اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ(١) عَلَيْهِ القرآن﴾ الآية.
هذه شبهة خامسة(٢) لمنكري النبوة ؛ فإن أهل مكة قالوا : تزعم أنك رسول من عند الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة ( واحدة ) (٣)، كما أتي موسى بالتوراة جملة، وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور(٤). قال ابن جريج : من أوله إلى آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة(٥). و «جملة » حال من «القرآن » ؛ إذ هي في معنى مجتمعاً(٦).
قوله :«كذلك » الكاف إما مرفوعة المحل، أي : الأمر كذلك(٧)، و «لِنُثَبِّتَ » علة لمحذوف(٨)، أي : لنثبت فعلنا ذلك. وإما منصوبته(٩) على الحال، أي : أنزل مثل ذلك، أو على النعت لمصدر محذوف، و «لنثبت » متعلقة بذلك الفعل المحذوف(١٠) وقال أبو حاتم : هي جواب قسم(١١). وهذا قول مرجوح نحا إليه الأخفش(١٢)، وجعل منه «ولتصغى »(١٣)، وقد تقدم في الأنعام. وقرأ عبد الله «ليثبت » بالياء(١٤) أي الله تعالى.

فصل


هذا جواب عن شبهتهم، وبيانه من وجوه :
أحدها : أنه - عليه السلام - لم يكن من أهل الكتابة والقراءة(١٥)، فلو نزل ذلك عليه جملة واحدة كان(١٦) لا يضبطه وجاز عليه فيه الخطأ والغلط.
وثانيها : أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ، فالله(١٧) تعالى ما أعطاه الكتاب جملة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة، ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهمة وقلة التحصيل.
وثالثها : أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك فلما(١٨) نزل مفرقاً منجماً نزلت التكاليف قليلاً قليلاً، فكان تحملها أسهل.
ورابعها : أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال الأذى وعلى التكاليف الشاقة.
وخامسها : أنه لما تم(١٩) شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً ؛ فإنه لو كان ذلك مقدوراً للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً، ولما عجزوا عن معارضة نجومه المفرقة، فعن معارضة الكل أولى.
وسادسها : كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم ووقائعهم، فكانوا يزدادون بصيرة، وكان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب.
وسابعها : أن السفارة بين الله وبين أنبيائه، وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال : إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على جبريل - عليه السلام - فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه، فلذلك جعلة الله تعالى منجماً (٢٠).

فصل(٢١)


قوله :«كذلك » يحتمل أن يكون من تمام(٢٢) كلام المشركين، أي : جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل. ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم، أي : كذلك أنزلناه، مفرقا(٢٣)ً. فإن قيل :«كذلك » إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدمه هو إنزالة جملة، ( فكيف فسره ب «كَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ »(٢٤) ) مفرقاً ؟
فالجواب : أن الإشارة ( إلى الإنزال مفرقاً لا إلى جملة(٢٥). قوله :«ورتلناه ترتيلاً » الترتيل : التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت ) (٢٦) يسير دون قطع النفس، ومنه ثغر(٢٧) رَتِلٌ ومُرتل، أي : مفلج الأسنان بين أسنانه فرج يسيرة(٢٨). قال الزمخشري : و " نزّل " هنا بمعنى " أنزل " لا غير كخبّر بمعنى أخبر وإلا تدافعا(٢٩). يعني أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك، لتدافع(٣٠) مع قوله «جُمْلَةً » لأن الجملة تنافي التفريق، وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على التفريق، وقد نص على كذلك في مواضع من الكشاف في سورة البقرة(٣١)، وأول(٣٢) آل عمران(٣٣)، وآخر الإسراء(٣٤)، وحكى هناك عن ابن عباس ما يقوي ظاهره صحة قوله(٣٥).

فصل


«وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً » قال ابن عباس : بيناه بياناً(٣٦). والترتيل التبيين(٣٧) في ترسل(٣٨) وتثبيت(٣٩). وقال السديّ : فصلناه تفصيلا(٤٠). وقال مجاهد : بعضه(٤١) في أثر بعض(٤٢). وقال النخعي والحسن(٤٣) وقتادة : فرقناه تفريقاً آية بعد آية(٤٤).
١ في الأصل: أنزل. وهو تحريف..
٢ خامسة: سقط من ب..
٣ واحدة: سقط من الأصل..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٨ – ٧٩..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٩..
٦ انظر التبيان ٢/٩٨٥..
٧ انظر الكشاف ٣/٩٧، البحر المحيط ٦/٤٩٦..
٨ في ب: بمحذوف..
٩ في ب: منصوبة..
١٠ انظر التبيان ٢/٩٨٥..
١١ أي: اللام في "لنثبت"، والتقدير: والله ليثبتن، فحذفت النون وكسرت اللام. انظر البحر المحيط ٦/٤٩٧..
١٢ قال الأخفش: ("ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة" أي: ولتصغين) معاني القرآن ٢/ ٥٥٨. [الأنعام: ١١٣]..
١٣ من قوله تعالى: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [الأنعام: ١١٣]..
١٤ المختصر (١٠٤)، تفسير ابن عطية ١١/٣٧، البحر المحيط ٦/٤٩٧..
١٥ في ب: القراءة والكتابة..
١٦ في ب: فإنه..
١٧ في ب: والله..
١٨ في ب: فيما..
١٩ تم: تكملة من الفخر الرازي..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٩..
٢١ في الأصل: قوله. وهو تحريف..
٢٢ تمام: سقط من ب..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٩..
٢٤ ما بين القوسين سقط من الأصل، وعلى هامشه: لعله: لا اتزالة..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٩..
٢٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٧ الثغر: الفم. وقيل: هو اسم الأسنان كلها ما دامت في منابتها قبل أن تسقط، وقيل: هي الأسنان كلها، كن في منابتها أو لم تكن، اللسان (ثغر)..
٢٨ انظر اللسان (رتل)..
٢٩ في الكشاف: وإلا كان متدافعا. الكشاف ٣/٩٦..
٣٠ في ب: التدافع..
٣١ عند قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]. قال الزمخشري: (فإن قلت: لم قيل "مما نزلنا" على لفظ التنزيل؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من مجازه لمكان التحدي) الكشاف ١/٤٧..
٣٢ في ب: وأول سورة..
٣٣ عند قوله تعالى: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والأنجيل﴾ [آل عمران: ٣] قال الزمخشري: (فإن قلت: لم قيل: نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت: لأن القرآن نزل منجما ونزل الكتابان جملة) الكشاف ١/١٧٤..
٣٤ عند قوله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. قال الزمخشري: (وقرأ أبي "فرقناه" بالتشديد، أي: جعلنا نزوله مفرقا منجما... "ونزلناه تنزيلا" على حسب الحوادث) الكشاف ٢/١٣٨..
٣٥ قال الزمخشري عند قوله "وقرآنا فرقناه... الآية" [الإسراء: ١٠٦] (وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قرأه مشددا (أي: فرقناه)، وقال: لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة) الكشاف ٢/٣٧٨..
٣٦ انظر البغوي ٦/١٧٦..
٣٧ في ب: التبيان..
٣٨ في ب: ترتل..
٣٩ اللسان (رتل)..
٤٠ انظر البغوي ٦/١٧٦..
٤١ في ب: بعض..
٤٢ انظر البغوي ٦/١٧٦..
٤٣ في ب: الحسن والنخعي..
٤٤ انظر البغوي ٦/١٧٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى