تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
( ايَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿إياك نعبد﴾ ؛ ﴿إياك﴾ : مفعول به مقدم ؛ وعامله :﴿نعبد﴾ ؛ وقُدِّم على عامله لإفادة الحصر ؛ فمعناه : لا نعبد إلا إياك ؛ وكان منفصلاً لتعذر الوصل حينئذ ؛ و ﴿نعبد﴾ أي نتذلل لك أكمل ذلّ ؛ ولهذا تجد المؤمنين يضعون أشرف ما في أجسامهم في موطئ الأقدام ذلاً لله عزّ وجلّ : يسجد على التراب ؛ تمتلئ جبهته من التراب. كل هذا ذلاً لله ؛ ولو أن إنساناً قال : " أنا أعطيك الدنيا كلها واسجد لي " ما وافق المؤمن أبداً ؛ لأن هذا الذل لله عزّ وجلّ وحده..
و " العبادة " تتضمن فعل كل ما أمر الله به، وترك كل ما نهى الله عنه ؛ لأن من لم يكن كذلك فليس بعابد : لو لم يفعل المأمور به لم يكن عابداً حقاً ؛ ولو لم يترك المنهي عنه لم يكن عابداً حقاً ؛ العبد : هو الذي يوافق المعبود في مراده الشرعي ؛ ف " العبادة " تستلزم أن يقوم الإنسان بكل ما أُمر به، وأن يترك كل ما نُهي عنه ؛ ولا يمكن أن يكون قيامه هذا بغير معونة الله ؛ ولهذا قال تعالى :﴿وإياك نستعين﴾ أي لا نستعين إلا إياك على العبادة، وغيرها ؛ و " الاستعانة " طلب العون ؛ والله سبحانه وتعالى يجمع بين العبادة، والاستعانة، أو التوكل في مواطن عدة في القرآن الكريم ؛ لأنه لا قيام بالعبادة على الوجه الأكمل إلا بمعونة الله، والتفويض إليه، والتوكل عليه..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : إخلاص العبادة لله ؛ لقوله تعالى :﴿إياك نعبد﴾ ؛ وجه الإخلاص : تقديم المعمول..
. ٢ ومنها : إخلاص الاستعانة بالله عزّ وجلّ ؛ لقوله تعالى :﴿وإياك نستعين﴾، حيث قدم المفعول..
فإن قال قائل : كيف يقال : إخلاص الاستعانة لله وقد جاء في قوله تعالى :﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢] إثبات المعونة من غير الله عزّ وجلّ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " تعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة " ؟ (١)..
فالجواب : أن الاستعانة نوعان : استعانة تفويض ؛ بمعنى أنك تعتمد على الله عزّ وجلّ، وتتبرأ من حولك، وقوتك ؛ وهذا خاص بالله عزّ وجلّ ؛ واستعانة بمعنى المشاركة فيما تريد أن تقوم به : فهذه جائزة إذا كان المستعان به حياً قادراً على الإعانة ؛ لأنه ليس عبادة ؛ ولهذا قال الله تعالى :﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [ المائدة : ٢ )
فإن قال قائل : وهل الاستعانة بالمخلوق جائزة في جميع الأحوال ؟
فالجواب : لا ؛ الاستعانة بالمخلوق إنما تجوز حيث كان المستعان به قادراً عليها ؛ وأما إذا لم يكن قادراً فإنه لا يجوز أن تستعين به : كما لو استعان بصاحب قبر فهذا حرام ؛ بل شرك أكبر ؛ لأن صاحب القبر لا يغني عن نفسه شيئاً ؛ فكيف يعينه ! ! ! وكما لو استعان بغائب في أمر لا يقدر عليه، مثل أن يعتقد أن الوليّ الذي في شرق الدنيا يعينه على مهمته في بلده : فهذا أيضاً شرك أكبر ؛ لأنه لا يقدر أن يعينه وهو هناك..
فإن قال قائل : هل يجوز أن يستعين المخلوقَ فيما تجوز استعانته به ؟
فالجواب : الأولى أن لا يستعين بأحد إلا عند الحاجة، أو إذا علم أن صاحبه يُسَر بذلك، فيستعين به من أجل إدخال السرور عليه ؛ وينبغي لمن طلبت منه الإعانة على غير الإثم والعدوان أن يستجيب لذلك..
١ أخرجه البخاري ص٢٣٢، كتاب الجهاد، باب ٧٢: فضل من حمل متاع صاحبه في السفرن حديث رقم ٢٨٩١؛ وأخرجه مسلم ص٨٣٧، كتاب الزكاة، باب ١٦: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، حديث رقم ٢٣٣٥ [٥٦] ١٠٠٩، واللفظ لمسلم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى