فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا﴾ يقال : أنى لك يأنى أنى : إذا حان. قرأ الجمهور ﴿ألم يأن﴾ وقرأ الحسن، وأبو السماك :«ألما يأن » وأنشد ابن السكيت :
و ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل يأن : أي ألم يحضر خشوع قلوبهم ويجيء وقته، ومنه قول الشاعر :
هذه الآية نزلت في المؤمنين. قال الحسن : يستبطئهم وهم أحبّ خلقه إليه. وقيل : إن الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد. قال الزجاج : نزلت في طائفة من المؤمنين، حثوا على الرّقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرّقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء. وقال السديّ وغيره : المعنى : ألم يأن للذين آمنوا في الظاهر وأسرّوا الكفر أن تخشع قلوبهم ﴿لِذِكْرِ الله﴾، وسيأتي في آخر البحث ما يقوّي قول من قال إنها نزلت في المسلمين، والخشوع : لين القلب ورقته. والمعنى : أنه ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعاً ورقة، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر ولا يخضع له ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحقّ﴾ معطوف على ذكر الله، والمراد بما نزل من الحقّ : القرآن، فيحمل الذكر المعطوف عليه على ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه باللسان، أو خطور بالقلب، وقيل : المراد بالذكر هو القرآن، فيكون هذا العطف من باب عطف التفسير، أو باعتبار تغاير المفهومين. قرأ الجمهور :﴿نَزَّلَ﴾ مشدّداً مبنياً للفاعل. وقرأ نافع وحفص بالتخفيف مبنياً للفاعل. وقرأ الجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية عنه مشدّداً مبنياً للمفعول. وقرأ ابن مسعود :«أنزل » مبنياً للفاعل ﴿وَلاَ يَكُونُوا كالذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلُ﴾ قرأ الجمهور بالتحتية على الغيبة جرياً على ما تقدّم. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بالفوقية على الخطاب التفاتاً وبها قرأ عيسى وابن إسحاق، والجملة معطوفة على تخشع : أي ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم ولا يكونوا ؟ والمعنى : النهي لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ أي طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم. قرأ الجمهور :﴿الأمد﴾ بتخفيف الدال، وقرأ ابن كثير في رواية عنه بتشديدها : أي الزّمن الطويل، وقيل : المراد بالأمد على القراءة الأولى : الأجل والغاية، يقال أمد فلان كذا : أي غايته ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ بذلك السبب، فلذلك حرّفوا وبدّلوا، فنهى الله سبحانه أمة محمد ﷺ أن يكونوا مثلهم ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون﴾ أي خارجون عن طاعة الله لأنهم تركوا العمل بما أنزل إليهم وحرّفوا وبدّلوا ولم يؤمنوا بما نزل على محمد ﷺ، وقيل : هم الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد ﷺ، وقيل : هم الذين ابتدعوا الرهبانية، وهم أصحاب الصوامع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن مردويه عن أنس عن النبيّ ﷺ قال :«استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا﴾ الآية». وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : خرج رسول الله ﷺ على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون، فسحب رداءه محمراً وجهه فقال :«أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم، ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية :﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾، قالوا : يا رسول الله، فما كفارة ذلك ؟ قال : تبكون بقدر ما ضحكتم». وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا﴾ إلاّ أربع سنين. وأخرج نحوه عنه ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عنه أيضاً قال : لما نزلت هذه الآية أقبل بعضنا على بعض : أيّ شيء أحدثنا أيّ شيء صنعنا ؟ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن :﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي روّاد أن أصحاب النبيّ ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت هذه الآية ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا﴾. وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال : يعني : أنه يلين القلوب بعد قسوتها. وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب سمعت رسول الله ﷺ يقول :«مؤمنو أمتي شهداء»، ثم تلا النبيّ ﷺ ﴿والذين ءامَنُوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ﴾. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال : كل مؤمن صديق وشهيد. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : إن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿والذين ءامَنُوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقون﴾ قال : هذه مفصولة ﴿والشهداء عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال : جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال :«يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلاّ الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وأدّيت الزكاة وصمت رمضان وقمته، فممن أنا ؟ قال : من الصدّيقين والشهداء».
| ألما يأن لي أن تجلى عمايتي | وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا |
| ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا | وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا |