بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾ هل استفهام، واستفهم الله تعالى نبيه ﷺ، ولم يكن أتاه بعد، فكأنه قال : لا يأتيك خبره، ثم أخبره. ويقال : معناه : قد أتاك حديث الغاشية، والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشى الخلق كلهم. كما يقال :﴿يوماً كان شره مستطيراً﴾ [الإنسان: ٧]، ويقال : الغاشية النار، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشي وجوه الكفار. كما قال :﴿وتغشى وجوههم النار﴾ [إبراهيم: ٥] أو كقوله :﴿يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] ويقال : الغاشية دخان النار، يخرج من النار يوم القيامة، عنق من النار، فيحيط بالكفار مثل السرادق، ويجيء دخانها، فيغشى الخلائق، حتى لا يرى بعضهم بعضاً، إلا من جعل الله تعالى له نوراً، بصالح عمله في الدنيا كقوله :﴿كالقصر كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] وكقوله :﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ويقال : تغشى الغاشية الصراط المنافقين. كقوله :﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَاءَكُمْ فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وظاهره مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ [الحديد: ١٣] الآية.