روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
لما بلغ الثناء الغاية القصوى قال سبحانه :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إيا في المشهور ضمير نصب منفصل واللواحق حروف زيدت لبيان الحال، وقيل أسماء أضيف هو إليها، وقيل الضمير هي تلك اللواحق وإيا دعامة، وقيل الضمير هو المجموع، وقيل إيا مظهر مبهم مضاف إلى اللواحق، وزعم أبو عبيدة اشتقاقه وهو جهل عجيب والبحث مستوفى في علم النحو، وقد جاء وياك بقلب الهمزة واواً ولا أدري أهو عن القراء أم عن العرب، وقرأ عمرو بن فائد عن أبيّ ( إياك ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء وعلى وأبو الفضل الرقاشي ( أياك ) بفتح الهمزة والتشديد وأبو السوار الغنوي ( هياك ) بإبدال الهمزة مكسورة ومفتوحة هاء والجمهور ( إياك ) بالكسر والتشديد، والعبادة أعلى مراتب الخضوع ولا يجوز شرعاً ولا عقلاً فعلها إلا لله تعالى لأنه المستحق لذلك لكونه مولياً لأعظم النعم من الحياة والوجود وتوابعهما ولذلك يحرم السجود لغيره سبحانه لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء وهو التراب وموطئ الأقدام والنعال غاية الخضوع وقيل لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه وما ورد من نحو قوله تعالى :﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [ الأنبياء : ٨ ٩ ] وارد على زعمهم تعريضاً لهم ونداء على غباوتهم وتستعمل بمعنى الطاعة ومنه :﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ [ يس : ٠ ٦ ] وبمعنى الدعاء ومنه :﴿إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [ غافر : ٠ ٦ ] وبمعنى التوحيد ومنه :﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذاريات : ٦ ٥ ] وكلها متقاربة المعنى وذكر بعض المحققين أن لها ثلاث درجات(١) لأنه إما أن يعبد الله تعالى رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متابعة الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أدوم وأشرف، وهذه مرتبة نازلة عند أهل الله تعالى، وتسمى عبادة، وإما أن يعبد الله تعالى تشرفاً بعبادته أو لقبوله لتكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة، وتسمى بالعبودية(٢) وإما أن يعبد الله تعالى لاستحقاقه الذاتي من غير نظر إلى نفسه بوجه من الوجوه ولا يقتضيه إلا الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودة وإليه الإشارة بقول المصلي أصلي لله تعالى فإنه لو قال أصلي لثوابه تعالى مثلاً أو للتشرف بعبادته فسدت صلاته.
والاستعانة طلب المعونة وياء فعله منقلبة عن واو وتمسكت الجبرية والقدرية بهذه الآية أما الجبرية فقالوا : لو كان العبد مستقلاً لما كان للاستعانة على الفعل فائدة، وأما القدرية فقالوا السؤال إنما يحسن لو كان العبد متمكناً في أصل الفعل فيطلب الإعانة من الغير، أما إذا لم يقدر عليه لم يكن للاستعانة فائدة، وقد أشار ناصر الملة والدين البيضاوي بيض الله تعالى وجه حجته ببيان المعونة إلى أنه لا تمسك لواحد من الفريقين في ذلك حيث قال : وهي إما ضرورية أو غيرها، والضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها وعند استجماعها يصح أن يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف انتهى.
وحاصله أن الاستعانة طلب ما يتمكن به العبد من الفعل أو يوجب اليسر عليه وشيء منهما لا يوجب الجبر ولا القدر.
وعندي أن الآية إن استدل بها على شيء من بحث خلق الأفعال فليستدل بها على أن للعباد قدراً مؤثرة بإذن الله تعالى لا بالاستقلال كما عقدت عليه خنصر عقيدتي لا أنهم ليس لهم قدرة أصلاً بل جميع أفعالهم كحركة المرتعش كما يقوله الجبرية ؛ إذ الضرورية تكذبه ولا أن لهم قدرة غير مؤثرة أبداً كاليد المشلولة كما هو الشائع من مذهب الأشاعرة إذ هو في المآل كقول الجبرية وأي فرق بين قدرة لا أثر لها وبين عدم القدرة بالكلية إلا بما هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ولا أن لهم قدرة مستقلة بالأفعال يفعلون بها ما شاءوا، فالله تعالى يريد ما لا يفعله العبد ويفعل العبد ما لا يريده الله تعالى كما يقوله المعتزلة إذ يرد ذلك النصوص القواطع كما ستسمعه إن شاء الله تعالى، ووجه الاستدلال أن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مشير إلى صدور الفعل من العباد وذلك يستدعي قدرة يكون بها الإيجاد ومن لا قدرة له أو له قدرة لا مدخل لها في الإيجاد لا يقال له أوجد وصحة ذلك باعتبار الكسب كيفما فسر لا يرتضيه المنصف العاقل. وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يدل على نفي الاستقلال فيه وأنه بإذن الله تعالى وإعانته كما يشير إليه لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا هو اللبن السائغ الذي يخرج من بين فرث ودم فلا جبر ولا تفويض فاحفظه وانتظر تتمته.
ولو كان هذا موضع القول لاشتفىفؤادي ولكن للمقال مواضع
وههنا أبحاث : الأول في سر تقديم الضمير على الفعلين، وذكروا له وجوهاً الدلالة على الحصر والاختصاص كما يشعر به عدول البليغ عما هو الأصل من غير ضرورة، ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : معناه لا نعبد غيرك، وهو حقيقي لا يستدعي رد خطأ المخاطب والمقصود منه التبرئة عن الشرك وتعريض بالمشركين وتقديم ما هو مقدم في الوجود فإنه تعالى مقدم على العابد والعبادة ذاتاً فقم وضعاً ليوافق الوضع الطبع. وتنبيه العابد من أول الأمر على أن المعبود هو الله تعالى الحق فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يميناً وشمالاً، والاهتمام فإن ذكره تعالى أهم للمؤمنين في كل حال لا سيما حال العبادة لأنها محل وساوس الشيطان من الغفلة والكسل والبطالة والتصريح من أول وهلة بأن العبادة له سبحانه فهو أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك فإنه لو أخر فقبل أن يذكر المفعول يحتمل أن تكون العبادة لغيره تعالى.
والإشارة إلى حال العارف وأنه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات، وإلى العبادة من حيث إنها وصلة إليه وراحلة تغد به عليه فيبقى مستغرقاً في مشاهدة أنوار جلاله مستقراً في فردوس أنوار جماله وكم من فرق بين قوله تعالى للمحمديين :﴿فاذكروني أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبين قوله للإسرائليين :﴿اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وبين ما حكى عن الحبيب من قوله :﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ [ التوبه : ٠ ٤ ] وبين ما حكاه عن الكليم من قوله :﴿إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ﴾ [ الشعراء : ٢ ٦ ].
الثاني : في سر قوله ﴿نَعْبُدُ﴾ دون أعبد، فقد قيل هو الإشارة إلى حال العبد كأنه يقول : إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أذكرها وحدها لأنها ممزوجة بالتقصير، ولكن أخلطها بعبادة جميع العابدين وأذكر الكل بعبارة واحدة حتى لا يلزم تفريق الصفقة، وقيل : النكتة في العدول إلى الإفراد التحرز عن الوقوع في الكذب فإنا لم نزل خاضعين لأهل الدنيا متذللين لهم مستعينين في حوائجنا بمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا حياتاً ولا موتاً ولا نشوراً، ويا ليت الفحل يهضم نفسه، فكيف يقول أحدنا إياك أعبد وإياك أستعين بالإفراد ويمكن في الجمع أن يقصد تغليب الأصفياء المتقين من الأولياء والمقربين، وقيل : لو قال إياك أعبد لكان ذلك بمعنى : أنا العابد ولما قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كان المعنى أني واحد من عبيدك، وفرق بين الأمرين كما يرشدك إليه قوله تعالى حكاية عن الذبيح عليه السلام :﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصابرين﴾ [ الصافات : ٢ ١٠ ] وقوله تعالى : حكاية عن موسى ﴿سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] فصبر الذبيح لتواضعه بعدِّ نفسه واحداً من جمع ولم يصبر الكليم لإفراده نفسه مع أن كلاً منهما عليهما السلام قال ﴿إِن شَاء الله﴾ وقيل : الضمير في الفعلين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري الجماعة، وقيل هو من باب :«صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ » على ما ذكره الغزالي قدس سره وقد تقدم.
الثالث : في سر تقديم فعل العبادة على فعل الاستعانة وله وجوه :
الأول : أن العبادة أمانة كما قال تعالى :﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان﴾ [ الأحزاب : ٢ ٧ ] فاهتم للأداء فقدم.
الثاني : أنه لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحاً واعتداداً منه بما صدر عنه فعقبه بقوله :﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ليدل على أن العبادة مما لا تتم إلا بمعونة وتوفيق وإذن منه سبحانه. الثالث : أن العبادة مما يتقرب بها العبد إلى الله تعالى والاستعانة ليست كذلك فالأول أهم.
الرابع : أنها وسيلة فتقدم على طلب الحاجة لأنه أدعى للإجابة.
الخامس : أنها مطلوبة لله تعالى من العبادة، والاستعانة مطلوبهم منه سبحانه فتقديم العبد ما يريده مولاه منه أدل على صدق العبودية من تقديم ما يريده من مولاه.
السادس : أن العبادة واجبة حتماً لا مناص للعبادة عن الإتيان بها حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن فكانت أحق بالتقديم.
السابع : أنها أشد مناسبة بذكر الجزاء والاستعانة أقوى التئاماً بطلب الهداية.
الثامن : أن مبدأ الإسلام التخصيص بالعبادة والخلوص من الشرك والتخصيص بالاستعانة بعد الرسوخ.
التاسع : أن في تأخير فعل الاستعانة توافق رءوس الآي.
العاشر : أن أحدهما إذا كان مرتبطاً بالآخر لم يختلف التقديم والتأخير كما يقال قضيت حقي فأحسنت إلي وأحسنت إلي فقضيت حقي.
الحادي عشر : أن مقام السالكين ينتهي عند قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وبعده يطلب التمكين وذلك أن الحمد مبادي حركة المريد فإن نفس السالك إذا تزكت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية الموجبة للولاية تجردت النفس الزكية للطلب فرأت آثار نعم الله تعالى عليها سابغة وألطافه غير متناهية فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر فكشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى ﴿رَبّ العالمين﴾ فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف الفناء مفتقراً إلى المبقى محتاجاً إلى التربية فترقت لطلب الخلاص من وحشة الأدبار وظلمة السكون إلى الأغيار فهبت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف الرحمن الرحيم فعرجت للمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الملك الحقيقي، فنادت بلسان الاضطرار في مقام ﴿لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [ غافر : ٦ ١ ] أسلمت نفسي إليك وأقبلت بكليتي عليك وهناك خاضت لجة الوصول وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهنا انتهاء مقام السالك ألا يرى إلى سيد الخلق وحبيب الحق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله :﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: ١] فطلب التمكين بقوله :﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدنا الصراط المستقيم﴾ واستعاذ عن التلوين بقوله :﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين﴾ فصعد مستكملاً ورجع مكملاً وكأنه لهذا سميت الصلاة معراج المؤمنين،
البحث الرابع : في سر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وقد ازدحمت فيه أذهان العلماء بعد بيان نكتته العامة، وهي التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تطرية له وتنشيطاً للسامع، فقيل لما ذكر الحقيق بالحمد ووصف بصف
١ وبما ذكرنا سقط ما قبل أن العبادة إذا كانت أعلى مراتب الخضوع يلزم أن لا يكون أكثر المؤمنين عابدين اهـ منه..
٢ والإمام الرازي في التفسير لم يضع للثانية اسما وسمى الثالثة بالعبودية اهـ منه..

ومن باب الإشارة أن يوم الدين تلويح إلى مقام الفناء ؛ لأنه موت النفس عن شهواتها وخروجها عن جسد تعلقها بالأغيار والتفاتها ومن مات فقد قامت قيامته فعند ذلك يحصل البقاء في جنة الشهود ويتحقق الجمع في مقام صدق عند المليك المعبود وفوق هذا مقام آخر لا يفي بتقريره الكلام ولا تقدر على تحريره الأقلام بل لا يزيده البيان إلا خفاء ولا يكسبه التقريب إلا بعداً واعتلاء.
ولو أن ثوباً حيك من نسج تسعةوعشرين حرفاً في علاه قصير
اللهم أغرقنا في بحار مشاهدتك ومن علينا بخندريس وحدتك حتى لا نحدث إلا عنك ولا نسمع إلا منك ولا نرى إلا إياك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى