الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
فإن قلت : في الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله :﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ كأنه قال : وقدّر كل شيء فقدّره ؟ قلت : المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعي فيه التقدير والتسوية، فقدّره وهيأه لما يصلح له، مثاله : أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدّر المسوّى الذي تراه، فقدّره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدّرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدّره لأمر مّا ومصلحة مطابقاً لما قدر له غير متجاف عنه، أو سمي إحداث الله خلقاً لأنه لا يحدث شيئاً لحكمته إلاّ على وجه التقدير من غير تفاوت، فإذا قيل : خلق الله كذا فهو بمنزلة قولك : أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدّره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً. وقيل : فجعل له غاية ومنتهى. ومعناه : فقدّره للبقاء إلى أمد معلوم.