مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي قريش أو اليهود ﴿لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً﴾ حال من القرآن أي مجتمعاً ﴿واحدة﴾ يعني هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة، وماله أنزل على التفاريق ؟ وهو فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، لأن أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو متفرقاً. و ﴿نزّل﴾ هنا بمعنى " أنزل " وإلا لكان متدافعاً بدليل ﴿جملة واحدة﴾ وهذا اعتراض فاسد لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور فأبرزوا صفحة عجزهم حتى لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة وبذلوا المهج وما مالوا إلى الحجج ﴿كذلك﴾ جواب لهم أي كذلك أنزل مفرقاً في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين و«ذلك » في ﴿كذلك﴾ إشارة إلى مدلول قوله ﴿لولا نزل عليه القرآن جملة﴾ لأن معناه لم أنزل عليك القرآن مفرقاً فأعلم أن ذلك ﴿لِنُثَبّتَ بِهِ﴾ بتفريقه ﴿فُؤَادَكَ﴾ حتى تعيه وتحفظه، لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً بعد شيء وجزءا عقيب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه، أو لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول وتتابع الرسول لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ معطوف على الفعل الذي تعلق به ﴿كذلك﴾ كأنه قال : كذلك فرقناه ورتلناه أي قدرناه آية بعد آية ووقفة بعد وقفة، أو أمرنا بترتيل قراءته وذلك قوله تعالى :﴿وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: ٤] أي اقرأه بترسل وتثبت أو بيناه تبييناً، والترتيل التبيين في ترسل وتثبت.