مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم في سلسلة وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل، وقوله :﴿ذرعها﴾ معنى الذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد، يقال : ذرع الثوب يذرعه ذرعا إذا قدره بذراعه، وقوله :﴿سبعون ذراعا﴾ فيه قولان :( أحدهما ) أنه ليس الغرض التقدير بهذا المقدار بل الوصف بالطول، كما قال :﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ يريد مرات كثيرة ( والثاني ) أنه مقدر بهذا المقدار ثم قالوا : كل ذراع سبعون باعا وكل باع أبعد مما بين مكة والكوفة، وقال الحسن : الله أعلم بأي ذراع هو، وقوله :﴿فاسلكوه﴾ قال المبرد : يقال سلكه في الطريق، وفي القيد وغير ذلك وأسلكته معناه أدخلته ولغة القرآن سلكته قال الله تعالى :﴿ما سلككم في سقر﴾ وقال :﴿سلكناه في قلوب المجرمين﴾ قال ابن عباس : تدخل السلسلة من دبره وتخرج من حلقه، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه، وقال الكلبي : كما يسلك الخيط في اللؤلؤ ثم يجعل في عنقه سائرها، وهاهنا سؤالات :
السؤال الأول : ما الفائدة في تطويل هذه السلسلة ؟ ( الجواب ) قال سويد بن أبي نجيح : بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، وإذا كان الجمع من الناس مقيدين بالسلسلة الواحدة كان العذاب على كل واحد منهم بذلك السبب أشد.
السؤال الثاني : سلك السلسلة فيهم معقول، أما سلكهم في السلسلة فما معناه ؟ ( الجواب ) سلكه في السلسلة أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أجزاؤها وهو فيما بينها مزهق مضيق عليه لا يقدر على حركة، وقالوا الفراء : المعنى ثم اسلكوا فيه السلسلة كما يقال : أدخلت رأسي في القلنسوة وأدخلتها في رأسي، ويقال : الخاتم لا يدخل في إصبعي، والإصبع هو الذي يدخل في الخاتم.
السؤال الثالث : لم قال في سلسلة فاسلكوه، ولم يقل : فاسلكوه في سلسلة ؟ ( الجواب ) المعنى في تقديم السلسلة على السلك هو الذي ذكرناه في تقديم الجحيم على التصلية، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة لأنها أفظع من سائر السلاسل ( السؤال الرابع ) ذكر الأغلال والتصلية بالفاء وذكر السلك في هذه السلسلة بلفظ ثم، فما الفرق ؟ ( الجواب ) ليس المراد من كلمة ثم تراخي المدة بل التفاوت في مراتب العذاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى