-
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ( هناك أقوام لم يكتفوا بأن بخلوا بل أمروا غيرهم به وزينوه لهم ... ما أقبحهم ! محمد الحرب
— بدون مصدر
-
الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل.......قل أن تجد بخيلا إلا وهو يدعو إليه.
— عبدالله بلقاسم
-
من أظهر آثار الاختيال المذمومة؛ البخل والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله.
— مصحف تدبر المفصل
-
أن تبتلي بالشح وكراهة البذل والإنفاق فتلك مصيبة , وأن تتمادي في الباطل فتكون داعية شر تأمر بالبخل وتحث عليه , فتلك مصيبة أعظم .
— مصحف تدبر المفصل
-
حسبك من الشر أن تحمل وزر نفسك فلا تزد عليه بأوزار غيرك.
— مصحف تدبر المفصل
-
سورة الحديد اعتنتْ بأمرٍ مهمٍّ بالغ الأهمية في حياة الأمة المسلمة، ألا وهو أمر الإنفاق في سبيل الله، وهذا الغَرَض النبيل لا يمكن أن يَتَمَثَّل في حياة الفرد المسلم، وكذا في حياة الجماعة المسلمة؛ إلا بالإيمان الباعث الأكبر على هذا الغرض الكبير؛ ولهذا فقد قرن الإنفاق بالإيمان في سياق هذه السورة، حتى بدا هذان الغرضان كأنهما غرض واحد. على أنَّ هذين الأمرين مرادان لشأنٍ آخر، هو تحقيق التجرُّد الكامل لله - سبحانه وتعالى - والبَذْل في سبيله. وهذا الغرض قد جاء مصرَّحًا به في أول مقطع بعد مقطع الافتتاح، وهو قوله - تعالى -: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} .
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ )
{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}
وحذّر الله تعالى من البخل (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )
وختمت السورة ببيان الجزاء العظيم الذي أعدّه الله تعالى للمؤمنين يؤتهم كفلين من رحمته (لعله من باب الحث على الإنفاق فمن عرف أن جزاءه عظيم اجتهد في البذل) ويجعل لهم نورا يمشون به (ويقول صلى الله عليه وسلم: المسلم في ظل صدقته يوم القيامة) ويغفر لهم (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )
— مجالس التدبر
-
*فى سورة الحديد ختمت الآية بقول (الغني الحميد) و وردت في القرآن فى صيغ متعددة (هو الغني الحميد) (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فما دلالة الاختلاف؟
لما يقول هو الغني الحميد فيها حصر وفيها توكيد، حصر الغنى بالله تعالى عندما تقول فلان غني وفلان هو الغني، فلان هو الغني يعني هو الأغنى. السؤال الذي أثير أنه سبحانه وتعالى قال في آيات إن الله غني حميد، إن الله هو الغني الحميد، إن الله لهو الغني الحميد هذه بعضها فيها توكيد أكثر. قال تعالى في لقمان (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) لم يعرّف ولم يأت بـ (هو)، أكّد بـ (إنّ) فقط. في آية لقمان لم يذكر له ملك (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) من الغني في عُرف الخَلق، الذي يملك أو الذي لا يملك؟ الذي يملك هو الغني الغني لكنه لم يذكر ملك. لو واحد قال أعطني فأمدحك تقول له أنا غني عن مدحك لا أحتاج إليك. الخليل بن أحمد لما أرسل له أمير الأهواز سليمان بغالاً محملة بأشياء وقال لو جئت إلينا والخليل ليس عنده إلا الخبز اليابس فقال: أبلِغ سليمان أني عنه في غنى غير أني لست ذا مال، هو غني بنفسه قانع بما حصل. في آية لقمان لم يذكر ملك وإنما قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) الله تعالى غني عن شكره وعن كفره بينما فى سورة الحديد قال (ولا تفرحوا بما آتاكم) الله آتانا به فالله هو الغني إذن أنتم أيها الخلق الأغنياء ما غناكم والله تعالى هو الذي آتاكم؟ فإذن الله هو الغني الحميد وليست مثل تلك الذي لم يذكر معه شيء لأنه ذكر (ولا تفرحوا بما آتاكم) لما آتى الخلق ما عندهم أصبحا ليسا بمنزلة واحدة فإذن (فإن الله هو الغني الحميد). آية الحديد توكيدها نظير ما جاء في لقمان في آية أخرى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) لقمان) هذه فيها ملك إن الله تعالى ليس غنياً وإنما هو الغني، كل ما في الأرض وكل ما في السموات ملكه إذن هو الغني وهذه ليست مثل (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). (هو) هنا ضمير فصل يفيد الحصر هو الغني حصراً في الحقيقة لا غني سواه أفادها ضمير الفصل والتعريف (هو الغني). ضمير الفصل له أغراض يفيد التوكيد ويفيد الحصر ويفيد التعريف وهنا يفيد الزيادة في التوكيد. هذه فيها حصر أكثر وآكد. في الحج ذكر ما هو آكد من هذه فقال (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)) أولاً هو لم يكرر (ما) وهنا كرّر (له ما في السموات وما في الأرض) أكّد بإن وضمير الفصل هو واللام. أولاً هو لم يكرر (ما) فقال في الحديد (له ما في السموات والأرض) وهنا كرّر (ما في السموات وما في الأرض) ذكر ما هو أكثر فهو آكد وقال (وإن الله لهو الغني الحميد) جاء بالواو. ماذا تفيد الواو؟ نقول فلان يملك مائة دار ومائة بستان وفلان يملك مائة دار ومائة بستان وإنه غني. الأول مصدر غناه مائة دار ومائة بستان أما الثاني فهو يملك مائة دار ومائة بستان ولو ذهبت وهي من جملة ما يملك يبقى غنياً، هذا استئناف غنى جديد وكأن المائة بستان مما يملك فإن ذهبت فيبقى غنياً. الواو تعطف جملة على جملة والغرض البلاغي منها الغنى المطلق. إذن أولاً كرر (ما) للتوكيد والتكرار يفيد التوكيد ثم جاء بالواو الذي دلنا على أنها من جملة ما يملك. إذا كان هناك من عنده بصر باللغة لا يمكن أن يفعل غير ذلك تماماً مثل المعادلة الرياضية ولا بد أن يضعها كما وردت. وجاءت بثلاث صيغ وكأنه يترقى بالغنى إلى أن وصل مرحلة الغنى لله تعالى.
— فاضل السامرائي
-
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24))
*نظرة عامة على الآية :
هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله تعالى والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون، (الذين يبخلون) هي ليست معطوفة على ما قبلها لأنه ليس هناك حرف عطف. على رأي جمهور النحاة هذه بدل لـ (كل مختال فخور) وعلى رأي بعض النحاة على أنها نعت، صفة. أصل التقدير خارج القرآن والله لا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل أي الذين وصفهم هكذا. سبب الاختلاف بين الجمهور والأخفش أنه عند الجمهور أن الصفة تطابق الموصوف تعريفاً وتنكيراً فلما قال (كل مختال فخور) هذه نكرة و(الذين يبخلون) معرفة فلا يجوز أن تعرب نعتاً لأنهما اختلفتا في التعريف والتنكير اختل الشرط. أحياناً البدل فيه معنى الوصفية. الأخفش يجيز أنه إذا كانت النكرة مخصصة موصوفة أن تعرب نعتاً لقوله تعالى (ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً) (الذي) صفة لما بعدها، إذا كانت النكرة مخصصة بشيء يمكن. (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) نكرة ومعرفة (الذي) صفة لمقام محمود وعلى رأي الجمهور يقول أنها بدل. يجوز قول وابعثه المقام المحمود وهذه ليس فيها إشكال.
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) هذا وصف آخر لمن لا يحبهم الله فيبخلون بما آتاهم الله لا يكتفوا بأنهم يبخلون وإنما يأمرون الآخرين بالبخل ومن دواعي ذلك حتى لا يُذكَر أحدهم بخير ويتساوون لأنه إذا أنفق واحد قد يُذكر بخير وهو لا يريد أن يذكر أحد غيره بخير فيكونون سواء كما قال تعالى في المنافقين (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء (89) النساء).
(ومن يتول) أي يُعرض عن الأشياء التي أمر الله بها فإن الله هو الغني.
*ختمت الآية بقول (الغني الحميد) لماذا لم ترد مثلاً فإن الله غني حميد مع أنها وردت في صيغ متعددة (هو الغني الحميد) (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فما دلالة الاختلاف؟
لما يقول هو الغني الحميد فيها حصر وفيها توكيد، حصر الغنى بالله تعالى عندما تقول فلان غني وفلان هو الغني، فلان هو الغني يعني هو الأغنى. السؤال الذي أثير أنه سبحانه وتعالى قال في آيات إن الله غني حميد، إن الله هو الغني الحميد، إن الله لهو الغني الحميد هذه بعضها فيها توكيد أكثر. قال تعالى في لقمان (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)) لم يعرّف ولم يأت بـ (هو)، أكّد بـ (إنّ) فقط. في آية لقمان لم يذكر له ملك (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) من الغني في عُرف الخَلق، الذي يملك أو الذي لا يملك؟ الذي يملك هو الغني الغني لكنه لم يذكر ملك. لو واحد قال أعطني فأمدحك تقول له أنا غني عن مدحك لا أحتاج إليك. الخليل بن أحمد لما أرسل له أمير الأهواز سليمان بغالاً محملة بأشياء وقال لو جئت إلينا والخليل ليس عنده إلا الخبز اليابس فقال: أبلِغ سليمان أني عنه في غنى غير أني لست ذا مال، هو غني بنفسه قانع بما حصل. في آية لقمان لم يذكر ملك وإنما قال (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) الله تعالى غني عن شكره وعن كفره بينما هناك قال (ولا تفرحوا بما آتاكم) الله آتانا به فالله هو الغني إذن أنتم أيها الخلق الأغنياء ما غناكم والله تعالى هو الذي آتاكم؟ فإذن الله هو الغني الحميد وليست مثل تلك الذي لم يذكر معه شيء لأنه ذكر (ولا تفرحوا بما آتاكم) لما آتى الخلق ما عندهم أصبحا ليسا بمنزلة واحدة فإذن (فإن الله هو الغني الحميد). آية الحديد توكيدها نظير ما جاء في لقمان في آية أخرى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) لقمان) هذه فيها ملك إن الله تعالى ليس غنياً وإنما هو الغني، كل ما في الأرض وكل ما في السموات ملكه إذن هو الغني وهذه ليست مثل (وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). (هو) هنا ضمير فصل يفيد الحصر هو الغني حصراً في الحقيقة لا غني سواه أفادها ضمير الفصل والتعريف (هو الغني). ضمير الفصل له أغراض يفيد التوكيد ويفيد الحصر ويفيد التعريف وهنا يفيد الزيادة في التوكيد. هذه فيها حصر أكثر وآكد. في الحج ذكر ما هو آكد من هذه فقال (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)) أولاً هو لم يكرر (ما) وهنا كرّر (له ما في السموات وما في الأرض) أكّد بإن وضمير الفصل هو واللام. أولاً هو لم يكرر (ما) فقال في الحديد (له ما في السموات والأرض) وهنا كرّر (ما في السموات وما في الأرض) ذكر ما هو أكثر فهو آكد وقال (وإن الله لهو الغني الحميد) جاء بالواو. ماذا تفيد الواو؟ نقول فلان يملك مائة دار ومائة بستان وفلان يملك مائة دار ومائة بستان وإنه غني. الأول مصدر غناه مائة دار ومائة بستان أما الثاني فهو يملك مائة دار ومائة بستان ولو ذهبت وهي من جملة ما يملك يبقى غنياً، هذا استئناف غنى جديد وكأن المائة بستان مما يملك فإن ذهبت فيبقى غنياً. الواو تعطف جملة على جملة والغرض البلاغي منها الغنى المطلق. إذن أولاً كرر (ما) للتوكيد والتكرار يفيد التوكيد ثم جاء بالواو الذي دلنا على أنها من جملة ما يملك. إذا كان هناك من عنده بصر باللغة لا يمكن أن يفعل غير ذلك تماماً مثل المعادلة الرياضية ولا بد أن يضعها كما وردت. وجاءت بثلاث صيغ وكأنه يترقى بالغنى إلى أن وصل مرحلة الغنى لله تعالى ولهذا في الحديد ختمت الآية (إن الله هو الغني الحميد). والملاحظ أنه في الحديد لما قال (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) بينما في آل عمران قال (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)) هذه حزن فبمَ يفخر؟ هناك يفخر بما آتاهم (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) هذا يفخر بما آتى، (لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ) بم يفخر؟ هذه ليست مثل هذه.
— موقع إسلاميات
-
(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله وهم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ولا يكتفون بذاك بل يأمرون الناس بالبخل ولعل من دواعي ذلك أنهم لا يريدون أن يذكر غيرهم بخير فيتساوون في الوصف فلا يكون أحد أفضل من أحد كما أخبر ربنا عن المنافقين بقوله (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ ) - النساء (۸۹).
و(لَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل على رأي الأكثرين لاختلاف التابع والمتبوع تعريفا وتنكيراً. ونعت عند من يجيز أن تنعت النكرة المخصصة بالمعرفة نظير قولهم في قوله تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ)
ومن يتول عما أمر الله به فإن الله غني عنه، وقال (هُوَ الْغَنِيُّ) : ولم يقل (غني) لأنه لا غني على الحقيقة سواه فعرف الوصف بأل وجاء بضمير الفصل للدلالة على الحصر.
وقد تقول: لقد قال الله في مكان آخر (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) - لقمان (۱۲) فلم يعرف الغني فما السبب؟
فنقول: إن السياق في كل من الآيتين مختلف، فإنه لم يذكر في سياق آية لقمان ملكاً له ولم يذكر أنه أتى الناس شيئاً فلم يعرف الغني. أما في سياق هذه الآية فإنه ذكر أنه هو الذي أتانا فقال: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ) . فإذا كان الإنسان يرى أنه استغني أو يرى أنه غني فذاك مما آتاه الله. فالله إذن هو الغني وحده.
وهذه الآية في التوكيد والقصر نظير قوله في سورة لقمان (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (26) فإنه لما ذكر ملكه وأن له ما في السماوات والأرض أكد غناه وقصره عليه فعرف الغني وجاء بضمير الفصل.
ولم يكتف بوصف ذاته العلية بالغني بل قال (هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو المحمود في غناه والمحمود في صفاته كلها على جهة الثبوت. وهو تعريض بالأغنياء المذمومين الذين لا يحمدهم أحد ولم يأتوا في غناهم بما يحمدون عليه.
جاء في (الكشاف): (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بدل من قوله (كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون. يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم وعظمة في عيونهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبونهم في الإمساك ويزينوه لهم وذلك كله
عدنان بن عبد السلام
الأسعد
نتيجة فرحهم وبطرهم عند أصحابهم. (وَمَنْ يَتَوَلَّ) عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه (1).
**من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 289 إلى ص 291.
(1) الكشاف 4/66.
— فاضل السامرائي