقائلٍ أن يقول : مَنَعَ من ذلك مانعٌ، وهو عَدَمُ الإِذْنِ في ذلك.
وقال الراغب :" الحمدُ لله الثناء [ عليه ] بالفضيلة، وهو أخصُّ من المدحِ وأعمُّ من الشكر، يقال فيما يكونُ من الإِنسان باختياره وبما يكونُ منه وفيه بالتسخير، فقد يُمْدَحُ الإِنسان بطولِ قامتهِ وصَباحةِ وجههِ كما يُمْدَحُ ببذلِ مالِه وشجاعتهِ وعلمهِ، والحمدُ يكون في الثاني دونَ الأول، والشكرُ لا يُقال إلا في مقابلةِ نعمة، فكلُّ شكرٍ حَمْدٌ وليس كل حمدٍ شكراً، وكلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ وليس كلُّ مَدْحٍ حمداً، ويقال : فلان محمود إذا حُمِد، ومُحْمَدٌ [ وُجد محموداً ] ومُحَمَّد كَثُرت خصالُه المحمودة، وأحْمَدُ أي : إنه يفوق غيرَه في الحمد ".
والألفَ واللامُ في " الحَمْد " قيل : للاستغراقِ وقيل : لتعريفِ الجنسِ، واختاره الزمخشري، قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى الماجِدِ القَرْمِ الجَوادِ المُحَمَّدِ
وقيل : للعَهْدِ. وَمَنع الزمخشري كونَها للاستغراق، ولم يبيِّنْ وجهَ ذلك، ويُشْبِه أن يقال : إنَّ المطلوبَ من العبد إنشاء الحمد لا الإِخبارُ به وحينئذ يستحيلُ كونُها للاستغراقِ، إذ لا يُمْكنُ العبدَ أن يُنْشِئَ جميعَ المحامدِ منه ومن غيرِه بخلافِ كونِها للجنسِ.
والأصلُ فيه المصدريةُ فلذلك لا يُثَنَّى ولا يُجْمع، وحكى ابنُ الأعرابي جمعَه على أَفْعُل وأنشد :
وقرأ الجمهور :" الحمدُ لِلَّه " برفع الدال وكسر لام الجر، ورفعُه على الابتداء، والخبرُ الجار والمجرور بعده فيتعلَّقُ بمحذوف هو الخبرُ في الحقيقة.
ثم ذلك المحذوفُ إن شئتَ قدَّرْتَه اسماً وهو المختار، وإنْ شئتَ قدَّرْتَه فِعْلاً، أي : الحمدُ مستقرٌّ لله أو استقرَّ لله. والدليلُ على اختيار القول الأولِ أنَّ ذلك يتعيَّن في بعض الصور فلا أدلُّ من ترجيحه في غيرها، وذلك أنك إذا قلت :" خرجت فإذا في الدار زيدٌ "، و " أمَّا في الدار فزيدٌ "، يتعيَّن في هاتين الصورتين تقديرُ الاسم، لأن إذا الفجائية وأمَّا التفصيلية لا يليهما إلا المبتدأ. وقد عورض هذا اللفظُ بأنه يتعيَّن تقديرُ الفعلِ في بعضِ الصور، وهو ما إذا ما وقع الجارُّ والمجرورُ صلةً لموصولٍ، نحو :" الذي في الدار " فليكنْ راجحاً في غيره. والجوابُ أن ما رَجَّحْنا به هو من باب المبتدأ والخبر وليس أجنبياً فكان اعتباره أولى، بخلاف وقوعه صلةً، والأولُ غيرُ أجنبي.
ولا بُد من ذِكْر قاعدةٍ ههنا لعموم فائدتها، وهي أنَّ الجارَّ والمجرورَ والظرفَ إذا وَقَعا صلة أو صفة أو حالاً أو خبراً تعلقا بمحذوفٍ، وذلك المحذوفُ لا يجوز ظهورهُ إذا كان كوناً مطلقاً، فأمَّا قول الشاعر :
فشاذٌّ لا يُلتفَتُ إليه. وأمَّا قوله تعالى :﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ﴾ [النمل: ٤٠] فلم يَقْصِدْ جَعْلَ الظرفِ ثابتاً فلذلك ذكرَ المتعلِّقَ به. ثم ذلك المحذوفُ يجوز تقديرُه باسم أو فعل إلا في الصلة فإنه يتعيَّن أن يكون فعلاً، وإلاَّ في الصورتين المذكورتين فإنه يتعيَّنُ أَنْ يكونَ اسماً. واختلفوا : أيُّ التقديرين أولى فيما عدا الصورَ المستثناةَ ؟ فقوم رجَّحوا تقديرَ الاسمِ، وقومٌ رجَّحوا تقديرَ الفعلِ، وقد تقدَّم دليلُ الفريقين.
وقرئ شاذاً بنصب الدال من " الحمد "، وفيه وجهان : أظهرهُما أنه منصوبٌ على المصدرية، ثم حُذِف العاملُ، وناب المصدرُ مَنَابَه، كقولهم في الإِخبار :" حمداً وشكراً لا كُفْراً "، والتقدير : أَحْمَدُ الله حَمْداً فهو مصدرٌ نابَ عن جملة خبرية. وقال الطبري : إن في ضمنه أمرَ عبادِه أن يُثْنوا به عليه، فكأنه قال : قولوا الحمدَ لله، وعلى هذا يجييء " قولوا إياك " فعلى هذه العبارة يكون من المصادر النائبة عن الطلب لا الخبر، وهو محتملٌ للوجهين، ولكنَّ كونَه خبرياً أَوْلَى من كونه طلبياً ؛ ولا يجوز إظهارُ هذا الناصبِ لِئلاّ يُجْمَع بين البدلِ والمُبْدلِ منه. والثاني : أَنه منصوبٌ على المفعول به أي اقرؤوا الحمدَ، أو اتلوا الحمدَ، كقولهم :" اللهم ضَبُعاً وذئْباً "، أي اجمَعْ ضبُعاً، والأولُ أحسن للدلالةِ اللفظيةِ.
وقراءةُ الرفع أَمْكَنُ وأَبْلَغُ من قراءة النصب، لأنَّ الرفعَ في بابِ المصادر التي أصلُها النيابةُ عن أفعالها يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ بخلافِ النصب فإنه يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ بخلافِ النصب فإنه يَدُلُّ على التجدُّدِ والحدوثِ، ولذلك قال العلماء : إن جوابَ خليل الرحمن عليه السلام في قوله تعالى حكايةً عنه :﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩] أحسنُ مِنْ قول الملائكة " قالوا سلاماً "، امتثالاً لقوله تعالى :﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ [النساء: ٨٦].
و " لله " على قراءة النصب يتعلَّق بمحذوفٍ لا بالمصدرِ لأنها للبيان تقديره : أَعْنِي لله، كقولهم : سُقْياً له وَرَعْياً لك، تقديرهُ : أعني له ولك، ويدلُّ على أن اللام تتعلق في هذا النوع بمحذوفٍ لا بنفسِ المصدرِ أنهم لم يُعْمِلوا المصدرِ المتعدي في المجرورِ باللام فينصبوه فيقولوا :/ سُقياً زيداً ولا رَعْياً عمراً، فدلَّ على أنه ليس معمولاً للمصدرِ، ولذلكَ غَلِظَ مَنْ جعلَ قولَه تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٨] من باب الاشتغالِ لأنَّ " لهم " لم يتعلَّق بِتَعْساً كما مَرَّ. ويحتمل أن يقال : إنَّ اللام في " سُقياً لك " ونحوِه مقويةٌ لتعدية العاملِ لكونِه فَرْعاً فيكونُ عاملاً فيما بعدَه.
وقُرئ أيضاً بكسرِ الدال، ووجهُه أنها حركةُ إتباعٍ لكسرةِ لامِ الجر بعدها، وهي لغة تميم وبعض غطفان، يُتْبِعُون الأول للثاني للتجانس، ومنه :" اضربِ الساقَيْنُ أُمُّك هابِلُ "، بضم نون التثنية لأجل ضمِّ الهمزة. ومثله :
الأصل : ويلٌ لأُِمها، فَحَذَفَ اللامَ الأولى، واستثقل ضمَّ الهمزةِ بعد الكسرة، فَنَقَلها إلى اللام بعد سَلْب حركتها، وحَذَفَ الهمزةَ، ثم أَتْبع اللامَ الميمَ، فصار اللفظ : وَيْلِمِّها، ومنهم مَنْ لا يُتبع، فيقول : وَيْلُمِّها بضم اللام، قال :
ويُحتمل أن تكونَ هذه القراءة من رفعٍ وأن تكونَ مِنْ نصبٍ، لأنَّ الإِعرابَ مقدرٌ مَنَعَ من ظهورِه حركةُ الإِتباعِ.
وقُرئ أيضاً :" لُلَّهِ " بضمِّ لامِ الجرِّ، قالوا : وهي إتباعٌ لحركة الدالِ، وفضَّلها الزمخشري على قراءة كسر الدال معتلاً لذلك بأنَّ إتباع حركة البناء لحركة الإِعراب أحسنُ من العكس وهي لغةُ بعضِ قيس، يُتْبعون الثاني للأول نحو : مُنْحَدُرٌ ومُقُبلِين، بضمِّ الدالِ والقافِ لأجلِ الميم، وعليه قُرئ :﴿مُرْدِفين﴾ [الأنفال: ٩] بضمِّ الراءِ إتباعاً للميمِ، فهذه أربعُ قراءاتٍ في " الحمدُ لله " وقد تقدَّم توجيهُ كلٍّ منها.
ومعنى لام الجر هنا الاستحقاقُ، أي الحمدُ مستحقٌ لله، ولها معانٍ أُخَرُ، نذكرها الآن، وهي الملك والاستحقاق [ نحو :] المالُ لزيد، الجُلُّ للفرس، والتمليك نحو : وَهَبْتُ لك وشبهِه، نحو :﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾
[النحل: ٧٢]، والنسب نحو : لزيد عَمُّ " والتعليلُ نحو :﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] والتبليغ نحو : قلتُ لك، والتعجبُ في القسم خاصة، كقوله :
والتبيين نحو : قوله تعالى :﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، والصيرورةُ نحو قوله تعالى :﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨]، والظرفية : إمَّا بمعنى في، كقوله تعالى :﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، أو بمعنى عِنْد، كقولهم :" كتبتُه لخمسٍ " أي عند خمس، أو بمعنى بَعْدَ، كقوله تعالى :﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي : بعد دلوكها، والانتهاء، كقوله تعالى :﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ﴾ [فاطر: ١٣]، والاستعلاء نحو قوله تعالى :﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] أي على الأذقان، وقد تُزاد باطِّراد في معمول الفعل مقدَّماً عليه كقوله تعالى :﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أو كان العاملُ فَرْعاً، نحوُ قولِه تعالى :﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وبغيرِ اطًِّراد نحو قوله :
وأمَّا قوله تعالى :﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] فقيلَ : على التضمين. وقيل هي زائدة.
قوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : الربُّ لغةً : السيِّدُ والمالك والثابِت والمعبود، ومنه :
والمُصْلِح. وزاد بعضُهم أنه بمعنى الصاحب وأنشد :
والظاهرُ أنه هنا بمعنى المالك، فليس هو معنى زائداً، وقيل : يكون بمعنى الخالق.
واختلف فيه : هل هو في الأصل وصفٌ أو مصدرٌ ؟ فمنهم مَنْ قال : هو وصفٌ ثم اختلف هؤلاء في وزنه، فقيل : هو على وزن فَعَل كقولك : نَمَّ يَنُم
| أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مني ثلاثةً | يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبا |
وقال الراغب :" الحمدُ لله الثناء [ عليه ] بالفضيلة، وهو أخصُّ من المدحِ وأعمُّ من الشكر، يقال فيما يكونُ من الإِنسان باختياره وبما يكونُ منه وفيه بالتسخير، فقد يُمْدَحُ الإِنسان بطولِ قامتهِ وصَباحةِ وجههِ كما يُمْدَحُ ببذلِ مالِه وشجاعتهِ وعلمهِ، والحمدُ يكون في الثاني دونَ الأول، والشكرُ لا يُقال إلا في مقابلةِ نعمة، فكلُّ شكرٍ حَمْدٌ وليس كل حمدٍ شكراً، وكلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ وليس كلُّ مَدْحٍ حمداً، ويقال : فلان محمود إذا حُمِد، ومُحْمَدٌ [ وُجد محموداً ] ومُحَمَّد كَثُرت خصالُه المحمودة، وأحْمَدُ أي : إنه يفوق غيرَه في الحمد ".
والألفَ واللامُ في " الحَمْد " قيل : للاستغراقِ وقيل : لتعريفِ الجنسِ، واختاره الزمخشري، قال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى الماجِدِ القَرْمِ الجَوادِ المُحَمَّدِ
وقيل : للعَهْدِ. وَمَنع الزمخشري كونَها للاستغراق، ولم يبيِّنْ وجهَ ذلك، ويُشْبِه أن يقال : إنَّ المطلوبَ من العبد إنشاء الحمد لا الإِخبارُ به وحينئذ يستحيلُ كونُها للاستغراقِ، إذ لا يُمْكنُ العبدَ أن يُنْشِئَ جميعَ المحامدِ منه ومن غيرِه بخلافِ كونِها للجنسِ.
والأصلُ فيه المصدريةُ فلذلك لا يُثَنَّى ولا يُجْمع، وحكى ابنُ الأعرابي جمعَه على أَفْعُل وأنشد :
| وأَبْلَجَ محمودِ الثناء خَصَصْتُه | بأفضلِ أقوالي وأفضلِ أَحْمُدي |
ثم ذلك المحذوفُ إن شئتَ قدَّرْتَه اسماً وهو المختار، وإنْ شئتَ قدَّرْتَه فِعْلاً، أي : الحمدُ مستقرٌّ لله أو استقرَّ لله. والدليلُ على اختيار القول الأولِ أنَّ ذلك يتعيَّن في بعض الصور فلا أدلُّ من ترجيحه في غيرها، وذلك أنك إذا قلت :" خرجت فإذا في الدار زيدٌ "، و " أمَّا في الدار فزيدٌ "، يتعيَّن في هاتين الصورتين تقديرُ الاسم، لأن إذا الفجائية وأمَّا التفصيلية لا يليهما إلا المبتدأ. وقد عورض هذا اللفظُ بأنه يتعيَّن تقديرُ الفعلِ في بعضِ الصور، وهو ما إذا ما وقع الجارُّ والمجرورُ صلةً لموصولٍ، نحو :" الذي في الدار " فليكنْ راجحاً في غيره. والجوابُ أن ما رَجَّحْنا به هو من باب المبتدأ والخبر وليس أجنبياً فكان اعتباره أولى، بخلاف وقوعه صلةً، والأولُ غيرُ أجنبي.
ولا بُد من ذِكْر قاعدةٍ ههنا لعموم فائدتها، وهي أنَّ الجارَّ والمجرورَ والظرفَ إذا وَقَعا صلة أو صفة أو حالاً أو خبراً تعلقا بمحذوفٍ، وذلك المحذوفُ لا يجوز ظهورهُ إذا كان كوناً مطلقاً، فأمَّا قول الشاعر :
| لكَ العِزُّ إنْ مَوْلاكَ عَزَّ وإنْ يَهُنْ | فأنت لدى بُحْبوحَةِ الهُونِ كائِنُ |
وقرئ شاذاً بنصب الدال من " الحمد "، وفيه وجهان : أظهرهُما أنه منصوبٌ على المصدرية، ثم حُذِف العاملُ، وناب المصدرُ مَنَابَه، كقولهم في الإِخبار :" حمداً وشكراً لا كُفْراً "، والتقدير : أَحْمَدُ الله حَمْداً فهو مصدرٌ نابَ عن جملة خبرية. وقال الطبري : إن في ضمنه أمرَ عبادِه أن يُثْنوا به عليه، فكأنه قال : قولوا الحمدَ لله، وعلى هذا يجييء " قولوا إياك " فعلى هذه العبارة يكون من المصادر النائبة عن الطلب لا الخبر، وهو محتملٌ للوجهين، ولكنَّ كونَه خبرياً أَوْلَى من كونه طلبياً ؛ ولا يجوز إظهارُ هذا الناصبِ لِئلاّ يُجْمَع بين البدلِ والمُبْدلِ منه. والثاني : أَنه منصوبٌ على المفعول به أي اقرؤوا الحمدَ، أو اتلوا الحمدَ، كقولهم :" اللهم ضَبُعاً وذئْباً "، أي اجمَعْ ضبُعاً، والأولُ أحسن للدلالةِ اللفظيةِ.
وقراءةُ الرفع أَمْكَنُ وأَبْلَغُ من قراءة النصب، لأنَّ الرفعَ في بابِ المصادر التي أصلُها النيابةُ عن أفعالها يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ بخلافِ النصب فإنه يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ بخلافِ النصب فإنه يَدُلُّ على التجدُّدِ والحدوثِ، ولذلك قال العلماء : إن جوابَ خليل الرحمن عليه السلام في قوله تعالى حكايةً عنه :﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩] أحسنُ مِنْ قول الملائكة " قالوا سلاماً "، امتثالاً لقوله تعالى :﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ [النساء: ٨٦].
و " لله " على قراءة النصب يتعلَّق بمحذوفٍ لا بالمصدرِ لأنها للبيان تقديره : أَعْنِي لله، كقولهم : سُقْياً له وَرَعْياً لك، تقديرهُ : أعني له ولك، ويدلُّ على أن اللام تتعلق في هذا النوع بمحذوفٍ لا بنفسِ المصدرِ أنهم لم يُعْمِلوا المصدرِ المتعدي في المجرورِ باللام فينصبوه فيقولوا :/ سُقياً زيداً ولا رَعْياً عمراً، فدلَّ على أنه ليس معمولاً للمصدرِ، ولذلكَ غَلِظَ مَنْ جعلَ قولَه تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: ٨] من باب الاشتغالِ لأنَّ " لهم " لم يتعلَّق بِتَعْساً كما مَرَّ. ويحتمل أن يقال : إنَّ اللام في " سُقياً لك " ونحوِه مقويةٌ لتعدية العاملِ لكونِه فَرْعاً فيكونُ عاملاً فيما بعدَه.
وقُرئ أيضاً بكسرِ الدال، ووجهُه أنها حركةُ إتباعٍ لكسرةِ لامِ الجر بعدها، وهي لغة تميم وبعض غطفان، يُتْبِعُون الأول للثاني للتجانس، ومنه :" اضربِ الساقَيْنُ أُمُّك هابِلُ "، بضم نون التثنية لأجل ضمِّ الهمزة. ومثله :
| وَيْلِمِّها في هواءِ الجَوِّ طالبةً | ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبٌ |
| وَيْلُمِّها خُلَّةً قد سِيْطَ مِنْ دمِها | فَجْعٌ وَوَلْعٌ [ وإخلافٌ وتَبِدِيلُ ] |
وقُرئ أيضاً :" لُلَّهِ " بضمِّ لامِ الجرِّ، قالوا : وهي إتباعٌ لحركة الدالِ، وفضَّلها الزمخشري على قراءة كسر الدال معتلاً لذلك بأنَّ إتباع حركة البناء لحركة الإِعراب أحسنُ من العكس وهي لغةُ بعضِ قيس، يُتْبعون الثاني للأول نحو : مُنْحَدُرٌ ومُقُبلِين، بضمِّ الدالِ والقافِ لأجلِ الميم، وعليه قُرئ :﴿مُرْدِفين﴾ [الأنفال: ٩] بضمِّ الراءِ إتباعاً للميمِ، فهذه أربعُ قراءاتٍ في " الحمدُ لله " وقد تقدَّم توجيهُ كلٍّ منها.
ومعنى لام الجر هنا الاستحقاقُ، أي الحمدُ مستحقٌ لله، ولها معانٍ أُخَرُ، نذكرها الآن، وهي الملك والاستحقاق [ نحو :] المالُ لزيد، الجُلُّ للفرس، والتمليك نحو : وَهَبْتُ لك وشبهِه، نحو :﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾
[النحل: ٧٢]، والنسب نحو : لزيد عَمُّ " والتعليلُ نحو :﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] والتبليغ نحو : قلتُ لك، والتعجبُ في القسم خاصة، كقوله :
| للهِ يَبْقى على الأيام ذو حِيَدٍ | بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والآسُ |
| ولمَّا أَنْ توافَقْنا قليلاً | أنَخْنا للكلاكِل فارتَمَيْنا |
قوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ : الربُّ لغةً : السيِّدُ والمالك والثابِت والمعبود، ومنه :
| أَرَبٌّ يبول الثُّعْلُبان برأسه | لقد هانَ مَنْ بالَتْ عليه الثعالبُ |
| قَدْ ناله ربُّ الكلاب بكفِّه | بيضٌ رِهافٌ ريشُهُنَّ مُقَزَّعُ |
واختلف فيه : هل هو في الأصل وصفٌ أو مصدرٌ ؟ فمنهم مَنْ قال : هو وصفٌ ثم اختلف هؤلاء في وزنه، فقيل : هو على وزن فَعَل كقولك : نَمَّ يَنُم