البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
وأكد كذلك بقوله :﴿وما أدراك﴾ وأيّ شيءٍ أعلمك ﴿ما﴾ هي ﴿الحاقة﴾.
يعني : أنك لا علم لك بكنهها ؛ لخروجها عن دائرة علوم المخلوقات، على معنى : أن عظم شأنها، ومدى هولها وشدتها، بحيث لا يكاد يبلغه درايةُ أحد ولا وهمُه، وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الحاقة هي تجلِّي الحقيقة الأحدية، وظهور الخمرة الأزلية، لقلوب العارفين ؛ لأنها تُحق الحق وتُزهق الباطل، تظهر بها حقائق الأشياء على ما هي عليه في الأصل. قال الورتجبي : الحاقة يوم تحق حقائق الأمور عياناً، لا يبقى فيها ريب أهل الظنون، ينكشف الحق لأهل الحق، ولا معارضة للنفس فيها، ويتبين للجاهلين أعلام ولاية العارفين. هـ. ثم عظَّمها وهوَّل أمرها، فقال :﴿ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة﴾ لا يدريها إلاّ الشجعان من الرجال الأقوياء، والكمَّال، كما قال الجيلاني رضي الله عنه :
وإيَّاكَ جَزعاً لا يَهُولُكَ أمْرُهافَمَا نَالَها إلاَّ الشُّجَاعُ المُقَارعُ
ثم ذكر أنَّ مَن أنكرها أو كذّب بوجودها من النفوس العادية، والقلوب القاسية، يهلك في مهاوي الفروقات، برجفة الوساوس والخواطر، أو رياح الفتن الباطنة والظاهرة، سخّرها عليهم سبع ليالٍ على عدد الجوارح السبعة، وثمانية أيام. قال القشيري : أي : أيام كاشفات لسبع صفات الطبيعية، وهي : الغضب، والشهوة، والحقد، والحسد، والبُخل، والجُبن، والعجب، والشره، حُسوماً، أي : تحسم، وتقطع أمور الحق وأحكامه من الخيرات والمبرّات. هـ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى