الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
رجع من الخبر الى الخطاب على التلوين. وقيل فيه إضمار، أي قولوا :﴿إِيَّاكَ﴾. و ﴿أَيَّا﴾ كلمة ضمير، لكنه لا يكون إلاّ في موضع النصب، والكاف في محلّ الخفض بإضافة إيا إليها، وخصّ بالإضافة إلى الضمير ؛ لأنه يضاف إلى الاسم المضمر ألا يقول الشاعر :
فدعني وإيا خالدلأقطعن عُرْيَ نياطه
وحكى الخليل عن العرب : إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإياكم.
ويستعمل مقدّماً على الفعل مثل ( إياك أعني ) و ( إياك أسأل )، ولا يستعمل مؤخّراً على الفعل إلاّ أنّ. . . . . به حين الفعل، فيقال : ما عبدت إلاّ إياك ونحوها. وقال أبو ميثم سهل ابن محمد : إياك ضمير منفصل، والضمير ثلاثة أقسام :
ضمير متّصل نحو الكاف والهاء والياء في قولك : أكرمك، وأكرمه، وأكرمني. سمي بذلك لاتصاله بالفعل.
وضمير منفصل نحو إياك وإياه وإياي. سمي بذلك لانفصاله عن الفعل.
وضمير مستكن، كالضمير في قولك : قعد وقام. سمي بذلك لأنه استكن في الفعل ولم يُستبقَ في اللفظ ويعمّ أن فيه ضمير الفاعل ؛ لأن الفعل لا يقوم إلاّ بفاعل ظاهر أو مضمر.
وقال أبو زيد : إنما هما ياءان : الأولى للنسبة والثانية للنداء، تقديرها :( أي يا )، فأُدغمت وكسرت الهمزة لسكون الياء. وقال أبو عبيد : أصله ( أو ياك )، فقلبت الواو ياءً فأدغموه، وأصله من ( آوى، يؤوي، إيواء ) كأن فيه معنى الانقطاع والقصد. وقرأ الفضل الرقاشي ( أياك ) بفتح الألف وهي لغة.
وإنما لم يقل : نعبدك ( لأنه ) يصحّ في العبارة، وأحسن الإشارة ؛ لأنهم إذا قالوا : إياك نعبد، كان نظرهم منه إلى العبادة لا من العبادة إليه. وقوله :﴿نَعْبُدُ﴾ أي نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، والعبادة رياضة النفس على حمل المشاق في الطاعة. وأصلها الخضوع والانقياد والطاعة والذلة، يقال : طريق معبّد إذا كان مذللا موطوءاً بالأقدام. قال طرفة :
تبارى عتاقاً ناجيات وأتبعتوظيفاً وظيفاً فوق مور معبّد
وبعير معبد إذا كان مطلياً بالقطران، قال طرفة :
إلى أن تحامتني العشيرة كلّهاوأفردت إفراد البعير المعبّد
وسمّي العبد عبداً لذلّته وانقياده لمولاه.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ : نستوفي ونطلب المعونة على عبادتك وعلى أمورنا كلّها، يقال : استعنته واستعنت به، وقرأ يحيى بن رئاب :( نَسْتَعِينُ ) بكسر النون. قال الفرّاء : تميم وقيس وأسد وربيعة يكسرون علامات المستقبل إلاّ الياء، فيقولون إستعين ونِستعين ونحوها، ويفتحون الياء لأنها أخت الكسرة. وقريش وكنانة يفتحونها كلّها وهي الأفصح والأشهر.
وإنّما كرّر ﴿إِيَّاكَ﴾ ؛ ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد لقول الله تعالى خبراً عن موسى :
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه: ٣٣-٣٤]، ولم يقل : كي نسبحك ونذكرك كثيراً.
وقال الشاعر :
وجاعل الشمس مصراً لا خفاء بهبين النهار وبين الليل قد فصلا
ولم يقل بين النهار والليل. وقال الآخر :
بين الأشجّ وبين قيس باذخبخ بخ لوالده وللمولود
وقال أبو بكر الورّاق : إياك نعبد لأنك خلقتنا، وإياك نستعين لأنك هديتنا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرَّحْمن الفرّان، وقد سئل عن الآية فقال :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك الصانع، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن المصنوع لا غنى به عن الصانع، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لتدخلنا الجنان، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لتنقذنا من النيران، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنّا عبيد و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنك كريم مجيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك المعبود بالحقيقة و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأننا العباد بالوثيقة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى