نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي
عن الكتاب
ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة هذا النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائق ﷺ، قال مشيراً إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي :﴿ثم قفينا﴾ أي بما لنا من العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه ﴿على آثارهم﴾ أي الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل، ولا يعود الضمير على ﴿الذرية﴾ لأنها باقية مع الرسل وبعدهم ﴿برسلنا﴾ أي فأرسلناهم واحداً في أثر واحد بين ما لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما تقتضيه العظمة، لا ننشئ آثار الأول منهم حتى نرسل الذي بعده في قفاه، فكل رسول بين يدي الذي بعده، والذين بعده في قفاه(١) - فهو مقف له(٢) لأن الأول ذاهب إلى الله والثاني تابع له، فنبينا(٣) ﷺ أعرق الناس في هذا الوصف لأنه لا نبي بعده، ولهذا كان الوصف أحد أسمائه.
ولما كان عيسى عليه السلام أعظم من جاء بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتم ﷺ في تجديد دينه وتقرير شريعته، وكان الزهد(٤) والرأفة والرحمة في تابعيه في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقاً على أن الموجب لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن الآيات(٥) الحاضرة معه والكتاب الباقي بعده، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال :﴿وقفينا﴾ أي أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تدرس ﴿بعيسى ابن مريم﴾ وهو آخر من قبل النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعه ﷺ ﴿وآتيناه﴾ بما لنا من العظمة ﴿الإنجيل﴾ كتاباً ضابطاً لما جاء به مقيماً لملته مبيناً للقيامة مبشراً بالنبي العربي موضحاً لأمره مكثراً من ذكره ﴿وجعلنا﴾ لعزتنا ﴿في قلوب الذين اتبعوه﴾ أي بغاية جهدهم، فكانوا على مناهجه(٦) ﴿رأفة﴾ أي أشد رقة على من كان يتسبب إلى الاتصال بهم ﴿ورحمة﴾ أي رقة وعطفاً من لم يكن له سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين، وترتيب الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في ﴿رؤف رحيم﴾ كما قاله(٧) بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن(٨) ذلك قول لا يحل التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال ﴿ورهبانية﴾ أي أموراً(٩) حاملة على الرهبية والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس.
ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكوراً مرتين تأكيداً له إفهاماً لذم نفس الابتداع، أتبعه المفسر لعامله فقال :﴿ابتدعوها﴾ أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها(١٠) من غير أن يكون لهم فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها(١١) فاعتزلوا لأجلها الناس، وانقطعوا في الجبال على الاستئناس، وكانت لهم بذلك(١٢) أخبار شائعة في النواحي والأمصار، وفي التقديم على العامل سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم في لفظ الابتداع أن لا صنع لله فيها ﴿ما كتبناها﴾ أي فرضناها بعظمتنا(١٣) ﴿عليهم﴾ في كتابهم ولا على(١٤) لسان رسولهم ﴿إلا﴾ أي لكن(١٥) ابتدعوها ﴿ابتغاء﴾ أي لأجل تكليفهم أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال على ﴿رضوان الله﴾ أي الرضا العظيم من الملك الأعظم، وساق المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله، وأنه ما ترك فرضها عليهم إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها، وأنه صيرها بعد إلزامهم(١٦) بها كالمكتوبة، فيكون التقدير حينئذ : إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام، قال(١٧) الإمام أبو القاسم عبد الرحمن(١٨) بن عبد(١٩) الله بن عبد الحكم المصري في كتابه " فتوح مصر والمغرب " (٢٠) : فلما أن أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده كما حدثنا هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال : استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليه السلام في(٢١) الرجوع إلى أهلهم(٢٢) ومالهم بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا مع رؤوس الجبال، فكانوا أول من ترهب، وكان يقال لهم الشيعة، وبقيت(٢٣) طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله عز وجل، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه السلام.
ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن عليائها قال :﴿فما رعوها﴾ أي حفظوها كلهم بحفظ من هو مرتاع من خوف ضياعها ﴿حق رعايتها﴾ بصون العناية في رعاية الأعمال والأحوال والأقوال، فصون الأعمال توفيرها لتحقيرها من غير التفات إليها، ورعاية الأحوال عند الاجتهاد من أتاه والحال دعوى، ورعاية الوقت الوقوف مع حضور على بساط شهود الجلال - ذكره الرازي. بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم عن عالي مداها، وانحطوا عن شامخ ذراها، هذا تنفير عظيم عن البدع، وحث شديد على لزوم ما سنه الله وشرع، وتحذير(٢٤) من التشديد، فإنه لن يشادّ(٢٥) الدين أحد إلا غلبه وهو الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق من الدين بالاتحاد والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن (٢٦)التشديد والتعمق(٢٧) خير لأن الشارع الذي أحاط علماً بما لم يحط به نهى عنه، وقد أفادت التجربة أنه قد يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير، فكان داعياً لكثير منهم إلى دار البوار، وفيه أيضاً حث عظيم على المداومة على ما اعتيد من الأعمال الصالحة خصوصاً، ما عمل النبي ﷺ (٢٨)عملاً إلا(٢٩) دوام عليه، وكان ينهى عن التعمق في الدين، ويأمر بالرفق(٣٠) والقصد.
ولما كانت متابعة النفس في التقصير بالإفراط أو(٣١) التفريط قد توصل إلى المروق(٣٢) من الدين فيوجب(٣٣) الكفر فيحط على الهلاك كله، أشار إلى ذلك بقوله :﴿فآتينا﴾ أي بما لنا من صفات الكمال ﴿الذين آمنوا﴾ أي استمروا على الإيمان الكامل، ولعل في التعبير بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة إلى أن المتعمق بين إيمان وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية فهو في غاية الذم للتعمق(٣٤) والمدح للاقتصاد(٣٥) ﴿منهم﴾ أي من هؤلاء المبتدعين لأنهم رعوها حق رعايتها ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام بإيمانهم بمحمد ﷺ الذي دعا إليه الخروج عن النفس الذي هو روح الرهبانية(٣٦) بموافقتهم لما في كتابهم من البشائر به ﴿أجرهم﴾ أي اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف(٣٧).
ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات راسخة للأنفس، أشار إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال :﴿وكثير منهم﴾ أي هؤلاء الذين ابتدعوا فضيعوا ﴿فاسقون﴾ أي عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها الله تعالى، روى البغوي(٣٨) من طريق الثعلبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال :" من آمن بي فقد رعاها حق رعايتها(٣٩)، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون " انتهى. ومثل هذه الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه عليها لا منه، كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا(٤٠) يفعلون أشياء فإن قررهم النبي ﷺ كانت شرعاً لنا وكنا آخذين لها من تفسيره ﷺ لا منهم، فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى(٤١) أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلاً، كان ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم فأقرهم النبي ﷺ، ولا فرق بين أن يقرره النبي ﷺ بنفسه أو بقواعد شريعته(٤٢)، ومهما كان مقرراً بقواعد شرعه كان عليه أمره، ومهما لم يكن مقرراً بها كان مما(٤٣) ليس عليه أمره فهو رد على قائله، فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة - والله الموفق، وذكر ابن برجان تنزيل هذا الحديث الذي فيه " لتتبعن سنن من كان قبلكم " فذكر أن أصحاب عيسى عليه السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم، وشايعه على ذلك روم ويونان، فضعف أهل الإيمان، فاستذلوهم حتى هربوا إلى البراري، وعملوا الصوامع وابتدعوا الرهبانية، (٤٤)وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه لما توفي رسول الله ﷺ تبعه خلفاؤه بإحسان، فلما مضت الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول الله ﷺ واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان، ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم، وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما واستبيحت مدينة النبي ﷺ ثلاثة أيام، وقتل (٤٥)خيار من فيها(٤٦) فرأى المسلمون العزلة واجبة، فلزموا الزوايا(٤٧) والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد للعدو والنفوس، وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذاً من أحوال أهل الصفة، وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع (٤٨)والصدق(٤٩) والمنازل و(٥٠)الأحوال والمقامات(٥١) فهؤلاء وزان أولئك - والله الموفق.
ذكر ما في الإنجيل من الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على الله التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها : قال متى(٥٢) وغيره وأغلب السياق لمتى : إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع منك فخذ معك(٥٣) واحداً أو اثنين، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة، وإن لم يسمع منهم فقل للبيعة، فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار، الحق أقول لكم، وقال لوقا(٥٤) : انظروا الآن(٥٥) إن أخطأ إليك أخوك فانهه، فإن تاب فاغفر له، فإن أخطأ(٥٦) إليك سبع دفعات(٥٧) في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول لك : أنا تائب، فاغفر له، وقال متى(٥٨) : حينئذ جاء إليه بطرس وقال له : إذا أخطأ إليّ أخي لم أغفر له سبع مرات، قال : ليس أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة، ولهذا يشبه ملكوت السماوات ملكاً أراد أن يحاسب عبيده، فلما بدأ بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه جملة وزنات، ولم يكن معه ما يوفي، فأمر سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما له حتى يوفي، فخر ذلك العبد له(٥٩) ساجداً قائلاً : يا رب، ترأف عليّ تأن، أوفك كل مالك، فتحنن عليه سيده وترك له كل ما عليه، فخرج ذلك العبد فوجد(٦٠) عبداً من أصدقائه عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه وقال : أعطني ما عليك، فخر ذلك العبد على رجليه وطلب إليه(٦١) قائلاً : ترأف عليّ فأنا أعطيك مالك، فأبى ومضى ورتكه في السجن حتى يوفي الدين، فرأى العبد أصحابه فحزنوا عليه جداً(٦٢) وأعلموا سيده بكل ما كان منه، حينئذ دعاه سيده وقال له : أيها العبد الشرير ! كل ما كان عليك تركت بذلك لأنك سألتني، ما كان ينبغي لك أن ترحم ذلك العبد صاحبك كرحمتي إياك، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما عليه، هكذا أبي السماوي يصنع بكم إن لم
ولما كان عيسى عليه السلام أعظم من جاء بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتم ﷺ في تجديد دينه وتقرير شريعته، وكان الزهد(٤) والرأفة والرحمة في تابعيه في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقاً على أن الموجب لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن الآيات(٥) الحاضرة معه والكتاب الباقي بعده، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال :﴿وقفينا﴾ أي أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تدرس ﴿بعيسى ابن مريم﴾ وهو آخر من قبل النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعه ﷺ ﴿وآتيناه﴾ بما لنا من العظمة ﴿الإنجيل﴾ كتاباً ضابطاً لما جاء به مقيماً لملته مبيناً للقيامة مبشراً بالنبي العربي موضحاً لأمره مكثراً من ذكره ﴿وجعلنا﴾ لعزتنا ﴿في قلوب الذين اتبعوه﴾ أي بغاية جهدهم، فكانوا على مناهجه(٦) ﴿رأفة﴾ أي أشد رقة على من كان يتسبب إلى الاتصال بهم ﴿ورحمة﴾ أي رقة وعطفاً من لم يكن له سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين، وترتيب الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في ﴿رؤف رحيم﴾ كما قاله(٧) بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن(٨) ذلك قول لا يحل التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال ﴿ورهبانية﴾ أي أموراً(٩) حاملة على الرهبية والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس.
ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكوراً مرتين تأكيداً له إفهاماً لذم نفس الابتداع، أتبعه المفسر لعامله فقال :﴿ابتدعوها﴾ أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها(١٠) من غير أن يكون لهم فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها(١١) فاعتزلوا لأجلها الناس، وانقطعوا في الجبال على الاستئناس، وكانت لهم بذلك(١٢) أخبار شائعة في النواحي والأمصار، وفي التقديم على العامل سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم في لفظ الابتداع أن لا صنع لله فيها ﴿ما كتبناها﴾ أي فرضناها بعظمتنا(١٣) ﴿عليهم﴾ في كتابهم ولا على(١٤) لسان رسولهم ﴿إلا﴾ أي لكن(١٥) ابتدعوها ﴿ابتغاء﴾ أي لأجل تكليفهم أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال على ﴿رضوان الله﴾ أي الرضا العظيم من الملك الأعظم، وساق المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله، وأنه ما ترك فرضها عليهم إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها، وأنه صيرها بعد إلزامهم(١٦) بها كالمكتوبة، فيكون التقدير حينئذ : إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام، قال(١٧) الإمام أبو القاسم عبد الرحمن(١٨) بن عبد(١٩) الله بن عبد الحكم المصري في كتابه " فتوح مصر والمغرب " (٢٠) : فلما أن أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده كما حدثنا هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال : استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليه السلام في(٢١) الرجوع إلى أهلهم(٢٢) ومالهم بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا مع رؤوس الجبال، فكانوا أول من ترهب، وكان يقال لهم الشيعة، وبقيت(٢٣) طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله عز وجل، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه السلام.
ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن عليائها قال :﴿فما رعوها﴾ أي حفظوها كلهم بحفظ من هو مرتاع من خوف ضياعها ﴿حق رعايتها﴾ بصون العناية في رعاية الأعمال والأحوال والأقوال، فصون الأعمال توفيرها لتحقيرها من غير التفات إليها، ورعاية الأحوال عند الاجتهاد من أتاه والحال دعوى، ورعاية الوقت الوقوف مع حضور على بساط شهود الجلال - ذكره الرازي. بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم عن عالي مداها، وانحطوا عن شامخ ذراها، هذا تنفير عظيم عن البدع، وحث شديد على لزوم ما سنه الله وشرع، وتحذير(٢٤) من التشديد، فإنه لن يشادّ(٢٥) الدين أحد إلا غلبه وهو الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق من الدين بالاتحاد والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن (٢٦)التشديد والتعمق(٢٧) خير لأن الشارع الذي أحاط علماً بما لم يحط به نهى عنه، وقد أفادت التجربة أنه قد يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير، فكان داعياً لكثير منهم إلى دار البوار، وفيه أيضاً حث عظيم على المداومة على ما اعتيد من الأعمال الصالحة خصوصاً، ما عمل النبي ﷺ (٢٨)عملاً إلا(٢٩) دوام عليه، وكان ينهى عن التعمق في الدين، ويأمر بالرفق(٣٠) والقصد.
ولما كانت متابعة النفس في التقصير بالإفراط أو(٣١) التفريط قد توصل إلى المروق(٣٢) من الدين فيوجب(٣٣) الكفر فيحط على الهلاك كله، أشار إلى ذلك بقوله :﴿فآتينا﴾ أي بما لنا من صفات الكمال ﴿الذين آمنوا﴾ أي استمروا على الإيمان الكامل، ولعل في التعبير بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة إلى أن المتعمق بين إيمان وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية فهو في غاية الذم للتعمق(٣٤) والمدح للاقتصاد(٣٥) ﴿منهم﴾ أي من هؤلاء المبتدعين لأنهم رعوها حق رعايتها ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام بإيمانهم بمحمد ﷺ الذي دعا إليه الخروج عن النفس الذي هو روح الرهبانية(٣٦) بموافقتهم لما في كتابهم من البشائر به ﴿أجرهم﴾ أي اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف(٣٧).
ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات راسخة للأنفس، أشار إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال :﴿وكثير منهم﴾ أي هؤلاء الذين ابتدعوا فضيعوا ﴿فاسقون﴾ أي عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها الله تعالى، روى البغوي(٣٨) من طريق الثعلبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال :" من آمن بي فقد رعاها حق رعايتها(٣٩)، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون " انتهى. ومثل هذه الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه عليها لا منه، كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا(٤٠) يفعلون أشياء فإن قررهم النبي ﷺ كانت شرعاً لنا وكنا آخذين لها من تفسيره ﷺ لا منهم، فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى(٤١) أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلاً، كان ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم فأقرهم النبي ﷺ، ولا فرق بين أن يقرره النبي ﷺ بنفسه أو بقواعد شريعته(٤٢)، ومهما كان مقرراً بقواعد شرعه كان عليه أمره، ومهما لم يكن مقرراً بها كان مما(٤٣) ليس عليه أمره فهو رد على قائله، فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة - والله الموفق، وذكر ابن برجان تنزيل هذا الحديث الذي فيه " لتتبعن سنن من كان قبلكم " فذكر أن أصحاب عيسى عليه السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم، وشايعه على ذلك روم ويونان، فضعف أهل الإيمان، فاستذلوهم حتى هربوا إلى البراري، وعملوا الصوامع وابتدعوا الرهبانية، (٤٤)وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه لما توفي رسول الله ﷺ تبعه خلفاؤه بإحسان، فلما مضت الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول الله ﷺ واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان، ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم، وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما واستبيحت مدينة النبي ﷺ ثلاثة أيام، وقتل (٤٥)خيار من فيها(٤٦) فرأى المسلمون العزلة واجبة، فلزموا الزوايا(٤٧) والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد للعدو والنفوس، وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذاً من أحوال أهل الصفة، وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع (٤٨)والصدق(٤٩) والمنازل و(٥٠)الأحوال والمقامات(٥١) فهؤلاء وزان أولئك - والله الموفق.
ذكر ما في الإنجيل من الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على الله التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها : قال متى(٥٢) وغيره وأغلب السياق لمتى : إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع منك فخذ معك(٥٣) واحداً أو اثنين، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة، وإن لم يسمع منهم فقل للبيعة، فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار، الحق أقول لكم، وقال لوقا(٥٤) : انظروا الآن(٥٥) إن أخطأ إليك أخوك فانهه، فإن تاب فاغفر له، فإن أخطأ(٥٦) إليك سبع دفعات(٥٧) في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول لك : أنا تائب، فاغفر له، وقال متى(٥٨) : حينئذ جاء إليه بطرس وقال له : إذا أخطأ إليّ أخي لم أغفر له سبع مرات، قال : ليس أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة، ولهذا يشبه ملكوت السماوات ملكاً أراد أن يحاسب عبيده، فلما بدأ بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه جملة وزنات، ولم يكن معه ما يوفي، فأمر سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما له حتى يوفي، فخر ذلك العبد له(٥٩) ساجداً قائلاً : يا رب، ترأف عليّ تأن، أوفك كل مالك، فتحنن عليه سيده وترك له كل ما عليه، فخرج ذلك العبد فوجد(٦٠) عبداً من أصدقائه عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه وقال : أعطني ما عليك، فخر ذلك العبد على رجليه وطلب إليه(٦١) قائلاً : ترأف عليّ فأنا أعطيك مالك، فأبى ومضى ورتكه في السجن حتى يوفي الدين، فرأى العبد أصحابه فحزنوا عليه جداً(٦٢) وأعلموا سيده بكل ما كان منه، حينئذ دعاه سيده وقال له : أيها العبد الشرير ! كل ما كان عليك تركت بذلك لأنك سألتني، ما كان ينبغي لك أن ترحم ذلك العبد صاحبك كرحمتي إياك، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما عليه، هكذا أبي السماوي يصنع بكم إن لم
١ - زيد من ظ..
٢ - من ظ، وفي الأصل: لها..
٣ - من ظ، وفي الأصل: ولبيينا..
٤ -زيد في ظ: به..
٥ - من ظ، وفي الأصل: اتبعناه..
٦ - من ظ، وفي الأصل: منها..
٧ - من ظ، وفي الأصل: قال..
٨ - زيد في الأصل وظ: في..
٩ - من ظ، وفي الأصل: أمور..
١٠ - من ظ، وفي الأصل: إليها..
١١ - من ظ، وفي الأصل: لا تناها..
١٢ - زيد من ظ..
١٣ - زيد من ظ..
١٤ - من ظ، وفي الأصل: الزامهم..
١٥ - زيد في الأصل: الأصبهاني و، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها..
١٦ - زيد من ظ..
١٧ - من ظ، وفي الأصل: عبد الله..
١٨ - راجع ص: ٤٤..
١٩ - من ظ والفتوح، وفي الأصل: من..
٢٠ - زيد من ظ..
٢١ راجع ص : ٤٤..
٢٢ -زيد في الأصل الرجوع، ولم تكن الزيادة في ظ والفتوح فحذفناها..
٢٣ - في ظ: بقى..
٢٤ - في ظ: تحذيرا..
٢٥ - من ظ، وفي الأصل: أحد الدين..
٢٦ - من ظ، وفي الأصل: التشديد والتعميق..
٢٧ - من ظ، وفي الأصل: التشديد والتعميق..
٢٨ - من ظ، وفي الأصل: من عمل..
٢٩ - من ظ، وفي الأصل: من عمل..
٣٠ - من ظ، وفي الأصل: بالروى..
٣١ - من ظ، وفي الأصل: "و"..
٣٢ - من ظ، وفي الأصل: المعروف..
٣٣ - من ظ، وفي الأصل: توجب..
٣٤ - من ظ، وفي الأصل: للتعميق..
٣٥ - من ظ، وفي الأصل: للاقتصار..
٣٦ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
٣٧ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
٣٨ - راجع معالم التنزيل بهامش اللباب ٧/ ٣٣..
٣٩ - زيد من ظ والمعالم..
٤٠ - زيد من ظ..
٤١ - من ظ، وفي الأصل: على..
٤٢ - في ظ: شرعية..
٤٣ - من ظ، وفي الأصل: بما..
٤٤ - من ظ، وفي الأصل: كان كذلك..
٤٥ - في ظ: فيها خيار المسلمين..
٤٦ - في ظ: فيها خيار المسلمين..
٤٧ - من ظ، وفي الأصل: الزوايا..
٤٨ - من ظن وفي الأصل: بالصدق..
٤٩ - من ظ، وفي الأصل: بالصدق..
٥٠ - من ظ، وفي الأصل: المقامات وأحوال..
٥١ - من ظ، وفي الأصل: المقامات وأحوال..
٥٢ - راجع آية ١٥ فما بعدها من الأصحاح ١٨..
٥٣ - زيد من ظ..
٥٤ - راجع آية ٤ فما بعدها من الأصحاح ١٧..
٥٥ - زيد من ظ..
٥٦ - من ظ، وفي الأصل: اخطأت..
٥٧ - من ظ، وفي الأصل: مرات..
٥٨ - راجع آية ٢١ فما بعدها من الأصحاح ١٨..
٥٩ - زيد من ظ..
٦٠ - من ظ، وفي الأصل: فوجدا..
٦١ - زيد من ظ..
٦٢ -زيد من ظ..
٢ - من ظ، وفي الأصل: لها..
٣ - من ظ، وفي الأصل: ولبيينا..
٤ -زيد في ظ: به..
٥ - من ظ، وفي الأصل: اتبعناه..
٦ - من ظ، وفي الأصل: منها..
٧ - من ظ، وفي الأصل: قال..
٨ - زيد في الأصل وظ: في..
٩ - من ظ، وفي الأصل: أمور..
١٠ - من ظ، وفي الأصل: إليها..
١١ - من ظ، وفي الأصل: لا تناها..
١٢ - زيد من ظ..
١٣ - زيد من ظ..
١٤ - من ظ، وفي الأصل: الزامهم..
١٥ - زيد في الأصل: الأصبهاني و، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها..
١٦ - زيد من ظ..
١٧ - من ظ، وفي الأصل: عبد الله..
١٨ - راجع ص: ٤٤..
١٩ - من ظ والفتوح، وفي الأصل: من..
٢٠ - زيد من ظ..
٢١ راجع ص : ٤٤..
٢٢ -زيد في الأصل الرجوع، ولم تكن الزيادة في ظ والفتوح فحذفناها..
٢٣ - في ظ: بقى..
٢٤ - في ظ: تحذيرا..
٢٥ - من ظ، وفي الأصل: أحد الدين..
٢٦ - من ظ، وفي الأصل: التشديد والتعميق..
٢٧ - من ظ، وفي الأصل: التشديد والتعميق..
٢٨ - من ظ، وفي الأصل: من عمل..
٢٩ - من ظ، وفي الأصل: من عمل..
٣٠ - من ظ، وفي الأصل: بالروى..
٣١ - من ظ، وفي الأصل: "و"..
٣٢ - من ظ، وفي الأصل: المعروف..
٣٣ - من ظ، وفي الأصل: توجب..
٣٤ - من ظ، وفي الأصل: للتعميق..
٣٥ - من ظ، وفي الأصل: للاقتصار..
٣٦ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
٣٧ - سقط ما بين الرقمين من ظ..
٣٨ - راجع معالم التنزيل بهامش اللباب ٧/ ٣٣..
٣٩ - زيد من ظ والمعالم..
٤٠ - زيد من ظ..
٤١ - من ظ، وفي الأصل: على..
٤٢ - في ظ: شرعية..
٤٣ - من ظ، وفي الأصل: بما..
٤٤ - من ظ، وفي الأصل: كان كذلك..
٤٥ - في ظ: فيها خيار المسلمين..
٤٦ - في ظ: فيها خيار المسلمين..
٤٧ - من ظ، وفي الأصل: الزوايا..
٤٨ - من ظن وفي الأصل: بالصدق..
٤٩ - من ظ، وفي الأصل: بالصدق..
٥٠ - من ظ، وفي الأصل: المقامات وأحوال..
٥١ - من ظ، وفي الأصل: المقامات وأحوال..
٥٢ - راجع آية ١٥ فما بعدها من الأصحاح ١٨..
٥٣ - زيد من ظ..
٥٤ - راجع آية ٤ فما بعدها من الأصحاح ١٧..
٥٥ - زيد من ظ..
٥٦ - من ظ، وفي الأصل: اخطأت..
٥٧ - من ظ، وفي الأصل: مرات..
٥٨ - راجع آية ٢١ فما بعدها من الأصحاح ١٨..
٥٩ - زيد من ظ..
٦٠ - من ظ، وفي الأصل: فوجدا..
٦١ - زيد من ظ..
٦٢ -زيد من ظ..