المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
ثم أخبر تعالى عما يأتي عليه قضاؤه وفعله فقال حكاية عن يوم القيامة ﴿وقدمنا﴾ أي قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، وقيل هو قدوم الملائكة أسنده إليه لأنه عن أمره، وحسنت لفظة ﴿قدمنا﴾ لأن القادم على شيء مكروه لم يقدره ولا أمر به مغير له مذهب، وأما قول الراجز :
وقدم الخوارج الضلال. . . إلى عباد ربنا فقالوا :
إن دماءكم لنا حلال. . . (١) فالقدوم فيه على بابه، ومعنى الآية وقصدنا إلى أعمالهم التي هي في الحقيقة لا تزن شيئاً إذ لا نية معها فجعلناها على ما تستحق لا تعد شيئاً وصيرناها ﴿هباء منثوراً﴾ أي شيئاً لا تحصيل له، والهباء هي الأجرام المستدقة الشائعة في الهواء التي لا يدركها حس إلا حين تدخل الشمس على مكان ضيق يحيط به الظل كالكوة أو نحوها، فيظهر حينئذ فيما قابل الشمس أشياء تغيب وتظهر فذلك هو الهباء، ووصفه في هذه الآية ب ﴿منثور﴾، ووصفه في غيرها ب «منبث »(٢)، فقالت فرقة هما سواء، وقالت فرقة المنبث أرق وأدق من المنثور لأن المنثور يقتضي أن غيره نثره كسنابك الخيل والريح أو هدم حائط أو كنس ونحو ذلك، والمنبث كأنه هو انبث من دقته، وقال ابن عباس(٣) الهباء المنثور، ما تسفي به الرياح وتبثه، وروي عنه أنه قال أيضاً الهباء الماء المهراق والأول أصح والعرب تقول أهبات الغبار والتراب ونحوه إذا بثثته وقال الشاعر { الحارث بن حلزة اليشكري ] :[ الخفيف ]
وترى خلفها من الربع والوق. . . ع منيناً كأنه أهباء(٤)
ومعنى هذه الآية جعلنا أعمالهم لا حكم لها ولا منزلة.
وقدم الخوارج الضلال. . . إلى عباد ربنا فقالوا :
إن دماءكم لنا حلال. . . (١) فالقدوم فيه على بابه، ومعنى الآية وقصدنا إلى أعمالهم التي هي في الحقيقة لا تزن شيئاً إذ لا نية معها فجعلناها على ما تستحق لا تعد شيئاً وصيرناها ﴿هباء منثوراً﴾ أي شيئاً لا تحصيل له، والهباء هي الأجرام المستدقة الشائعة في الهواء التي لا يدركها حس إلا حين تدخل الشمس على مكان ضيق يحيط به الظل كالكوة أو نحوها، فيظهر حينئذ فيما قابل الشمس أشياء تغيب وتظهر فذلك هو الهباء، ووصفه في هذه الآية ب ﴿منثور﴾، ووصفه في غيرها ب «منبث »(٢)، فقالت فرقة هما سواء، وقالت فرقة المنبث أرق وأدق من المنثور لأن المنثور يقتضي أن غيره نثره كسنابك الخيل والريح أو هدم حائط أو كنس ونحو ذلك، والمنبث كأنه هو انبث من دقته، وقال ابن عباس(٣) الهباء المنثور، ما تسفي به الرياح وتبثه، وروي عنه أنه قال أيضاً الهباء الماء المهراق والأول أصح والعرب تقول أهبات الغبار والتراب ونحوه إذا بثثته وقال الشاعر { الحارث بن حلزة اليشكري ] :[ الخفيف ]
وترى خلفها من الربع والوق. . . ع منيناً كأنه أهباء(٤)
ومعنى هذه الآية جعلنا أعمالهم لا حكم لها ولا منزلة.
١ استشهد أبو عبيدة بهذا الرجز في (مجاز القرآن) وابن عطية يرى أن القدوم في الرجز على بابه، أما في الآية فإن القدوم يقصد معه التغيير لشيء مكروه..
٢ وذلك في الآية رقم (٦) من سورة الواقعة، حيث يقول تبارك وتعالى عن الجبال: ﴿فكانت هباء منبثا﴾..
٣ هو ابن عباس رضي الله عنهما..
٤ البيت للحارث بن حلزة، وهو من معلقته التي ألقاها في مجلس عمرو بن هند، وبدأها بقوله:
آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
والبيت في وصف ناقته التي آنست صوتا وأفزعها القناص وقد دنا الإمساء كما يقول في البيت السابق، والرجع: رجع قوائمها، والوقع: وقع خفافها، والمنين: الغبار الدقيق، والأهباء: الغبار المتفرق، يقول: لقد هربت، وجعلت تعدو بسرعة مثيرة خلفها الغبار الرقيق المتفرق. هذا – وكلمة (هباء) ليست من ذوات الهمز، وإنما همزت لالتقاء الساكنين، ولهذا يقال في التصغير: هبي في موضع الرفع، والواحد هباة، والجمع أهباء، ويؤيد هذا بيت الحارث المذكور..
٢ وذلك في الآية رقم (٦) من سورة الواقعة، حيث يقول تبارك وتعالى عن الجبال: ﴿فكانت هباء منبثا﴾..
٣ هو ابن عباس رضي الله عنهما..
٤ البيت للحارث بن حلزة، وهو من معلقته التي ألقاها في مجلس عمرو بن هند، وبدأها بقوله:
آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
والبيت في وصف ناقته التي آنست صوتا وأفزعها القناص وقد دنا الإمساء كما يقول في البيت السابق، والرجع: رجع قوائمها، والوقع: وقع خفافها، والمنين: الغبار الدقيق، والأهباء: الغبار المتفرق، يقول: لقد هربت، وجعلت تعدو بسرعة مثيرة خلفها الغبار الرقيق المتفرق. هذا – وكلمة (هباء) ليست من ذوات الهمز، وإنما همزت لالتقاء الساكنين، ولهذا يقال في التصغير: هبي في موضع الرفع، والواحد هباة، والجمع أهباء، ويؤيد هذا بيت الحارث المذكور..