تفسير القشيري — القشيري

عن الكتاب
سورة الغاشية
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ».
«بِسْمِ اللَّهِ» : كلمة من سمعها وفي قلبه عرفانه تلألأت أنوار قلبه، وتفرّقت أنواع كربه، وتضاعفت في جماله طوارق حبّه، وتحيّرت في جلاله شوارق لبّه.
كلمة من عرفها- وفي قلبه إيمانه- أحبّها من داخل الفؤاد، وهجر- فى طلبها- الرّقاد، وترك- لأجلها- كلّ همّ ومراد.
قوله جل ذكره:

[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ١٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢)
«الْغاشِيَةِ» المجلّلة، يريد بها القيامة تغشى الخلق، تغشى وجوه الكفّار.
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً» وجوه- إذا جاءت القيامة- خاشعة أي ذليلة. عاملة ناصبة: النّصب التعب.
جاء في التفسير: أنهم يجرّون على وجوههم.
«تَصْلى ناراً حامِيَةً» تلزم نارا شديدة الحرّ.
ويقال: «عامِلَةٌ» فى الدنيا بالمعاصي، «ناصِبَةٌ» فى الآخرة بالعذاب.
ويقال: «ناصِبَةٌ» فى الدنيا «عامِلَةٌ» لكن من غير إخلاص كعمل الرهبان «١»، وفي معناه عمل أهل النفاق.
(١) روى الضحاك عن ابن عباس قوله: «هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله عز وجل، وعلى الكفر، مثل عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله- جل ثناؤه- منهم إلا ما كان خالصا».
«تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ» تناهى حرّها.
َيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ»
نبت ينمو بالحجاز له شوك، وهو سمّ لا تأكله الدواب، فإذا أكلوا ذلك في النار يغصّون، فيسقون الزقّوم.
وإن اتصاف الأبدان- اليوم- بصورة الطاعات مع فقد الأرواح وجدان المكاشفات (وفقد) «١» الأسرار أنوار المشاهدات، (وفقد) القلب الإخلاص والصدق في الاعتقادات لا يجدى خيرا، ولا ينفع شيئا- وإنما هي كما قال: «عامِلَةٌ ناصِبَةٌ» قوله جل ذكره: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ» أي: متنعّمة، ذات نعمة ونضارة.
«لِسَعْيِها راضِيَةٌ» حين وجدت الثواب على سعيها، والقبول لها.
«فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ» عالية في درجتها ومنزلتها وشرفها. هم بأبدانهم في درجاتهم، ولكن بأرواحهم مع الله فى عزيز مناجاتهم.
«لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً» لأنهم يسمعون بالله فليس فيها كلمة لغو.
قوم يسمعون بالله، وقوم يسمعون لله، وقوم يسمعون من الله، وفي الخبر: «كنت له سمعا وبصرا فبى يسمع وبى يبصر «٢».
(١) ما بين القوسين إضافة من جانبنا كى يكون السياق أكثر وضوحا. [.....]
(٢) «ما يزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت عينه التي يبعسر بها، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها» أورده السراج في لمعه ص ٨٨. وهو حديث قدسى رواه البخاري عن أبى هريرة وأحمد عن عائشة، والطبراني في الكبير عن أبى أمامة، وابن السنى عن ميمون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى