تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وَرَدهم بشر خيبة. وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان. ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول : لم ننصركم - يا معشر قريش - على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد، صلوات الله وسلامه عليه(١) خاتم الأنبياء.
وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب : قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود(٢) أن ذا نُوَاس - وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا - هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام - وكان نصرانيًا - فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة ؛ لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين : أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم(٣) في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران : أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر : إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر، استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخَلَفَ كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عَتَوْدَة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحًا، فداوى جرحه فَبَرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب(٤) إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته. فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيها من تراب اليمن، وجز ناصيته فأرسلها معه، ويقول في كتابه : ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه، ورضي عنه، وأقره على عمله. وأرسل أبرهة يقول للنجاشي : إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يُبْنَ قبلها مثلها. فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء. سمتها العرب القُلَّيس ؛ لارتفاعها ؛ لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها. وعزم أبرهة الأشرمُ على أن يصرف حَجّ العرب إليها كما يُحَج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلا، فأحدث فيها وكرّ راجعًا. فلما رأى السدنة ذلك الحدث، رفعوا أمرهم إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له : إنما صنع هذا بعض قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا.
وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه هواء شديد فأحرقته، وسقطت إلى الأرض.
فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عَرَمرم ؛ لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له : محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك. ويقال : كان معه أيضًا ثمانية أفيال. وقيل : اثنا عشر فيلا. وقيل غيره، والله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة، بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عُنُق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًا، ورأوا أن حقًا عليهم المحاجبة(٥) دون البيت، وَرَد من أراده بكيد. فخرج إليه رجل [ كان ](٦) من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له " ذو نَفْر " فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله، عز وجل، من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر " ذو نُفْر " فاستصحبه معه. ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم، عَرَض له نُفَيل بن حَبيب الخَشْعمي في قومه : شهران وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نُفَيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف، خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات. فأكرمهم وبعثوا معه " أبا رغَال " دليلا. فلما انتهى أبرهة إلى المُغَمْس - وهو قريب من مكة - نزل به وأغار جيشه على سَرْح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح(٧) مائتا بعير لعبد المطلب. وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له :" الأسود بن مفصود " فهجاه بعض العرب - فيما ذكره ابن إسحاق(٨) - وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تَصُدوه عن البيت. فجاء حناطة فَدُل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلى بينه وبينه، فوالله ما عندنا دَفْع عنه. فقال له حناطة : فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جميلا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه : قل له : حاجتك ؟ فقال للترجمان : إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه : قل له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زَهِدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه ؟ ! فقال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال : ما كان ليمتنع مني ! قال : أنت وذاك.
ويقال : إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رءوس الجبال، تخوفا عليهم من معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة :
قال ابن إسحاق : ثم أرسل عبد المطلب حَلْقة الباب، ثم خرجوا إلى رءوس الجبال(١٠).
وذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مُقَلَّدة، لعل بعض الجيش(١١) ينال منها شيئا بغير حق، فينتقم الله منه.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله - وكان اسمه محمودًا - وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال : ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام ". ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يَشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى. فضربوا في رأسه بالطْبرزين(١٢) وأدخلوا محاجن لهم في مَرَاقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان.
مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق هذا. ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول :
قال ابن إسحاق : وقال نُفَيل في ذلك أيضًا :
وذكر الواقدي بأسانيده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب [ فيها ](١٥) فإذا وجهوه إلى الحرم رَبَض وصاح. وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم. وطال الفصل في ذلك. هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة، منهم(١٦) المطعم بن عدي، وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، ومسعود [ بن عمرو ](١٧) الثقفي، على حراء ينظرون إلى ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل، وهو العجب العجاب. فبينما هم كذلك، إذ بعث الله عليهم طيرًا أبابيل، أي قطَعًا قِطَعًا صفرا دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاث أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.
وقال محمد بن كعب : جاءوا بفيلين : فأما محمود فَرَبض، وأما الآخر فَشَجُع(١٨) فحُصِب.
وقال وهب بن مُنَبِّه : كان معهم فيلة، فأما محمود - وهو فيل الملك - فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تَشَجَّع فحصب، فهربت بقية الفيلة.
وقال عطاء بن يَسَار، وغيره : ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة ؛ بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم.
قال ابن إسحاق : فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل(١٩) وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْمُلة أنْمُلة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن(٢٠) قلبه فيما يزعمون.
وذكر مقاتل بن سليمان : أن قريشًا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة.
وقال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عُتْبَة : أنه حدث(٢١) أن أول ما رئيت الحَصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئي به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل والعُشر، ذلك العام(٢٢).
وهكذا روي عن عكرمة، من طريق جيد.
قال ابن إسحاق : فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يَعُد به على قريش من نعْمتَه(٢٣) عليهم وفضله، ما رَدَّ عنهم من أمر الحبشة، لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال :{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ال
وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب : قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود(٢) أن ذا نُوَاس - وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا - هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام - وكان نصرانيًا - فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة ؛ لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين : أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم(٣) في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران : أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر : إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن ابرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر، استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخَلَفَ كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عَتَوْدَة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحًا، فداوى جرحه فَبَرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب(٤) إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته. فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيها من تراب اليمن، وجز ناصيته فأرسلها معه، ويقول في كتابه : ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه، ورضي عنه، وأقره على عمله. وأرسل أبرهة يقول للنجاشي : إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يُبْنَ قبلها مثلها. فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء. سمتها العرب القُلَّيس ؛ لارتفاعها ؛ لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها. وعزم أبرهة الأشرمُ على أن يصرف حَجّ العرب إليها كما يُحَج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلا، فأحدث فيها وكرّ راجعًا. فلما رأى السدنة ذلك الحدث، رفعوا أمرهم إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له : إنما صنع هذا بعض قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا.
وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه هواء شديد فأحرقته، وسقطت إلى الأرض.
فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عَرَمرم ؛ لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له : محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك. ويقال : كان معه أيضًا ثمانية أفيال. وقيل : اثنا عشر فيلا. وقيل غيره، والله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة، بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عُنُق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًا، ورأوا أن حقًا عليهم المحاجبة(٥) دون البيت، وَرَد من أراده بكيد. فخرج إليه رجل [ كان ](٦) من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له " ذو نَفْر " فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله، عز وجل، من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر " ذو نُفْر " فاستصحبه معه. ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم، عَرَض له نُفَيل بن حَبيب الخَشْعمي في قومه : شهران وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نُفَيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف، خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات. فأكرمهم وبعثوا معه " أبا رغَال " دليلا. فلما انتهى أبرهة إلى المُغَمْس - وهو قريب من مكة - نزل به وأغار جيشه على سَرْح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح(٧) مائتا بعير لعبد المطلب. وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له :" الأسود بن مفصود " فهجاه بعض العرب - فيما ذكره ابن إسحاق(٨) - وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تَصُدوه عن البيت. فجاء حناطة فَدُل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلى بينه وبينه، فوالله ما عندنا دَفْع عنه. فقال له حناطة : فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جميلا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه : قل له : حاجتك ؟ فقال للترجمان : إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه : قل له : لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زَهِدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه ؟ ! فقال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال : ما كان ليمتنع مني ! قال : أنت وذاك.
ويقال : إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رءوس الجبال، تخوفا عليهم من معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة :
| لاهُمَّ(٩) إنَّ المرء يم | نَعُ رَحْلَه فامْنع حِلالَك |
| لا يغلبنَّ صَلِيبُهم | ومحَالُهم غدوًا مِحَالك |
وذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مُقَلَّدة، لعل بعض الجيش(١١) ينال منها شيئا بغير حق، فينتقم الله منه.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله - وكان اسمه محمودًا - وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال : ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام ". ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يَشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى. فضربوا في رأسه بالطْبرزين(١٢) وأدخلوا محاجن لهم في مَرَاقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان.
مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق هذا. ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول :
| أينَ المَفَرُّ؟ والإلهُ الطَّالب(١٣) | والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب(١٤) |
| ألا حُييت عَنا يا رُدَينا | نَعمْناكُم مَعَ الأصبَاح عَينَا |
| رُدَينةُ لو رأيت - ولا تَرَيْه | لَدَى جَنْب المحصّب - ما رَأينَا |
| إذا لَعَذَرتني وَحَمَدت أمْري | وَلَم تأسى عَلَى مَا فات بَيْنَا |
| حَمِدتُ الله إذ أبصَرتُ طيرًا | وَخفْتُ حَجارة تُلقَى عَلَينا |
| فَكُلّ القوم يَسألُ عَن نُفَيل | كَأنَّ عليَ للحُبْشَان دَينَا ! |
وقال محمد بن كعب : جاءوا بفيلين : فأما محمود فَرَبض، وأما الآخر فَشَجُع(١٨) فحُصِب.
وقال وهب بن مُنَبِّه : كان معهم فيلة، فأما محمود - وهو فيل الملك - فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تَشَجَّع فحصب، فهربت بقية الفيلة.
وقال عطاء بن يَسَار، وغيره : ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة ؛ بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم.
قال ابن إسحاق : فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل(١٩) وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْمُلة أنْمُلة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن(٢٠) قلبه فيما يزعمون.
وذكر مقاتل بن سليمان : أن قريشًا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة.
وقال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عُتْبَة : أنه حدث(٢١) أن أول ما رئيت الحَصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئي به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل والعُشر، ذلك العام(٢٢).
وهكذا روي عن عكرمة، من طريق جيد.
قال ابن إسحاق : فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يَعُد به على قريش من نعْمتَه(٢٣) عليهم وفضله، ما رَدَّ عنهم من أمر الحبشة، لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال :{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ال
١ - (١) في أ: "صلى الله عليه وسلم"..
٢ - (٢) عند تفسير الآية: ٤ من سورة البروج..
٣ - (٣) في أ: "أبا بكشوم"..
٤ - (٤) في أ: "فأرسل"..
٥ - (١) في أ: "المحاجة"..
٦ -(٢) زيادة من م، أ..
٧ - (٣) في أ: "في السراح"..
٨ - (٤) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥١)..
٩ - (١) في أ: "اللهم"..
١٠ - (٢) انظر: السيرة النبوية لبن هشام (١/٥٢)..
١١ - (٣) في م، أ: "بعض الحبشة"..
١٢ - (٤) في أ: "بالطورين من الآلات"..
١٣ - (١) في م: "الغالب"..
١٤ - (٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٣) وتفسير الطبري (٣٠/١٩٦)..
١٥ - (٣) زيادة من م، أ..
١٦ - (٤) في م، أ: "فيهم"..
١٧ - (٥) زيادة من م، أ..
١٨ - (٦) في أ: "فخشع"..
١٩ - (٧) في م: "كل سهل"..
٢٠ - (٨) في أ: "من"..
٢١ - (١) في أ: "أنه حدثه"..
٢٢ - (٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٤)..
٢٣ - (٣) في أ: "من بعثه"..
٢ - (٢) عند تفسير الآية: ٤ من سورة البروج..
٣ - (٣) في أ: "أبا بكشوم"..
٤ - (٤) في أ: "فأرسل"..
٥ - (١) في أ: "المحاجة"..
٦ -(٢) زيادة من م، أ..
٧ - (٣) في أ: "في السراح"..
٨ - (٤) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥١)..
٩ - (١) في أ: "اللهم"..
١٠ - (٢) انظر: السيرة النبوية لبن هشام (١/٥٢)..
١١ - (٣) في م، أ: "بعض الحبشة"..
١٢ - (٤) في أ: "بالطورين من الآلات"..
١٣ - (١) في م: "الغالب"..
١٤ - (٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٣) وتفسير الطبري (٣٠/١٩٦)..
١٥ - (٣) زيادة من م، أ..
١٦ - (٤) في م، أ: "فيهم"..
١٧ - (٥) زيادة من م، أ..
١٨ - (٦) في أ: "فخشع"..
١٩ - (٧) في م: "كل سهل"..
٢٠ - (٨) في أ: "من"..
٢١ - (١) في أ: "أنه حدثه"..
٢٢ - (٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٥٤)..
٢٣ - (٣) في أ: "من بعثه"..