الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
والحمد لله معناه الثناء الكامل. والشكر(١) الشامل لله يكون لأفعاله الحسنة وفضائله الكاملة، والحمد أعم من الشكر وأمدح. ورفعه بالابتداء، " وَلِلَّهِ " في موضع الخبر تقديره : " الحمد ثابت لله " أو " مستقر لله ". فاللام متعلقة بهذا المحذوف الذي قامت اللام وما بعدها مقامه(٢).
والنصب(٣) جائز في الحمد في الكلام على المصدر، لكن الرفع فيه أعم لأن معناه إذا رفعتَه جميع " الحمد مني ومن جميع الخلق لله " وإذا نصبت فمعناه : " أحمد الله حمداً "، فإنما هو حمد منك لله لا غير(٤). فالرفع يدل على أن الحمد منك ومن غيرك لله، فهو أعم وأكمل، فلذلك أجمع القراء على رفعه في جميع ما وقع في القرآن من لفظ ( الْحَمْدُ لِلهِ )، إذ لم يكن/ قبله عامل(٥) فإذا كان " الحمد " مبتدأ، و " لله " خبر، وهو في اللفظ بمنزلة قولك : " المال لزيد " في حكم الإعراب، وليس مثله في المعنى لأنك إذا قلت : " الحمد لله " أخبرت بهذا، وأنت معتمد أن تكون حامداً لله داخلاً في جملة الحامدين طالباً للأجر على قولك، مقراً إذا رفعته أن جميع الحمد منك ومن غيرك لله متقرباً بذلك إلى الله، متعرضاً لعفوه مظهراً(٦) ما في قلبك بلسانك، شاهداً بذلك للهز ولست تخبر أحداً بشيء يجهله، فأنت غير مخبر على الحقيقة بشيء استقر علمه عندك، وليس ذلك العلم عند غيرك. وإذا قلت : " المال لزيد "، فأنت مخبر بما استقر علمه عندك مما ليس علمه عند غيرك. فاعرف الفرق بينهما.
فأما علة حذف الألف الثانية/ من " الله " في الخط ففيها أيضاً اختلاف.
قال قطرب(٧) : " حذف استخفافاً إذ(٨) كان طرحها من الخط لا يلبس.
وقيل : إنما حذفت الألف على لغة مَن يقول قال : " الله/ بغير مد، كقول الشاعر :
أَقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله(٩).
وقيل : حذفت الثانية لأن الأولى(١٠) تكتفي(١١) عنها، وتدل عليها(١٢).
وقيل : إنما حذفت لئلا يشبه خط " اللات " في قول من وقف عليه(١٣) بالهاء.
فأما حذف ألف(١٤) ( الرَّحْمَنِ ) من الخط(١٥) فلكثرة الاستعمال والاستخفاف، ولأن المعنى لا يشكل بغيره(١٦).
وقدم ( الرَّحْمَانِ ) على ( الرَّحِيمِ ) لأن " الرحمن " اسم شريف مبني للمبالغة لا يتسمى به غير الله جل ذكره، والرحيم قد يوصف به الخلق فأخر لذلك.
وقيل : الرحيم، ولم يقل : الراحم، لأن فعيلا فيه مبالغة أيضاً تقارب مبالغة الرحمن(١٧)، فقرن بالرحمن دون الراحم(١٨) إذ الراحم لا مبالغة في بنيته لأنه يوصف بالراحم مَن رحم مرة(١٩) في عمره، ولا يوصف بالرحيم إلا مَن تكررت منه الرحمة.
وقيل : إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن النبي عليه السلام كان يكتب في كتبه(٢٠) " باسمك اللهم " حتى نزل(٢١) :( بِسْمِ اللَّهِ مُجْرَاهَا )(٢٢) فكتب ( بِسْمِ اللَّهِ )، حتى نزل :( قُلُ ادْعُوا اللَّهَ أَوُ ادْعُوا الرَّحْمَنَ )(٢٣)، فكتب ( بِسْمِ اللَّهِ )، فسبق نزول الرحمن. ثم نزل :( وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )(٢٤)(٢٥). فكتب ذلك على ترتيب ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم(٢٦).
وقال ابن مسعود(٢٧)/ " كنا نكتب زماناً باسمك اللهم " حتى نزلت :( أَوُ ادْعُوا الرَّحْمَنَ )، فكتبنا " بسم الله الرحمن " / فلما نزلت " التي في النمل كتبناها(٢٨) ".
ومعنى ( الرَّحْمَنِ ) : الرفيق بخلقه، ومعنى :( الرَّحِيمِ )(٢٩) العاطف على خلقه بالرزق وغيره(٣٠).
وقيل : إنما جيء بالرحيم(٣١) ليعلم الخلق أن ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) على اجتماعهما لم يتسم(٣٢) بهما غير الله جل ذكره، لأن الرحمن على انفراده قد تسمى به مسيلمة(٣٣) الكذاب لعنه الله(٣٤)، و( الرَّحِيمِ ) على انفراده(٣٥) قد يوصف به المخلوق. فكرر الرحيم بعد الرحمن(٣٦)، وهما صفتان لله أو اسمان، ليعلم الخلق ما(٣٧) انفرد به الله تعالى ذكره(٣٨) من اجتماعهما له، وما ادعى بعضه بعض خلقه(٣٩).
وهذا القول هو معنى قول عطاء(٤٠) لأنه قال : " لما اختُزِلَ(٤١) الرحمن من أسمائه(٤٢) –أي تسمى به غيره-، صار لله الرحمن الرحيم " (٤٣).
والألف واللام في ( الرَّحِيمِ ) للتعريف، وإنما اختيرا(٤٤) للتعريف، لأن الهمزة تختل بالتسهيل والحذف والبدل وبإلقاء حركتها على ما قبلها، واللام تدغم في أكثر الحروف وكلاهما من الحروف الزوائد.
وفي وصل ( الرَّحِيمِ ) ب( الْحَمْدُ )، عند النحويين ثلاثة أوجه :
-أحدها(٤٥) : أن تقول " الرَّحِيمُ. الحَمْدُ لله " (٤٦) فتكسر(٤٧) الميم وتقف عليها وتقطع ألف الحمد. وهذا مستعمل عند القراء حسن، وهو مروي(٤٨) عن النبي ﷺ روته أم سلمة(٤٩).
- والثاني(٥٠) : أن تقول : " الرَّحِيمِ الحَمْدُ لله "، فتَصِل الألف وتعرب الرحيم بحقه من الإعراب فتكون الكسرة خفضاً، وإن شئت/ قدرت أنك وقفت على الرحيم بالإسكان، ثم وصلت فكسرت(٥١) الميم لسكونها وسكون لام الحمد بعدها، ولا يعتد بألف الوصل لسقوطها في درج الكلام.
وهذان الوجهان حسنان مستعملان في القراءة.
- والوجه الثالث : حكاه الكسائي سماعاً من العرب، أن تقول : " الرَّحِيمَِ الحَمْدُ " فتح الميم ووصل الألف وذلك أنك تقدر(٥٢) أنك أسكنت الميم للوقف عليها وقطعت ألف الحمد للابتداء/ بها، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفتها فانفتحت الميم. ولا يقرأ بهذا(٥٣).
وقد ذكر الفراء(٥٤) هذا التقدير في قوله تعالى :( أَلَمِّ اللَّهُ )(٥٥) وذكره غيره(٥٦). وستراه إن شاء الله ومثله قياس وصل " نَسْتَعِينُ " ب " اهْدِنَا(٥٧) ".
والألف الأول من اسم " الله " تحذف من الخط مع اللام، تقول : " لله الحجة، ولله الأمر "، فإن قلت : " بالله أتق "، و " ليس كالله أحد " ؛ لم يجز حذف الألف من الخط، وعلة حذفها من الخط مع اللام، دون سائر حروف الجر، أنَّ اللام مع الألف يصيران حرفاً(٥٨) واحداً في رأي العين. والألف مع اللام الثانية(٥٩) بمنزلة " قَدْ " لأنهما زيدا معاً للتعريف لا يفترقان. فلو أثبتت(٦٠) الألف مع اللام الأولى(٦١)، كنت قد فصلتها(٦٢) مع اللام الأولى(٦٣) من اللام الثانية.
وقيل : إنما حذفت الألف من الخط مع اللام(٦٤)، لئلا تصير " لا " فتشبه النفي. فإن كانت(٦٥) الألف مقطوعة لم تحذف الألف مع اللام، ولا مع غيرها من حروف(٦٦) الجر في الخط نحو قولك : " لألواحك حُسْنٌ، ولألواحِك بياض "، وإنما ذلك، لأن الألف في هذا ليست مع اللام للتعريف إذ اللام أصلية فجاز انفصالها من اللام الثانية مع اللام الأولى.
قوله :( رَبِّ الْعَالَمِينَ )[ ١ ].
الرب(٦٧) المالك. فمعناه : مالك(٦٨) العالمين.
وقيل : الرب السيد(٦٩).
وقيل : المصلح(٧٠)، يقال : " رَبَّه يَرُبُّه رَبّاً " إذا أصلحه. ويقال على التكثير : رَبَّتَهُ ورَبَّاهُ ورَبَّبَهُ(٧١).
فالذين يقولون : " رَبَّتَه " بالتاء، أصله عندهم رَبَّبَهُ(٧٢) ثم أبدلوا(٧٣) من الباء الثالثة " ياء "، كما يقال(٧٤)، " تَقَضَّيْتُ " في " تَقَضَّضْتُ(٧٥) " ثم أبدلوا من الياء تاء. كما أبدلوا من الواو تاء في " تُراتِ "، و " تُجاهٍ "، و " تولج " وأصله " وولج(٧٦) " على " فوعل(٧٧)، من " ولجت ". وبدل(٧٨) التاء من الياء قليل شاذ، وهو في الواو كثير.
و( الْعَالَمِينَ ) جمع عالم. والعالم هو جميع الخلق الموجود في كل زمان. وروى عبد الوهاب بن مجاهد(٧٩) عن أبيه في قول الله :
( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ). قال : " العالمون ثمانية عشر ألف ملك في نواحي(٨٠) الأرض الأربع، في كل ناحية أربعة آلاف ملك(٨١) وخمسمائة(٨٢) ملك مع كل ملك منهم عدد الجن والإنس، فبهم يدفع(٨٣) الله العذاب عن أهل الأرض ".
١ - في ع١: السكن..
٢ - انظر: هذا التوجيه في إعراب القرآن ١/١٩٩..
٣ - وهي لغة قيس، وبه قرأ سفيان بن عيينة وابن عجاج. انظر: معاني القرآن ١/٣، وإعراب القرآن ١/١٨٩ ومشكل الإعراب ١/٦٨ والبيان ١/٣٤..
٤ - في ع١، ق: لغير..
٥ - انظر: معاني الفراء ١/٣، والمحتسب ١/٣٨، والمحرر الوجيز ١/٦٣..
٦ - في ع٢، ق مطهراً. وهو تصحيف..
٧ - هو محمد المستنير بن أحمد، المشهور بقطرب، معتزلي، نحوي، أديب أول من وضع المثلث في اللغة (ت٢٠٦هـ). انظر: طبقات النحويين ١٠٦، وإنباه الرواة ٣/٢١٩، ونزهة الألبا ٧٦، وبغية الوعاة ١٠٤..
٨ - في ق، ع٣: إذا..
٩ - سقط لفظ الجلالة "الله" من ع٢. والبيت من الرجز، وهو لقرب بن المستفيد وعجزه: يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّة. انظر: مجاز القرآن ١/٢٦٦ والتبصرة ٦٧، واللسان ١/٨٨ وفيها "أمر" بدل "عند"..
١٠ - في ق: الأول..
١١ - في ع٢: يكتفي..
١٢ - في ع٢، عنها..
١٣ - في ع١، ع٢: عليها..
١٤ - راجع مشكل الإعراب ١/٦٦ والبيان ١/٣٢..
١٥ - في ع١، ع٣: الألف..
١٦ - في ع٢: الخط إنما حذفت..
١٧ - انظر: مشكل الإعراب ١/٦٦..
١٨ - انظر: الإملاء ١/٥..
١٩ - في ق: الرحيم. وهو تحريف..
٢٠ - سقط من ع٢..
٢١ - في ق: أنزلت..
٢٢ - هود آية ٤١..
٢٣ - الإسراء آية ١٠٩..
٢٤ - النمل آية ٣٠..
٢٥ - سقط من ع٢..
٢٦ - انظر: المحرر الوجيز ١/٥٣ وتفسير القرطبي ١/٩٢..
٢٧ - هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن مسعود بن الحارث، عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه طائفة من الصحابة التابعين (ت٣٢). انظر: طبقات ابن خياط ١٦ وطبقات ابن سعد ٣/١٥٠ وتذكرة الحفاظ ١/٣١ وسير أعلام النبلاء ١/٤٦١..
٢٨ - انظر: تفسير القرطبي ١/٩٢..
٢٩ - في ع٢: الرحمن. وهو خطأ..
٣٠ - انظر مثله في جامع البيان: ١/١٢٧..
٣١ - في ق: الرحيم..
٣٢ - في ق: يتسمى. وهو خطأ..
٣٣ - هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير، من المعمرين. ادعى النبوة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقب برحمن اليمامة. (ت١٢هـ). انظر: شذرات الذهب ١/٢٣..
٣٤ - قوله "لعنه الله" سقط من ح..
٣٥ - قوله: "قد تسمى... على انفراده" سقط من ق..
٣٦ - في ع٢: الرحيم..
٣٧ - سقط من ع٢..
٣٨ - في ق: جل ذكره..
٣٩ - انظر: هذا القول في جامع البيان ١/١٣٠، وتفسير القرطبي ١/١٠٦..
٤٠ - هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني. ضعفه بعض الأئمة، وهو كثير الإرسال عن الصحابة وفي سماعه منهم خلاف. روى عنه مالك بن أنس. انظر: طبقات ابن سعد ٧/٣٦٩ وتهذيب التهذيب ٧/٢١٢..
٤١ - في ق: اعتزل. وهو تحريف..
٤٢ - في ع١: سمائه..
٤٣ - انظر: جامع البيان ١/١٣٠، والمحرر الوجيز ١/٥٩، والدر المنثور ١/١٣..
٤٤ - في ق: اختير..
٤٥ - انظر: كتاب القطع والإئتناف ١٠٤، والمحرر الوجيز ١/٥٩..
٤٦ - سقط قوله "الله" من ع٢..
٤٧ - في ح: فتسكن..
٤٨ - انظر: سنن أبي داود ٤/٢٩٤..
٤٩ - هي أم سلمة بنت سهيل المخزومية، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، روت عدة أحاديث، وروى عنها الأسود، وابن المسيب والشعبي. (ت١٦هـ). انظر: طبقات ابن سعد ٨/٨٦، وسير أعلام النبلاء ٢/٢٠١، وتذكرة الحفاظ ٣/٩٧..
٥٠ - انظر: المحرر الوجيز ١/٥٩، وتفسير القرطبي ١/١٠٧..
٥١ - سقط من ع٣..
٥٢ - في ع٢: تقدير. وهو تحريف..
٥٣ - انظر: المحرر الوجيز ١/٦٠..
٥٤ - انظر: كتابه معاني القرآن ١/٩ ففيه بسط لهذا الوجه..
٥٥ - آل عمران آية ١..
٥٦ - انظر: معاني الأخفش ١/٢٢، والإنصاف ٢/٧٤٢-٧٤٣..
٥٧ - انظر: تفسير القرطبي ١/١٠٧..
٥٨ - سقط من ق..
٥٩ - في ع٣: الثابتة وهو تصحيف..
٦٠ - في ق: أتيت. وهو تحريف..
٦١ - في ق: الأول..
٦٢ - في ع٢: فصلها وهو خطأ..
٦٣ - في ع١: الأول..
٦٤ - سقط من ع٢..
٦٥ - في ع٢: كنت. وهو تحريف..
٦٦ - في ع٢: الحروف. وهو خطأ..
٦٧ - في ع٣: أي الرب..
٦٨ - في ع٢: ملك..
٦٩ - انظر: جامع البيان ١/١٤١، ١٤٢ والمحرر الوجيز ١/٦٤-٦٥، واللسان ١/١٠٩٩..
٧٠ - المصدر السابق..
٧١ - في ق: ربية. وانظر: إعراب القرآن ١/١٢١ واللسان ١٠٩٨-١٠٩٩..
٧٢ - في ق: ربيه..
٧٣ - في ع٣: أبدله..
٧٤ - في ع٣: الباء كما يقول. وهو تحريف..
٧٥ - انظر: إعراب القرآن ١/١٢١ واللسان ٣/١١٣..
٧٦ - في ع١، ع٣: وولج..
٧٧ - في ع٣: فعول..
٧٨ - في ع٢: بد. وهو تحريف..
٧٩ - هو عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المكي، روى عن أبيه وعن عطاء وجَرَّحه ابن الجوزي والحاكم وأبو حاتم، وقال عنه ابن حنبل: "ليس بشيء ضعيف الحديث". انظر: تهذيب التهذيب ٦/٤٥٣..
٨٠ - في ع٣: نواح. جرحه..
٨١ - سقط من ع٣..
٨٢ - في ع٣: وخمسة مائة..
٨٣ - في ع٣: يرفع..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى