اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات﴾.
يعني المعجزات البينة، والشرائع الظاهرة.
وقيل(١) : الإخلاص لله - تعالى - في العبادة.
﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي الكتب التي أوحينا إليهم فيها خبر من كان قبلهم.
«والمِيزَانَ »، قال ابن زيد : هو ما يُوزَنُ به، ويتعامل(٢).
روي أن جبريل - عليه السلام - نزل بالميزان فدفعه إلى نوح - عليه الصلاة والسلام - وقال : مُرْ قَوْمكَ يَزِنُوا بِهِ ليقُومَ النَّاسُ بالقِسْطِ(٣)، أي : بالعدل في معاملاتهم.
وقيل : أراد به العدل.
قال القشيري : وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان وهو من باب :[ الرجز ]
ويدل على هذا قوله تعالى :﴿والسماء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان﴾ [الرحمن: ٧].
قوله :«مَعَهُمُ » حال مقدرة، أي : صائراً معهم، وإنما احتجنا إلى ذلك ؛ لأن الرسل لم ينزلوا، ومقتضى الكلام أن يصحبوا الكتاب في النزول.
وأما الزمخشري فإنه فسّر الرسل بالملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى الأنبياء، فالمعية متحققة.
قوله :﴿وَأَنزَلْنَا الحديد﴾.
روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال :«إنَّ اللَّهَ تعَالَى أنْزلَ أرْبَعَ بركاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ : الحَديْدَ والمَاءَ والنَّارَ والثَّلْجَ »(٥).
وروى عكرمة عن ابن عباس قال : أنزل ثلاثة أشياء مع آدم - عليه الصلاة والسلام - الحَجَر الأسود وكان أشد بياضاً من الثَّلج، وعصا موسى، وكانت من آسِ الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء : السَّنْدَان، والكَلْبتَان، والميْقَعَة، وهي المِطْرقَة(٦) ذكره الماوردي.
وروى الثعلبي عن ابن عبَّاس قال :«نزل آدم من الجنَّة، ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين : السَّندان، والكلْبتَان، والمِيْقعَة، والمِطْرقَة والإبْرَة »(٧).
وحكاه القشيري قال : والمِيْقعَة :[ ما يحدد به، يقال : وقعت الحديدة أقعها، أي حددتها.
وفي «الصحاح »(٨) ] :(٩) «المِيْقَعَة » الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصَّار التي يدقّ عليها، والمِطْرقَة، والمِسَنّ الطويل.
وروي أن الحديد أنزل يوم الثلاثاء.
﴿فيه بأس شديدٌ﴾ أي : لإهراق الدِّماء، ولذلك نهي عن الفَصْد والحِجَامة يوم الثلاثاء ؛ لأنه يوم جرى فيه الدَّم.
وروي عن رسول الله ﷺ «إنَّ فِي يَوْمِ الثلاثاءِ ساعةً لا يُرَاقُ فِيْهَا الدَّمُ »(١٠).
وقيل :«أنزلنا الحديد » أي : أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى :﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأنعام﴾ [الزمر: ٦] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء.
وقال أهل المعاني : أي أخرج الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه.
وقوله :﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ جملة حالة من «الحديد »، والمراد بالحديد يعني : السلاج والجُنَّة.
وقيل : إن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال مجاهد : يعني جُنَّة(١١).
وقيل : انتفاع النَّاس بالماعون : الحديد كالسِّكين والفأس ونحوه.
قوله :﴿وَلِيَعْلَمَ الله﴾. عطف على قوله :﴿لِيَقُومَ الناس﴾، أي : لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس، وليعلم الله.
وقال أبو حيان(١٢) : علّة لإنزال الكتاب والميزان والحديد.
والأول أظهر ؛ لأن نصرة الله ورسوله مناسبة للإرسال.
قوله :«ورُسُلَهُ » عطف على مفعول «ينصره »، أي : وينصر رسله.
قال أبو البقاء(١٣) : ولا يجوز أن يكون معطوفاً على «من » لئلا يفصل به بين الجار، وهو «بالغيب »، وبين ما يتعلق به وهو «ينصر ».
قال شهاب الدين(١٤) : وجعله العلة ما ذكره من الفصل بين الجار، وبين ما يتعلق به يوهم أن معناه صحيح لولا هذا المانع، وليس كذلك ؛ إذ يصير التقدير : وليعلم الله من ينصره بالغيب، وليعلم رسله، وهذا معنى لا يصح ألبتة، فلا حاجة إلى ذكر ذلك، و«بالغيب » حال وقد تقدم مثله أول «البقرة ».
المعنى : وليعلم الله من ينصره، أي : أنزل الحديد ليعلم من ينصره، أو ليقوم الناس بالقسط ؛ أي : أرسلنا رسلنا.
﴿وأنزلنا معهم الكتاب﴾ وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب، أي : وهم لا يرونهم.
﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قوي في أخذه عزيز أي : منيع غالب.
وقيل : بالغيب أي : بالإخلاص.
فصل في الرد على من قال بحدوث علم الله(١٦)
احتج من قال بحدوث علم الله بقوله :«وليعلم الله ».
وأجيب : بأنه - تعالى - أراد بالعلم المعلوم، فكأنه - تعالى - قال : ولتقع نُصْرة الرسول ممن ينصره.
قال الجبائي : قوله :﴿لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ يدل على أنه - تعالى - أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط، وأن ينصروا رسله، وإذا أراد هذا من الكل بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك.
وأجيب : بأنه كيف يمكن أن يريد من الكُلِّ ذلك مع علمه بأن ضدّه موجود، والجمع بين الضِّدين محال، والمحال غير المراد.
يعني المعجزات البينة، والشرائع الظاهرة.
وقيل(١) : الإخلاص لله - تعالى - في العبادة.
﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي الكتب التي أوحينا إليهم فيها خبر من كان قبلهم.
«والمِيزَانَ »، قال ابن زيد : هو ما يُوزَنُ به، ويتعامل(٢).
روي أن جبريل - عليه السلام - نزل بالميزان فدفعه إلى نوح - عليه الصلاة والسلام - وقال : مُرْ قَوْمكَ يَزِنُوا بِهِ ليقُومَ النَّاسُ بالقِسْطِ(٣)، أي : بالعدل في معاملاتهم.
وقيل : أراد به العدل.
قال القشيري : وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان وهو من باب :[ الرجز ]
| عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً(٤) | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
قوله :«مَعَهُمُ » حال مقدرة، أي : صائراً معهم، وإنما احتجنا إلى ذلك ؛ لأن الرسل لم ينزلوا، ومقتضى الكلام أن يصحبوا الكتاب في النزول.
وأما الزمخشري فإنه فسّر الرسل بالملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى الأنبياء، فالمعية متحققة.
قوله :﴿وَأَنزَلْنَا الحديد﴾.
روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال :«إنَّ اللَّهَ تعَالَى أنْزلَ أرْبَعَ بركاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ : الحَديْدَ والمَاءَ والنَّارَ والثَّلْجَ »(٥).
وروى عكرمة عن ابن عباس قال : أنزل ثلاثة أشياء مع آدم - عليه الصلاة والسلام - الحَجَر الأسود وكان أشد بياضاً من الثَّلج، وعصا موسى، وكانت من آسِ الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء : السَّنْدَان، والكَلْبتَان، والميْقَعَة، وهي المِطْرقَة(٦) ذكره الماوردي.
وروى الثعلبي عن ابن عبَّاس قال :«نزل آدم من الجنَّة، ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين : السَّندان، والكلْبتَان، والمِيْقعَة، والمِطْرقَة والإبْرَة »(٧).
وحكاه القشيري قال : والمِيْقعَة :[ ما يحدد به، يقال : وقعت الحديدة أقعها، أي حددتها.
وفي «الصحاح »(٨) ] :(٩) «المِيْقَعَة » الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصَّار التي يدقّ عليها، والمِطْرقَة، والمِسَنّ الطويل.
وروي أن الحديد أنزل يوم الثلاثاء.
﴿فيه بأس شديدٌ﴾ أي : لإهراق الدِّماء، ولذلك نهي عن الفَصْد والحِجَامة يوم الثلاثاء ؛ لأنه يوم جرى فيه الدَّم.
وروي عن رسول الله ﷺ «إنَّ فِي يَوْمِ الثلاثاءِ ساعةً لا يُرَاقُ فِيْهَا الدَّمُ »(١٠).
وقيل :«أنزلنا الحديد » أي : أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى :﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأنعام﴾ [الزمر: ٦] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء.
وقال أهل المعاني : أي أخرج الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه.
وقوله :﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ جملة حالة من «الحديد »، والمراد بالحديد يعني : السلاج والجُنَّة.
وقيل : إن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال مجاهد : يعني جُنَّة(١١).
وقيل : انتفاع النَّاس بالماعون : الحديد كالسِّكين والفأس ونحوه.
قوله :﴿وَلِيَعْلَمَ الله﴾. عطف على قوله :﴿لِيَقُومَ الناس﴾، أي : لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس، وليعلم الله.
وقال أبو حيان(١٢) : علّة لإنزال الكتاب والميزان والحديد.
والأول أظهر ؛ لأن نصرة الله ورسوله مناسبة للإرسال.
قوله :«ورُسُلَهُ » عطف على مفعول «ينصره »، أي : وينصر رسله.
قال أبو البقاء(١٣) : ولا يجوز أن يكون معطوفاً على «من » لئلا يفصل به بين الجار، وهو «بالغيب »، وبين ما يتعلق به وهو «ينصر ».
قال شهاب الدين(١٤) : وجعله العلة ما ذكره من الفصل بين الجار، وبين ما يتعلق به يوهم أن معناه صحيح لولا هذا المانع، وليس كذلك ؛ إذ يصير التقدير : وليعلم الله من ينصره بالغيب، وليعلم رسله، وهذا معنى لا يصح ألبتة، فلا حاجة إلى ذكر ذلك، و«بالغيب » حال وقد تقدم مثله أول «البقرة ».
فصل في معنى الآية(١٥)
المعنى : وليعلم الله من ينصره، أي : أنزل الحديد ليعلم من ينصره، أو ليقوم الناس بالقسط ؛ أي : أرسلنا رسلنا.
﴿وأنزلنا معهم الكتاب﴾ وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب، أي : وهم لا يرونهم.
﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قوي في أخذه عزيز أي : منيع غالب.
وقيل : بالغيب أي : بالإخلاص.
فصل في الرد على من قال بحدوث علم الله(١٦)
احتج من قال بحدوث علم الله بقوله :«وليعلم الله ».
وأجيب : بأنه - تعالى - أراد بالعلم المعلوم، فكأنه - تعالى - قال : ولتقع نُصْرة الرسول ممن ينصره.
فصل في الرد على الجبرية(١٧)
قال الجبائي : قوله :﴿لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ يدل على أنه - تعالى - أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط، وأن ينصروا رسله، وإذا أراد هذا من الكل بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك.
وأجيب : بأنه كيف يمكن أن يريد من الكُلِّ ذلك مع علمه بأن ضدّه موجود، والجمع بين الضِّدين محال، والمحال غير المراد.
١ ينظر: القرطبي ١٧/١٦٨..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٨٨)..
٣ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٩/٢١٠)..
٤ تقدم..
٥ ذكره الحافظ ابن حجر في "تخريج الكشاف" (٤/٤٨٠) وقال: أخرجه الثعلبي من حديث ابن عمر وفيه من لا أعرفه.
وذكره أيضا المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٥/٤١٩) رقم (٤١٦٥١) وعزاه إلى الديلمي في "مسند الفردوس" عن ابن عمر..
٦ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/٤٨٣) والقرطبي في "تفسيره" (١٧/١٦٩)..
٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٦٩) وعزاه إلى الثعلبي عن ابن عباس..
٨ ينظر: الصحاح ٣/١٣٠١..
٩ سقط من أ..
١٠ ينظر: القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٦٩) وعزاه إلى الثعلبي عن ابن عباس..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٨٩) عن ابن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥٨) وعزاه إلى الفريابي وعبد بن حميد..
١٢ البحر المحيط ٨/٢٢٥..
١٣ الإملاء ٢/١٢١٠..
١٤ الدر المصون ٦/٢٨٠..
١٥ ينظر: القرطبي ١٧/١٦٩..
١٦ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢١٢..
١٧ السابق..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٨٨)..
٣ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٩/٢١٠)..
٤ تقدم..
٥ ذكره الحافظ ابن حجر في "تخريج الكشاف" (٤/٤٨٠) وقال: أخرجه الثعلبي من حديث ابن عمر وفيه من لا أعرفه.
وذكره أيضا المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٥/٤١٩) رقم (٤١٦٥١) وعزاه إلى الديلمي في "مسند الفردوس" عن ابن عمر..
٦ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/٤٨٣) والقرطبي في "تفسيره" (١٧/١٦٩)..
٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٦٩) وعزاه إلى الثعلبي عن ابن عباس..
٨ ينظر: الصحاح ٣/١٣٠١..
٩ سقط من أ..
١٠ ينظر: القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٦٩) وعزاه إلى الثعلبي عن ابن عباس..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٨٩) عن ابن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥٨) وعزاه إلى الفريابي وعبد بن حميد..
١٢ البحر المحيط ٨/٢٢٥..
١٣ الإملاء ٢/١٢١٠..
١٤ الدر المصون ٦/٢٨٠..
١٥ ينظر: القرطبي ١٧/١٦٩..
١٦ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢١٢..
١٧ السابق..