الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ﴾ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان إلاّ أتيناك نحن بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى، ومأدّى من سؤالهم.
ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدلّ عليه الكلام، وضع موضع معناه فقالوا : تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل : معناه كذا وكذا. أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون : هلا كانت هذه صفتك وحالك، نحو : أن يقرن بك ملك ينذر معك، أو يلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة، إلاّ أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه، وما هو أحسن تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته، يعني : أن تنزيله مفرقاً وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كما نزل شيء منها : أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ويقال لهم جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، كأنه قيل لهم : إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم، لعلمتم أن مكانكم شرّ من مكانه وسبيلكم أضلّ من سبيله. وفي طريقته قوله :﴿قل هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠]. ويجوز أن يراد بالمكان : الشرف والمنزلة، وأن يراد الدار والمسكن، كقوله :﴿أَيُُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: ٧٣] ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي. وعن النبي ﷺ :« يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على ثلاثِة أثلاثٍ : ثلثٌ على الدوابِ وثلثٌ على وجوههِم، وثلثٌ على أقدامِهِم ينسلونَ نسلاً ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى