المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم عقب تعالى ذكر هذه الصفات التي هي للألوهية بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لهم هذه الصفات، فالعقل يعطي أنهم ليسوا بآلهة وقوله، ﴿وهم يخلقون﴾، يحتمل أن يريد يخلقهم الله بالاختراع والإيجاد، ويحتمل أن يريد يخلقهم البشر بالنحت والنجارة وهذا التأويل أشد إبداء لخساسة الأصنام، وخلق البشر تجوز ولكن العرب تستعمله(١) ومنه قول زهير :
ولأنت تفري ما خلقت وبع. . . ض القوم يخلق ثم لا يفري(٢)
وهذا من قولهم خلقت الجلد إذا عملت فيه رسوماً يقطع عليها والفري هو أن يقطع على ترك الرسوم، وقوله، ﴿موتاً ولا حياة﴾ يريد إماتة ولا إحياء، و «النشور » بعث الناس من القبور.
١ هكذا في الأصول، ونعتقد أن الصواب: "وخلق البشر لا يجوز، ولكن العرب تستعمله" حتى لا يكون تناقض في الكلام، ومع ذلك ففي اللسان أن الخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه، وفيه أيضا: الخلق بمعنى التقدير، يقال: خلق الأديم يخلقه خلقا: قدره قبل القطع وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا- فقد ينسب الخلق إلى البشر بهذا المعنى، وعليه جاء قول زهير..
٢ خلق هنا بمعنى: قدر الأمر، من قولهم: خلق الأديم يخلقه بمعنى: قدره وقاسه قبل القطع ليقطع منه ما يريد من مصنوعات كالقربة أو الخف أو المزادة، وأما الفري فهو التقطيع نفسه، يقال: فريت الشيء أفريه فريا: شققته وقطعته- على جهة الإصلاح- وأفريته: قطعته على جهة الإفساد، والمراد هنا الإصلاح، ومعنى البيت: أنت تنفذ ما تعزم عليه وتقدره. قال في (اللسان- فرا): وهو مثل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى