غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿مالك﴾ : بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك :﴿الرحيم مالك﴾ مدغماً : أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل ﴿قال لهم﴾ [البقرة: ٢٤٩] أو مخرج واحد مثل ﴿ولتأت طائفة﴾ [النساء: ١٠٢] أو قريبي المخرج مثل ﴿خلقكم﴾ [لقمان: ٢٨] و﴿لقد جاءكم﴾ [البقرة: ٩٢] سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل ﴿أنبتت سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل ﴿قيل لهم﴾ [البقرة: ١١] و﴿لذهب بسمعهم﴾ [البقرة: ٢٠] ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو ﴿أحل لكم﴾
[البقرة: ١٨٧] و﴿مس سقر﴾ [القمر: ٤٨] أو منقوصاً مثل ﴿وما كنت ترجو﴾ [القصص: ٨٦] و﴿كنت تراباً﴾ [النبأ: ٤٠] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل ﴿البحر لتأكلوا﴾ [النحل: ١٤] و﴿الحمير لتركبوها﴾ [النحل: ٨] إلا في مواضع أربعة ﴿كاد تزيغ﴾ [التوبة: ١١٧] و﴿قال رب﴾ [المؤمنون: ٢٦] في كل القرآن و﴿الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤] و﴿بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١] أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿أفأنت تهدي﴾ [يونس: ٤٣] ﴿أفأنت تسمع﴾ [الزخرف: ٤٠] وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. " الصراط " بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن : حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد. " عليهم " : وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن : حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿أأنذرتهم أم﴾ [يس: ١٠].
الوقوف : العالمين ( لا ) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم ( لا ) لذلك. الدين ( ط ) للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين ( ط ) لابتداء الدعاء. المستقيم ( لا ) لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم ( لا ) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين ( ٥ ).
" إيا " ضمير منصوب منفصل ولا محل لكاف الخطاب نحو " أرأيتك " وهو مذهب الأخفش والمحققين وحكاية الخليل " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب " شاذ. والأصل نعبدك ونستعينك، فلما قدم الضمير المتصل للاختصاص صار منفصلاً. وقرئ إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء، قال طفيل :
فهياك والأمر الذي إن تراحبتموارده ضاقت عليك مصادره
فإن قيل : لم عدل عن الغيبة إلى الخطاب ؟ قلنا : هذا يسمى الالتفات في علم البيان وذلك على عادة افتنانهم في الكلام والتنقل من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع. وقد يختص مواقعه بفوائد وسننظم لك في سلك التقرير فائدته في هذا الموضع. والعبادة أقصى غاية الخضوع. طريق معبد أي مذلل، وثوب ذو عبدة في غاية الصفاقة وقوة النسج.
في فوائد قوله ﴿إياك نعبد﴾ :
الأولى : لا شك أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص أي لا نعبد أحداً سواك والحاكم فيه الذوق السليم. واستحقاق هذا الاختصاص لله تعالى ظاهر، لأن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم فلا تليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو الله تعالى. وذلك أن للعبد أحوالاً ثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل. أما الماضي فقد كان معدوماً فأوجده
﴿وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً﴾ [مريم: ٩] ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ [الأنعام: ١٢٢] ﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] وكان جاهلاً فعلمه ﴿أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً﴾ [النحل: ٧٨] ثم أسمعه وأبصره وأعقله ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ [الملك: ٢٣] فهو إله بهذه المعاني. وأما الحاضر فحاجاته كثيرة، ووجوه افتقاره غير محصورة من أول عمره إلى آخره مع انفتاح أبواب المعصية وانخلاع ربقة الطاعة، فهو رب رحمان رحيم من هذه الوجوه. وأما المستقبل فأموره المتعلقة بما بعد الموت وأنه مالك يوم الدين بهذه الحيثية، فلا مفزع للعبد في شيء من أحواله إلا إليه، فلا يستحق عبادة العبد إلا هو. وأيضاً ثبت بالدلائل القاطعة وجوب كونه تعالى عالماً قادراً جواداً غنياً حكيماً إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وأما كون غيره من الفلكيات والطبائع والنفوس كذلك فمشكوك فيه وإن كنا نجزم بأنه لا تأثير لها فوجب طرح المشكوك والأخذ باليقين، فلا معبود بالحق إلا الله سبحانه، وأيضاً العبودية ذلة ومهانة، فكلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية أهنأ وأمرأ. ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها وأولاها بالصفات العلى، فعبوديته أولى، وأيضاً كل ما سوى الواجب الغني ممكن فقير، والفقير مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه إفادة غيره. فدافع الحاجات هو الله فلا يستحق العبادة إلا هو
﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣].
الثانية : تقديم ذكر الله تعالى يورث الخشية والمهابة حتى لا يلتفت في العبادة يميناً وشمالاً بخلاف العكس. ( يحكى ) أن واحداً من المصارعين الأستاذين صارع بعض من هو دونه ولا يعرفه، فصرع الأستاذ مراراً فقيل له : فلان الأستاذ فانصرع في الحال وما ذاك إلا لاحتشامه بعد عرفانه. وأيضاً ذكره تعالى أوّلاً مما يورث العبد قوة يسهل بها عليه ثقل العبودية فوجب تقديمه، كما أن من أراد حمل ثقيل يقدم عليه دواء أو غذاء بعينه على ذلك، كما أن العاشق يسهل عليه جميع الآلام عند حضور معشوقه. وأيضاً ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف: ٢٠١] فالنفس إذا مسها طائف الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة طلع لها جلال الله من مشرق ﴿إياك نعبد﴾ فتصير مبصرة مستعدة لأداء حق العبودية. وأيضاً إن بدأ بالعبادة فض إبليس قلبه أن المعبود من هو فيلقي في نفسه وساوس، أما إذا غير هذا الترتيب وقال :﴿إياك نعبد﴾ كان بعيداً عن احتمال الشرك. وأيضاً الواجب لذاته متقدم في الوجود فيناسب أن يكون مقدماً في الذكر. وأيضاً المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة، ولهذا قيل لبني إسرائيل ﴿اذكروا نعمتي﴾ [البقرة: ٤٠] ولأمة محمد ﴿اذكروني﴾ [البقرة: ١٥٢] فذكر المعبود عندهم أولى من ذكر العبادة.
الثالثة : النون في قوله ﴿نعبد﴾ فيه وجوه من الحكمة منها : أنه تشريف من الله تعالى للعبد حيث لقنه لفظاً ينبئ عن التعظيم والتكريم كقوله حكاية عن نفسه ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ [يوسف: ٢] كأنه قال : لما أظهرت عبوديتي ولم تستنكف أن تكون عبداً ليّ جعلناك أمة ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠] ومنها أنه لو قال : إياك أعبد كان إخباراً عن كونه عبداً فقط، ولما قال :﴿إياك نعبد﴾ صار معناه إني واحد من عبيدك، ولا ريب أن الثاني أدخل في الأدب والتواضع. ومنها أن يكون تنبيهاً على أن الصلاة بالجماعة أولى قال ﷺ :" التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها " وههنا نكتة وهي أن الإنسان إذا أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة كيلا يتأذى منه جاره، وإذا كان ثواب الجماعة لا يفي بهذا القدر من الإيذاء فكيف يفي بما هو أكثر من ذلك إيذاء للمسلمين من الغيبة والتهمة والنميمة والسعاية وسائر أنواع الظلم ؟ ومنها أن يكون المراد أعبدك والملائكة معي والحاضرون بل جميع عبادك الصالحين. ومنها أن المؤمنين إخوة فكأن الله تعالى قال : لما أثنيت عليّ بقولك ﴿الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين﴾ ارتفعت منزلتك عندنا، فلا تقتصر على إصلاح حالك بل عليك بالسعي في إصلاح حال جميع إخوانك فقل :﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. ومنها أن العبد يقول : إلهي عبادتي مخلوطة بالتقصير وإني أخلطها بعبادة جميع العابدين، فلا يليق بكرمك أن تميز بين العبادات، ولا أن ترد الكل وفيها عبادة الأنبياء والأولياء بل الملائكة المقربين. وهذا كما أن الرجل إذا باع من غيره عشرة أعبد، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو يرد الكل وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة.
الرابعة : من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها وثقل عليه الاشتغال بغيرها لأن الكمال محبوب لذاته وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بخدمة مولاه، فإنه يستنير قلبه بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد ورد " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " وأيضاً التكاليف أمانة ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾ [الأحزاب: ٧٢] وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨] وأداء الأمانات من أحد الجانبين سبب لأدائها من الجانب الآخر. قال بعض الصحابة : أتى أعرابي باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا، فلما خرج لم يجد الناقة فقال : إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي ؟ قال الرواي : فزدنا تعجباً، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه. وقال ﷺ لابن عباس :" يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات ". وأيضاً الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور، وركون من الخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة. ( يحكى ) عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وهو في الصلاة فلم يشعر به. ووقعت الأكلة في بعض أعضاء عبد الله بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فقطع وهو في الصلاة ولم يشعر به. وعن رسول الله ﷺ أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزاً كأزيز المرجل. ومن استبعد فليقرأ قوله تعالى ﴿فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٣١] فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال الله وعظمته إذا تجلى على قلب الموحد العابد ؟ ! وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين ؟ ! واعلم أن العبادة لها ثلاث درجات، لأنه إما أن يعبد الله رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه، ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أشرف منها وأدوم، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين. وإما أن يعبد الله تشرفاً بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية. وإما أن يعبد الله لكونه إلهاً ولكونه عبداً له، والإلهية توجب العزة والهيبة، والعبودية تقتضي الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها الإشارة بقول المصلي : أصلي لله فإنه لو قال : أصلي لثواب الله أو هرباً من عقابه فسدت صلاته. ( يحكى ) أن عابداً في بني إسرائيل اعتزل وعبد الله تعالى سبعين سنة، فأرسل الله تعالى إليه ملكاً فقال : إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا تجاهد، فأجاب العابد بأن الذي عليّ هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما عليّ، فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود. فرجع الملك فقال الله : بم أجاب العابد ؟ فقال : أنت أعلم يا رب، إنه قال كذا وكذا. فقال الله تعالى : ارجع إليه وقل له : قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك. والتحقيق أن إثبات نسبة الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين. وفي العبادة انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين. قال عز من قائل ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩] ولأن العبودية أشرف المقامات. مدح الله تعالى نبيه في قوله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء: ١] وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال :﴿إني عبد الله﴾ [مريم: ٣٠] وكان عليّ يقول : كفاني فخراً أن أكون لك عبداً وكفاني شرفاً أن تكون لي رباً. اللهم إني وجدتك إلهاً كما أردت، فاجعلني عبداً كما أردت. ومنهم من قال : العبودية أشرف من الرسالة، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات، وبالرسالة يقبل على التصرفات، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون﴾ [النساء: ١٧٢].
التاسع : في فوائد قوله ﴿وإياك نستعين﴾.
الأولى : لا شك أن للعبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وإنما يحصل الرجحان بمرجح. ولو كان ذلك المرجح من عند العبد عاد التقسيم، فلابد أن ينتهي إلى الله تعالى. وأيضاً كل الخلائق يطلبون طريق الحق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب، ولا يفوز به إلا بعضهم، فليس ذلك إلا بإعانة الحق. وأيضاً قد يطلب الإنسان حاجة من غيره ويدافعه مدة مديدة ثم يقضي حاجته، فإلقاء تلك الداعية في القلب ليس إلا من الله، فثبت أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. وتظهر فائدة الاستعانة في أنه ربما جعل الله تعالى ذلك واسطة إلى نيل المطلوب كالشبع الحاصل عقيب أكل الطعام ونحوه، فيسقط اعتراض الجبري والقدري فافهم.
الثانية : لقائل أن يقول : الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع فيه لا بعده

تفسير هذه الآية من كتب أخرى