مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين : أحدهما : ما يتعلق بالنبات والثاني : ما يتعلق بالحيوان، أما أمر النبات فقوله :﴿لنحيي به بلدة ميتا﴾ وفيه سؤالات :
السؤال الأول : لم قال ﴿لنحيي به بلدة﴾ ميتا ولم يقل ميتة ؟ الجواب : لأن البلدة في معنى البلد في قوله :﴿فسقناه إلى بلد ميت﴾.
السؤال الثاني : ما المراد من حياة البلد وموتها ؟ الجواب : الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتا، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها.
السؤال الثالث : أن جماعة الطبائعيين(١) وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى :﴿لنحيي به بلدة ميتا﴾ فإن الباء في ( به ) تقتضي أن للماء تأثيرا في ذلك. الجواب : الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع. وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه :﴿ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا﴾ وفيه سؤالات :
السؤال الأول : لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء ؟ الجواب : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم.
السؤال الثاني : ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهما بالكثرة ؟ الجواب : معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار ومنافع المياه فهم في غنية في شرب المياه عن المطر، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله :﴿لنحيي به بلدة ميتا﴾ يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في كثير أن يرجع إلى قوله :﴿ونسقيه﴾ لأن الحي يحتاج إلى الماء حالا بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب، والحيوان يحتاج إليه حالا بعد حال ما دام حيا.
السؤال الثالث : لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب : لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضا بسقياهم وأيضا فقوله تعالى :﴿ولقد صرفناه بينهم﴾ يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيرا منه.
السؤال الرابع : ما الأناسي ؟ الجواب : قال الفراء والزجاج : الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفردا ويراد به الكثرة كقوله :﴿وقرونا بين ذلك كثيرا﴾ ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾.
واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران : أحدهما : أن الماء مطهر والثاني : أن غير الماء هل هو مطهر أم لا ؟ النظر الأول : أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره، إلا الماء المستعمل فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فههنا مسائل :
المسألة الأولى : في بيان أنه ليس بمطهر، ودليلنا قوله عليه السلام :«لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب » ولو بقي الماء كما كان طاهرا مطهرا لما كان للمنع منه معنى، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضئون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهرا لحملوه ليوم الحاجة، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس. أما الآية فمن وجهين : الأول : قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ وقوله :﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء، والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملا، وأيضا قوله :﴿طهورا﴾ يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى. والثاني : أنه أمر بالغسل مطلقا في قوله :﴿فاغسلوا﴾ واستعمال كل المائعات غسل، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو، قال الشاعر :
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل، فوجب أن يكون مجزئا له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة : فما روي أنه عليه السلام «توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده » وعنه عليه السلام :«أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه » وعن ابن عباس أنه عليه السلام :«اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة » وأما القياس : فإنه ماء طاهر لقى جسدا طاهرا فأشبه ما إذا لقى حجارة أو حديدا، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظف، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع، ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملا في أعلى الوجه.
المسألة الثانية : الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ ومن السنة أنه عليه السلام : أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه، وقال :«خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه » وقال الشافعي : إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس، ولأنه ماء طاهر لقي جسما طاهرا فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
المسألة الثالثة : الماء المستعمل إما أن يكون مستعملا في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملا فيما كان فرضا وعبادة، أو فيما كان فرضا ولا يكون عبادة، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضا، أو فيما لا يكون فرضا ولا عبادة.
أما القسم الأول : وهو المستعمل فيما كان فرضا وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي.
وأما القسم الثاني : فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم، أي في غسل حيضها ليحل للزوج غشيانها. وأما القسم الثالث : فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة، والماء المستعمل في تجديد الوضوء، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان. وأما القسم الرابع : فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة، وفي التبرد والتنظف، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل، وهو طاهر مطهر، أما الماء المستعمل في غسل الثياب، فإذا غسل ثوبا من نجاسة وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثا، فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح. القسم الثاني : الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر قضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلا به أو يكون متصلا به. أما الذي لا يكون متصلا به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة فصار الماء منتنا بسببها فهو أيضا مطهر، وأما إذا تغير بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهرا أو نجسا. القسم الأول : إذا كان طاهرا فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه، فإن لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا أيضا مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة، ولأن الطهورية ثبتت بقوله :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ والأصل في الثابت بقاؤه، وأما المتغير بسبب شيء يخالطه، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن، أما الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب الذي يتولد فيه، وهذا أيضا مطهر، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ذلك عسير، فيكون مرفوعا لقوله :﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغني الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلا، بحيث لا يضاف الماء إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلا، أو دقيق فابيض قليلا، جاز الوضوء به على الصحيح من المذهب، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء، وأما إن كان التغير كثيرا فإن استحدث اسما جديدا كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق، وإن لم يستحدث اسما جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به، وعند أبي حنيفة يجوز.
حجة الشافعي من وجوه. أحدها : أنه عليه السلام توضأ ثم قال :«هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به » فذلك الوضوء إن كان واقعا بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب. وثانيها : أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء، وإذا كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائما، والشك لا يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث، بخلاف ما إذا كان قليلا لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم، أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه. وثالثها : أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه، فإنه لو توضأ بماء الورد لا يصح وضوؤه، ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه. وما لا يعقل معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس.
حجة أبي حنيفة وجوه. أحدها : قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ دلت الآية على كون الماء مطهرا والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة. وثانيها : قوله تعالى :﴿فاغسلوا﴾ أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم. وثالثها : قوله تعالى :﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير، والموصوف موجود حال وجود الصفة، فوجب أن لا يجوز له التيمم. ورابعها : قوله عليه السلام في البحر :«هو الطهور ماؤه » ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره، لأن النبي ﷺ أطلق ذلك. وخامسها : أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما. وسادسها : لا خلاف في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيرا إلى السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلا في جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء. القسم الثاني : إذا كان المخالط للماء شيئا نجسا فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود، وإليه م
السؤال الأول : لم قال ﴿لنحيي به بلدة﴾ ميتا ولم يقل ميتة ؟ الجواب : لأن البلدة في معنى البلد في قوله :﴿فسقناه إلى بلد ميت﴾.
السؤال الثاني : ما المراد من حياة البلد وموتها ؟ الجواب : الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتا، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها.
السؤال الثالث : أن جماعة الطبائعيين(١) وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى :﴿لنحيي به بلدة ميتا﴾ فإن الباء في ( به ) تقتضي أن للماء تأثيرا في ذلك. الجواب : الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع. وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه :﴿ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا﴾ وفيه سؤالات :
السؤال الأول : لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء ؟ الجواب : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم.
السؤال الثاني : ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهما بالكثرة ؟ الجواب : معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار ومنافع المياه فهم في غنية في شرب المياه عن المطر، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله :﴿لنحيي به بلدة ميتا﴾ يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في كثير أن يرجع إلى قوله :﴿ونسقيه﴾ لأن الحي يحتاج إلى الماء حالا بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب، والحيوان يحتاج إليه حالا بعد حال ما دام حيا.
السؤال الثالث : لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب : لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضا بسقياهم وأيضا فقوله تعالى :﴿ولقد صرفناه بينهم﴾ يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيرا منه.
السؤال الرابع : ما الأناسي ؟ الجواب : قال الفراء والزجاج : الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفردا ويراد به الكثرة كقوله :﴿وقرونا بين ذلك كثيرا﴾ ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾.
واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران : أحدهما : أن الماء مطهر والثاني : أن غير الماء هل هو مطهر أم لا ؟ النظر الأول : أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره، إلا الماء المستعمل فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فههنا مسائل :
المسألة الأولى : في بيان أنه ليس بمطهر، ودليلنا قوله عليه السلام :«لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب » ولو بقي الماء كما كان طاهرا مطهرا لما كان للمنع منه معنى، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضئون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو كان ذلك الماء مطهرا لحملوه ليوم الحاجة، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس. أما الآية فمن وجهين : الأول : قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ وقوله :﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء، والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملا، وأيضا قوله :﴿طهورا﴾ يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى. والثاني : أنه أمر بالغسل مطلقا في قوله :﴿فاغسلوا﴾ واستعمال كل المائعات غسل، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو، قال الشاعر :
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل، فوجب أن يكون مجزئا له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة : فما روي أنه عليه السلام «توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده » وعنه عليه السلام :«أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه » وعن ابن عباس أنه عليه السلام :«اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة » وأما القياس : فإنه ماء طاهر لقى جسدا طاهرا فأشبه ما إذا لقى حجارة أو حديدا، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظف، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع، ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملا في أعلى الوجه.
المسألة الثانية : الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ ومن السنة أنه عليه السلام : أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه، وقال :«خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه » وقال الشافعي : إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس، ولأنه ماء طاهر لقي جسما طاهرا فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
المسألة الثالثة : الماء المستعمل إما أن يكون مستعملا في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملا فيما كان فرضا وعبادة، أو فيما كان فرضا ولا يكون عبادة، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضا، أو فيما لا يكون فرضا ولا عبادة.
أما القسم الأول : وهو المستعمل فيما كان فرضا وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي.
وأما القسم الثاني : فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم، أي في غسل حيضها ليحل للزوج غشيانها. وأما القسم الثالث : فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة، والماء المستعمل في تجديد الوضوء، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان. وأما القسم الرابع : فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة، وفي التبرد والتنظف، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل، وهو طاهر مطهر، أما الماء المستعمل في غسل الثياب، فإذا غسل ثوبا من نجاسة وطهر بغسلة واحدة، يستحب أن يغسله ثلاثا، فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح. القسم الثاني : الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر قضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلا به أو يكون متصلا به. أما الذي لا يكون متصلا به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة فصار الماء منتنا بسببها فهو أيضا مطهر، وأما إذا تغير بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهرا أو نجسا. القسم الأول : إذا كان طاهرا فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه، فإن لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا أيضا مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة، ولأن الطهورية ثبتت بقوله :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ والأصل في الثابت بقاؤه، وأما المتغير بسبب شيء يخالطه، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن، أما الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب الذي يتولد فيه، وهذا أيضا مطهر، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ذلك عسير، فيكون مرفوعا لقوله :﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغني الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلا، بحيث لا يضاف الماء إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلا، أو دقيق فابيض قليلا، جاز الوضوء به على الصحيح من المذهب، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء، وأما إن كان التغير كثيرا فإن استحدث اسما جديدا كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق، وإن لم يستحدث اسما جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به، وعند أبي حنيفة يجوز.
حجة الشافعي من وجوه. أحدها : أنه عليه السلام توضأ ثم قال :«هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به » فذلك الوضوء إن كان واقعا بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب. وثانيها : أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء، وإذا كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائما، والشك لا يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث، بخلاف ما إذا كان قليلا لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم، أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه. وثالثها : أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه، فإنه لو توضأ بماء الورد لا يصح وضوؤه، ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه. وما لا يعقل معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس.
حجة أبي حنيفة وجوه. أحدها : قوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ دلت الآية على كون الماء مطهرا والأصل في الثابت بقاؤه، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة. وثانيها : قوله تعالى :﴿فاغسلوا﴾ أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم. وثالثها : قوله تعالى :﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير، والموصوف موجود حال وجود الصفة، فوجب أن لا يجوز له التيمم. ورابعها : قوله عليه السلام في البحر :«هو الطهور ماؤه » ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره، لأن النبي ﷺ أطلق ذلك. وخامسها : أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما. وسادسها : لا خلاف في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيرا إلى السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلا في جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء. القسم الثاني : إذا كان المخالط للماء شيئا نجسا فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة سواء كان قليلا أو كثيرا وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود، وإليه م
١ هكذا في الأصل وهو مخالف للقياس فإن النسبة لا تكون إلا للمفرد فالأولى أن يقول (جماعة الطبيعيين) نسبة للطبيعة، وقد خطأ العلماء ذلك أيضا فقالوا: الصواب النسبة للطبع وللطبيعة. وحينئذ يكون الصواب أن يقال (جماعة الطبيعيين) وقد سبق المصنف إلى هذا أبو عثمان بن جنى إمام أهل العربية فسمى كتابه بالتصريف الملوكي خروجا على القياس المقتضى كون التسمية التصريف المكلي فلعله من خطأ النساخ..