البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿الذين يبخلون﴾ : أي هم الذين يبخلون، أو يكون الذين مبتدأ محذوف الخبر على جهة الإبهام تقديره : مذمومون، أو موعودون بالعذاب، أو مستغنى عنهم، أو على إضمار، أعني فهو في موضع نصب، أو في موضع نصب صفة لكل مختال، وإن كان نكرة، فهو مخصص نوعاً مّا، فيسوغ لذلك وصفة بالمعرفة.
قال ابن عطية : هذا مذهب الأخفش. انتهى.
عظمت الدنيا في أعينهم، فبخلوا أن يؤدوا منها حقوق الله تعالى، وما كفاهم ذلك حتى أمروا الناس بالبخل ورغبوهم في الإمساك، والظاهر أنهم أمروا الناس حقيقة.
وقيل : كانوا قدوة فيه، فكأنهم يأمرون به.
﴿ومن يتول﴾ عن ما أمر الله به.
وقرأ الجمهور :﴿فإن الله هو﴾ ؛ وقرأ نافع وابن عامر : بإسقاط هو، وكذا في مصاحف المدينة والشام، وكلتا القراءتين متواترة.
فمن أثبت هو، فقال أبو علي الفارسي : يحسن أن يكون فصلاً، قال : ولا يحسن أن يكون ابتداء، لأن حذف الابتداء غير سائغ. انتهى.
يعني أنه في القراءة الأخرى حذف، ولو كان مبتدأ لم يجز حذفه، لأنك إذا قلت : إن زيداً هو الفاضل، فأعربت هو مبتدأ، لم يجز حذفه، لأن ما بعده من قولك الفاضل صالح أن يكون خبراً لأن، فلا يبقى دليل على حذف هو الرابط.
ونظيره :﴿الذين هم يراءون﴾ لا يجوز حذف هم، لأن ما بعده يصلح أن يكون صلة، فلا يبقى دليل على المحذوف.
وما ذهب إليه أبو علي ليس بشيء، لأنه بنى ذلك على توافق القراءتين وتركيب إحداهما على الأخرى، وليس كذلك.
ألا ترى أنه يكون قراءتان في لفظ واحد، ولكل منهما توجيه يخالف الآخر، كقراءة من قرأ :
﴿والله أعلم بما وضعت﴾ بضم التاء، والقراءة الأخرى :﴿بما وضعت﴾ بتاء التأنيث فضم التاء يقتضي أن الجملة من كلام أم مريم، وتاء التأنيث تقتضي أنها من كلام الله تعالى، وهذا كثير في القراءات المتواترة.
فكذلك هذا يجوز أن يكون هو مبتدأ في قراءة من أثبته، وإن كان لم يرد في القراءة الأخرى، ولكل من التركيبين في الإعراب حكم يخصه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى