محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٧ من سورة الحديد في ١٠٧ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٧ من سورة الحديد

١٠٧ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿ثُمّ قَفّيْنَا عَلَىَ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : ثم أتبعنا على آثارهم برسلنا الذين أرسلناهم بالبيّنات على آثار نوح إبراهيم برسلنا، وأتبعنا بعيسى ابن مريم وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ يعني : الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته رأَفَةً وهو أشدّ الرحمة وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها يقول : أحدثوها ما كَتَبَناها عَلَيْهِمْ يقول : ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم إلاّ ابْتِغاءِ رِضْوَانِ اللّهِ يقول : لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فَمَا رَعَوْها حَقّ رِعايَتِها.
واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، فقال بعضهم : هم الذين ابتدعوها، لم يقوموا بها، ولكنهم بدّلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى : فتنصّروا وتهوّدوا.
وقال آخرون : بل هم قوم جاؤوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حقّ رعايتها، لأنهم كانوا كفارا ولكنهم قالوا : نفعل كالذي كانوا يفعلون من ذلك أوّليا، فهم الذين وصف الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها.
وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الأحرف إلى الموضع الذي ذكرنا أن أهل التأويل فيه مختلفون في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الّذِينَ اتّبَعُوه رأفَةً ورحْمَةً فهاتان من الله، والرهبانية ابتدعها قوم من أنفسهم، ولم تُكتب عليهم، ولكن ابتغوا بذلك وأرادوا رضوان الله، فما رعوها حقّ رعايتها، ذُكر لنا أنهم رفضوا النساء، واتخذوا الصوامع.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة وَرهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها قال : لم تُكتب عليهم، ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ قال فلم ؟ قال : ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوّعا، فما رَعوْها حقّ رعايتها. ذكر من قال : الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها كانوا غير الذين ابتدعوها. ولكنهم كانوا المريدي الاقتداء بهم.
حدثنا الحسين بن الحريث ( أبو عمار المَرْوَزِيّ ) قال : حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : كانت ملوك بعد عيسى بدّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل، فقيل لملكهم : ما نجد شيئا أشدّ علينا من شتم يشتُمناه هؤلاء أنهم يقرأون وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهَ فأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ هؤلاء الآيات مع ما يعيبوننا به في قراءتهم، فادعهم فليقرأوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا به، قال : فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدّلوا منها، فقالوا : ما تريدون إلى ذلك فدعونا قال : فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نردّ عليكم، وقالت طائفة منهم : دعونا نسيح في الأرض، ونهيم ونشرب كما تشرب الوحوش، فإن قدرتم علينا بأرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة : ابنوا لنا دورا في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، فلا نردّ عليكم، ولا نمرّ بكم، وليس أحد من أولئك إلا وله حميم فيهم قال : ففعلوا ذلك، فأنزل الله جلّ ثناؤه وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوَانِ اللّهِ فَما رَعَوْها حَق رِعايَتِها الآخرون قالوا : نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان. ونتخذ دورا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم قال : فلما بعث النبيّ ﷺ ولم يبق منهم إلا قليل، انحطّ رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وجاء صاحب الدار من داره، وآمنوا به وصدّقوه، فقال الله جلّ ثناؤه يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا الله وآمَنُوا برسوله يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْن مِنْ رَحْمَتِهِ قال : أجرين لإيمانهم بعيسى، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم به. قال وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورا تَمْشُونَ بِهِ القرآن، واتباعهم النبيّ ﷺ وقال : لِئَلاّ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللّهِ وأنّ الفَضْلَ بِيَدٍ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال : حدثنا داود بن المحبر، قال : حدثنا الصعق بن حزن، قال : حدثنا عقيل الجعديّ، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن سويد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود، قال : قال رسول الله ﷺ :«اخْتَلَفَ مَنْ كانَ قَبْلَنا على إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، نَجا مِنْهُمْ ثَلاثٌ وَهَلَكَ سائِرُهُمْ : فِرْقَةٌ مِنَ الثّلاثِ وَازَتِ المُلُوكَ وَقاتَلَتْهُمْ على دِينِ اللّهِ وَدِينِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طاقَةٌ بِموَازَاة المُلُوكِ، فأقامُوا بَينَ ظَهْرَانيْ قَوْمِهِمْ يَدْعُونَهُمْ إلى دِينِ اللّهِ وَدِينِ عِيَسى ابن مَرْيَم صَلَوَاتُ اللّهُ عَلَيْهِ، فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ، وَنَشَرْتهُمْ بالمِناشِير وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طاقَةٌ بِمُوَازَاةِ المُلُوكِ، وَلا بالمُقام بَينَ ظَهْرَانِي قَوْمِهِمْ يَدْعُوَنَهُمْ إلى دِينِ اللّه وَدِينِ عِيسَى صَلَواتُ اللّهُ عَلَيْهِ، فَلَحِقُوا بالبَرَارِي والجِبالِ، فَتَرَهّبُوا فِيها » فَهُوَ قَوْلُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ قال :«ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله » فَمَا رَعَوْها حَقّ رِعايَتِها قال :«ما رعاها الذين من بعدهم حقّ رعايتها » فآتَيْنا الّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ قال :«وهم الذين آمنوا بي، وصدّقوني ». قال وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ قال :«فهم الذين جحدوني وكذّبوني ».
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها قال الاَخرون ممن تعبد من أهل الشرك، وفني من فني منهم، يقولون : نتعبّد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، وهم في شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم. ذكر من قال : الذين لم يرعوها حقّ رعايتها : الذين ابتدعوها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَجَعَلْنا فِي قُلُوب الّذِينَ اتّبَعُوهُ رأفَةً وَرَحْمَةً. . . إلى قوله : حَقّ رِعايِتها يقول : ما أطاعوني فيها، وتكلّموا فيها بمعصية الله، وذلك أن الله عزّ وجلّ كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمدا ﷺ، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا قليل، وكثر أهل الشرك وذهب الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران، فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله عزّ وجلّ ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانية وباليهودية، فلم يرعوها حقّ رعايتها وثبتت طائفة على دين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، حين جاءهم بالبينات وبعث الله عزّ وجلّ محمدا رسولاً ﷺ وهم كذلك فذلك قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْن مِنْ رَحْمَتِهِ. إلى وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُواها ما كَتَبْناها عَلَيْهمْ كان الله عزّ وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمد ﷺ فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا القليل، وكثر أهل الشرك، وانقطعت الرسل، اعتزلوا الناس، فصاروا في الغيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيرت طائفة منهم، فتركوا دين الله وأمره وعهده الذي عهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعوا النصرانية واليهودية، فقال الله عزّ وجلّ لهم : ما رَعَوْها حَقّ رِعايَتِها وثبتت طائفة منهم على دين عيسى صلوات الله عليه، حتى بَعث الله محمدا ﷺ، فآمنوا به.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا زكريا بن أبي مريم، قال : سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول : إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فلم يرعوها حقّ رعايتها، فعابهم الله بتركها، فقال : وَرَهْبانِيّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوَانِ اللّهِ فَما رَعَوْها حَقّ رِعايتِها.
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال : إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم قال : فدلّ بذلك على أن منهم من قد رعاها حقّ رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك لم يكن مستحقّ الأجر الذي قال جلّ ثناؤه : فآتَيْنا الّذِينَ آمَنوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ إلا أن الذين لم يرعوها حقّ رعايتها ممكن أن يكونوا كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها، فجائز في كلام العرب أن يقال : لم يرعها القوم على العموم. والمراد منهم البعض الحاضر، وقد مضى نظير ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
وقوله : فآتَيْنا الّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ يقول تعالى ذكره : فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على ابتغائهم رضوان الله، وإيمانهم به وبرسوله في الآخرة، وكثير منهم أهل معاص، وخروج عن طاعته، والإيمان به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد فآتَيْنا الّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ قال : الذين رعوا ذلك الحقّ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقوله: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) يقول تعالى ذكره: ليعمل الناس بينهم بالعدل.
وقوله: (وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) يقول تعالى ذكره: وأنزلنا لهم الحديد فيه بأس شديد، يقول: فيه قوّة شديدة، ومنافع للناس، وذلك ما ينتفعون به منه عند لقائهم العدوّ، وغير ذلك من منافعه.
وقد حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن علباء بن أحمر، عن عكرِمة عن ابن عباس، قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم صلوات الله عليه: السندان والكلبتان، والميقعة، والمطرقة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) قال: البأس الشديد: السيوف والسلاح الذي يقاتل الناس بها، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) بعد، يحفرون بها الأرض والجبال وغير ذلك.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: قوله: (وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) وجنُة وسلاح، وأنزله ليعلم الله من ينصره.
وقوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) يقول تعالى ذكره: أرسلنا رسلنا إلى خلقنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليعدلوا بينهم، وليعلم حزب الله من ينصر دين الله ورسله بالغيب منه عنهم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) يقول تعالى ذكره: إن الله قويّ على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره ونهيه، عزيز في انتقامه منهم، لا يقدر أحد على الانتصار منه مما أحلّ به من العقوبة.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ

وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) }
يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا أيها الناس نوحا إلى خلقنا، وإبراهيم خليله إليهم رسولا (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ)، وكذلك كانت النبوّة في ذرّيتهما، وعليهم أنزلت الكتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وسائر الكتب المعروفة (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ) يقول: فمن ذرّيتهما مهتد إلى الحقّ مستبصر، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ) يعني: من ذرّيتهما (فَاسِقُونَ) يعني ضُلال، خارجون عن طاعة الله إلى معصيته.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾
يقول تعالى ذكره: ثم أتبعنا على آثارهم برسلنا الذين أرسلناهم بالبينات على آثار نوح وإبراهيم برسلنا، وأتبعنا بعيسى ابن مريم، (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) يعني: الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته، (رَأْفَةٌ) وهو أشدّ الرحمة، (وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) يقول: أحدثوها (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) يقول: ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم، (إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) يقول: لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا).
واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، لم يقوموا بها، ولكنهم بدّلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى، فتنصروا وتهوّدوا.
وقال آخرون: بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها، فلم يرعوها حقّ رعايتها، لأنهم كانوا كفارا، ولكنهم قالوا: نفعل كالذي كانوا يفعلون من ذلك أوّليًّا، فهم الذين وصف الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها.
وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الأحرف، إلى الموضع الذي ذكرنا أن أهل التأويل فيه مختلفون في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) فهاتان من الله، والرهبانية ابتدعها قوم من أنفسهم، ولم تُكتب عليهم، ولكن ابتغوا بذلك وأرادوا رضوان الله، فما رعوها حقّ رعايتها، ذُكر لنا أنهم رفضوا النساء، واتخذوا الصوامع.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) قال: لم تُكتب عليهم، ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) قال: فلم؟ قال: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوّعا، فما رَعوها حقّ رعايتها.
ذكر من قال: الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها كانوا غير الذين ابتدعوها. ولكنهم كانوا المريدي الاقتداء بهم.
حدثنا الحسين بن الحريث [أبو عمار المَرْوزِيّ] قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت ملوك بعد عيسى بدّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل، فقيل لملكهم: ما نجد شيئا أشدّ علينا من شتم يشتُمناه هؤلاء، أنهم يقرءون (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) هؤلاء الآيات، مع ما يعيبوننا به في قراءتهم، فادعهم فليقرءوا كما
نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا به، قال: فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك فدعونا؛ قال: فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نردّ عليكم، وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض، ونهيم ونشرب كما تشرب الوحوش، فإن قدرتم علينا بأرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، فلا نردّ عليكم، ولا نمرّ بكم، وليس أحد من أولئك إلا وله حميم فيهم؛ قال: ففعلوا ذلك، فأنزل الله جلّ ثناؤه (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)، الآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم؛ قال: فلما بعث النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يبق منهم إلا قليل، انحطّ رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وجاء صاحب الدار من داره، وآمنوا به وصدّقوه، فقال الله جلّ ثناؤه (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: أجرين لإيمانهم بعيسى، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وتصديقهم به. قال: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) : القرآن، وإتباعهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقال (لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا داود بن المحبر، قال: ثنا الصعق بن حزن، قال: ثنا عقيل الجعدّي، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن سويد ين غفلة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "اخْتَلَفَ مَنْ كانَ قَبْلَنا على إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، نَجا مِنْهُمْ ثَلاثُ وَهَلَكَ سائِرُهُمْ: فِرْقَةٌ مِنَ الثَّلاثِ وَازَتِ المُلُوكَ وََقاتَلَتْهُمْ على دِينِ اللهِ ودِين
عيسَى ابنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ؛ وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طاقَةٌ بِمُوَازَاة المُلُوكِ، فأقامُوا بَينَ ظَهْرَانِيْ قَوْمَهِمْ يَدْعُونَهُمْ إلى دِينِ اللهِ ودِينِ عيسى ابن مَرْيم صَلَواتُ اللهُ عَليْه، فَقَتَلَتْهُمُ المُلُوكُ، وَنَشَرَتَهُمْ بالمَناشِير؛ وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طاقَةٌ بِمُوَازَاةِ المُلُوكِ، وَلا بالمُقام بَينَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِمْ يَدْعُونَهُمْ إلى دينِ اللهِ ودِينِ عيسَى صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، فَلَحِقُوا بالبَرَارِي والجبالِ، فَتَرَهَّبُوا فيها، فَهُوَ قَوْل اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) قال: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) قال: ما رعاها الذين من بعدهم حقَّ رعايتها، (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) قال: وهم الذين آمنوا بي، وصدّقوني. قال (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) قال: وفهم الذين جحدوني وكذّبوني.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا)، قال الآخرون: ممن تعبد من أهل الشرك، وفني من فني منهم، يقولون: نتعبَّد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، وهم في شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم.
* ذكر من قال: الذين لم يرعوها حق رعايتها: الذين ابتدعوها.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً).... إلى قوله: (حَقَّ رِعَايَتِهَا) يقول: ما أطاعوني فيها، وتكلَّموا فيها بمعصية الله، وذلك أن الله عزّ وجلّ كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا قليل، وكثر أهل الشرك، وذهب الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران، فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله عزّ وجلّ ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانية وباليهودية، فلم يرعوها حقّ رعايتها، وثبتت طائفة على دين
عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، حين جاءهم بالبينات، وبعث الله عزّ وجلّ محمدا رسولا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهم كذلك، فذلك قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)... إلى (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) : كان الله عزّ وجلّ كتب عليهم القتال قيل أن يبعث محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا القليل، وكثر أهل الشرك، وانقطعت الرسل، اعتزلوا الناس، فصاروا في الغيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيرت طائفة منهم، فتركوا دين الله وأمره، وعهده الذي عهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعدوا النصرانية واليهودية، فقال الله عزّ وجلّ لهم: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)، وثبتت طائفة منهم على دين عيسى صلوات الله عليه، حتى بعث الله محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فآمنوا به.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال ثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فلم يرعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها، فقال: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا).
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم؛ قال: فدلّ بذلك على أن منهم من قد رعاها حقّ رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك، لم يكن مستحقّ الأجر الذي قال جلّ ثناؤه: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ)، إلا أن الذين لم

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وهم الحواريون ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ أي : رأفة وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق.
وقوله :﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ أي : ابتدعتها أمة النصارى ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي : ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم.
وقوله :﴿إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ فيه قولان، أحدهما : أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير، وقتادة. والآخر : ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.
وقوله :﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي : فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما : في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني : في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله، عز وجل.
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي بن عبدويه(١) حدثنا بُكَيْر بن معروف، عن مُقاتِل بن حَيَّان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده بن مسعود قال : قال لي رسول الله ﷺ :" يا ابن مسعود ". قلت : لبيك يا رسول الله. قال :" هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة ؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم، عليه السلام، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقُتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت. ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكرهم الله، عز وجل :﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (٢)
وقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى فقال : حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصَّعِق بن حَزْن، حدثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سُوَيْد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :" اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم. . . " وذكر نحو ما تقدم، وفيه :" ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ هم الذين آمنوا بي وصدقوني ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهم الذين كذبوني وخالفوني " (٣)
ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر، فإنه أحد الوضاعين للحديث، ولكن(٤) قد أسنده أبو يعلى، وسنده(٥) عن شيبان بن فَرُّوخ، عن الصَّعِق بن حَزْن، به مثل ذلك (٦) فقوي الحديث من هذا الوجه.
وقال ابن جرير، وأبو عبد الرحمن النسائي - واللفظ له - : أخبرنا الحسين بن حُرَيْث، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، رضي الله عنهما(٧) قال : كان ملوك بعد عيسى، عليه السلام، بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم : ما نجد شيئًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرؤون :﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، هذه (٨) الآيات، مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا. فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدلوا منها، فقالوا : ما تريدون إلى ذلك ؟ دعونا : فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم. وقالت طائفة : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة : ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبار ونحترث(٩) البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم. وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك فأنزل الله، عز وجل :﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ والآخرون قالوا : نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم(١٠) فلما بُعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل، انحط منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله، عز وجل :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أجرين بإيمانهم بعيسى ابن مريم والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم قال(١١) ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] : القرآن، واتباعهم النبي ﷺ قال :﴿لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الذين يتشبهون بكم ﴿أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١٢)
هذا السياق فيه غرابة، وسيأتي تفسير هاتين الآيتين الأخريين على غير هذا، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء : أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة(١٣) كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلم قال : يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تنفلته ؟ قال : إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئًا سهوت عنه، إن رسول الله ﷺ كان يقول :" لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ". ثم غدوا من الغد فقالوا : نركب فننظر ونعتبر قال : نعم فركبوا جميعًا، فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا، خاوية على عروشها فقالوا : تعرف هذه الديار ؟ قال : ما أعرفني بها وبأهلها. هؤلاء أهل الديار، أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف والقدم والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه(١٤)
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعمُر، حدثنا عبد الله، أخبرنا سفيان، عن زيد العَمِّي، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال :" لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل " (١٥)
ورواه الحافظ أبو يعلى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عبد الله بن المبارك به ولفظه :" لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " (١٦)
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين - هو ابن محمد - حدثنا ابن عياش - يعني إسماعيل - عن الحجاج بن مروان(١٧) الكلاعي، وعقيل بن مدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رجلا جاءه فقال : أوصني فقال : سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك، أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض. تفرد به أحمد(١٨)
قد تقدم في رواية النسائي عن ابن عباس : أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين كما في الآية التي في القصص(١٩) وكما في حديث الشعبي عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله ﷺ :" ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مَوَاليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ". أخرجاه في الصحيحين(٢٠)
ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهما، وهو اختيار ابن جرير.
١ - (١) في م: "السندي بن عبد ربه"، وفي أ: "السري بن عبد ربه"..
٢ - (٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/٢١١) من طريق هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن بكير بن معروف به نحوه، وبكير بن معروف متكلم فيه..
٣ - (٣) تفسير الطبري (٢٧/١٣٨)..
٤ - (٤) في م: "ولكن"..
٥ - (١) في أ: "في مسنده"..
٦ - (٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/٢٧٢) من طريق محمد الحضرمي، عن شيبان به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٨٠) من طريق عبد الرحمن بن المبارك، عن الصعق بن حزن به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي. قلت: "ليس بصحيح، فإن فيه الصعق بن حزن، عن عقيل بن يحيى، والصعق وإن كان موثقًا، فإن شيخه قال فيه البخاري: منكر الحديث"..
٧ - (٣) في م، أ: "عنه"..
٨ - (٤) في م، أ: "هؤلاء"..
٩ - (٥) في م: "ونحرث"..
١٠ - (٦) في م: "به"..
١١ - (٧) في م: "كما قال"..
١٢ - (٨) تفسير الطبري (٢٧/١٣٨) وسنن النسائي (٨/٢٣١)..
١٣ - (١) في أ، م "خفيفة وقعة"..
١٤ - (٢) مسند أبي يعلى (٦/٣٦٥)..
١٥ - (٣) المسند (٣/٢٦٦) وفيه زيد العمي ضعيف..
١٦ - (٤) مسند أبي يعلى (٧/٢١٠)..
١٧ - (٥) في م: "هارون"..
١٨ - (٦) المسند (٣/٨٢) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٢١٥): "رجال أحمد ثقاب"..
١٩ - (٧) عند تفسير الآية: ٥٤..
٢٠ - (١) صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤)..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ أي : أتبعنا ﴿عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خص الله عيسى عليه السلام ؛ لأن السياق مع النصارى، الذين يزعمون اتباع عيسى عليه السلام، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ الذي هو من كتب الله الفاضلة، ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ كما قال تعالى :﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيات.
ولهذا كان النصارى ألين من غيرهم قلوبا، حين كانوا على شريعة عيسى عليه السلام.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ والرهبانية : العبادة، فهم ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على أنفسهم، والتزموا لوازم ما كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قصدهم بذلك رضا الله تعالى، ومع ذلك ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي : ما قاموا بها ولا أدوا حقوقها، فقصروا من وجهين : من جهة ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه على أنفسهم. فهذه الحال هي الغالب من أحوالهم.
ومنهم من هو مستقيم على أمر الله، ولهذا قال :﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي : الذين آمنوا بمحمد ﷺ، مع إيمانهم بعيسى، كل أعطاه الله على حسب إيمانه ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٥-٢٧} ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته.
﴿وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود [والمواريث وغير ذلك]، وذلك ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال، ﴿وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ من آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضروريا.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: لا يعجزه شيء، ولا يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب، وقرن تعالى في هذا (١) الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، -[٨٤٣]- وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله.
ولما ذكر نبوة الأنبياء عموما، ذكر من خواصهم النبيين الكريمين نوحا وإبراهيم اللذين جعل الله النبوة والكتاب في ذريتهما، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ أي: الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كلهم من ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام، وكذلك الكتب كلها نزلت على ذرية هذين النبيين الكريمين، ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: ممن أرسلنا إليهم الرسل ﴿مُهْتَدٍ﴾ بدعوتهم، منقاد لأمرهم، مسترشد بهداهم.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن [طاعة الله و] طاعة الرسل والأنبياء (٢) كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا ﴿عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خص الله عيسى عليه السلام؛ لأن السياق مع النصارى، الذين يزعمون اتباع عيسى عليه السلام، ﴿وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ﴾ الذي هو من كتب الله الفاضلة، ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيات.
ولهذا كان النصارى ألين من غيرهم قلوبا، حين كانوا على شريعة عيسى عليه السلام.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ والرهبانية: العبادة، فهم ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على أنفسهم، والتزموا لوازم ما كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قصدهم بذلك رضا الله تعالى، ومع ذلك ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: ما قاموا بها ولا أدوا حقوقها، فقصروا من وجهين: من جهة ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه على أنفسهم. فهذه الحال هي الغالب من أحوالهم.
ومنهم من هو مستقيم على أمر الله، ولهذا قال: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع إيمانهم بعيسى، كل أعطاه الله على حسب إيمانه ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
(١) في ب: بهذا.
(٢) في ب: طاعة رسله.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٧ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم
أَتْبَعْنَاهُمْ، وَبَعَثْنَا بَعْدَهُمْ.
وَرَهْبَانِيَّةً
غُلُوًّا فِي التَّعَبُّدِ.
مَا كَتَبْنَاهَا
مَا فَرَضْنَاهَا.
ابْتِغَاءَ
فَعَلُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ يَطْلُبُونَ ...
فَمَا رَعَوْهَا
مَا قَامُوا بِهَا حَقَّ القِيَامِ، بَلْ بَدَّلُوا وَخَالَفُوا.

إعراب الآية ٢٧ من سورة الحديد

من كتاب: إعراب القرآن

مرفوعا بالابتداء ودلّ على خبره ما بعده من الشرط والمجازاة لأنه في معناه. ويجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من كلّ أو بمعنى أعني. وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي الغني عن خلقه وعما ينفقونه، الحميد إليهم بإنعامه عليهم. ومن قرأ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «١» جعل «هو» زائدة فيها معنى التوكيد أو مبتدأ، وما بعدها خبرا، والجملة خبر «إن».

[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٥]

لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ أي بالدلائل والحجج وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ أي بالأحكام والشرائع. وَالْمِيزانَ قال ابن زيد، هو الميزان الذي يتعامل الناس به، وقال قتادة: الميزان الحق لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ منصوب بلام كي، وحقيقته أنها بدل من «أن». وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ أي للناس فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قال ابن زيد: البأس الشديد السلاح والسيوف يقاتل الناس بها، قال: والمنافع التي يحفر بها الأرضون والجبال. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ معطوف على الهاء. بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ أي قويّ على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة عزيز في انتقامه منه لأنه لا يمنعه منه مانع.

[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٦]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ إلى قومهما. وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ أي متّبع لطريق الهدى مستبصر. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي خارجون إلى الكفر والمعاصي.

[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٧]

ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا أي أتبعنا، ويكون الضمير يعود على الذريّة أو على نوح وإبراهيم عليهما السلام لأن الاثنين جمع وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي أتبعنا.
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يروى أنه نزل جملة. وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً
(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٤، وتيسير الداني ١٦٩، (قرأ ابن عامر ونافع بغير هو، والباقون بزيادة هو).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٧ من سورة الحديد

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

١٧١ - قال اللَّه تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كانت ملوك بعد عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة، قيل لملوكهم: ما نجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء إنهم يقرؤون: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وهؤلاء الآيات مع ما يعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرؤا كما نقرا وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانةً ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نَرِدُ عليكم، وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دورًا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نَرِدُ عليكم ولا نمر بكم وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم قال: ففعلوا ذلك
فأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا به، فلما بعث الله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يبق منهم إلا قليل انحطَّ رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة، والإنجيل وبإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتصديقهم. قال: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) القرآن واتباعهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) يتشبهون بكم (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر هذا الحديث عدد من المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير.
وسياق العلماء لهذا الحديث من قبيل التفسير لا من باب أسباب النزول إذ لم يشيروا إلى أن هذا الحديث سبب نزولها.
والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ليس سبباً للنزول لما يلي:
١ - أن إسناد الحديث ضعيف لما فيه من الغرابة، مع كون أحد رواته منكر الحديث.
٢ - أن القصة ظاهرة أنها في أتباع عيسى - عليه الصلاة والسلام - فكيف ينزل في شأن هؤلاء آيات على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟
نعم إن كان هذا من باب القصص عن الأمم الخالية فهو كثير في القرآن، أما السببية فلا.
٣ - أن بعض المفسرين الذين ذكروا روايات الحديث كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير قد خلت بعض رواياتهم من ذكر النزول إنما فيها (فذلك قول اللَّه تعالى) (فهم الذين ذكرهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ولم يذكروا النزول.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سببًا للنزول لضعف إسناده، وعدم مناسبته لسياق القرآن، مع أن المفسرين ساقوه مساق التفسير والله أعلم.
* * * * *
سورة المجادلة

القراءات في الآية ٢٧ من سورة الحديد

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

ءَاثَارِهِم

بثلاثة البدل وتقليل الألف الثانية واسكان الميم

ورش عن نافع

بقصر البدل وإمالة الألف الثانية واسكان الميم

الدوري عن الكسائي السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

بقصر البدل وفتح الألف الثانية واسكان الميم

قالون عن نافع رويس عن يعقوب أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة روح عن يعقوب حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

بقصر البدل وفتح الألف الثانية وصلة الميم

قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير

بِرُسُلِنَا

(بِرُسْلِنَا) بإسكان السين

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(بِرُسُلِنَا) بضم السين

الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر قالون عن نافع شعبة عن عاصم روح عن يعقوب ورش عن نافع حفص عن عاصم إدريس عن خلف خلف عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة هشام عن ابن عامر البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر إسحاق عن خلف رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير

رِضْوَانِ

(رُضْوَانِ) بضم الراء

شعبة عن عاصم

(رِضْوَانِ) بكسر الراء

الدوري عن الكسائي حفص عن عاصم رويس عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي قالون عن نافع خلاد عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير إسحاق عن خلف خلف عن حمزة إدريس عن خلف الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع روح عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر البزي عن ابن كثير هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو

عَلَيْهِمْ إِلاَّ

(عَلَيْهُمْ) بضم الهاء واسكان الميم دون سكت

خلاد عن حمزة روح عن يعقوب رويس عن يعقوب خلف عن حمزة

(عَلَيْهُمْ) بضم الهاء واسكان الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة

(عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء واسكان الميم دون سكت

إسحاق عن خلف إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قالون عن نافع

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(عَلَيْهِمُ) بكسر الهاء وصلة الميم ومدها حركتين

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة الحديد، الآيةُ ٢٧ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

٢٧ الكوفيّ المرجِع
٢٦ المدَنيَّان والمكِّيّ والدِمَشقيّ
٢٦–٢٧ البصريّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

في أثنائها ﴿ الإنجيل

يَعُدُّه رأسَ آية

البصريّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ الكوفيّ الدِمَشقيّ

﴿الإنجيل﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه البصريّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ والدِمَشقيّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٣ قولًا
١
عن يحيى بن سلّام -من طريق أحمد- في قوله: ﴿رأفةً ورحمةً﴾ قال: ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ لم يكتبها اللهُ عليهم، ولكن ابتدعوها ليتقرّبوا بها إلى الله عز وجل. قال يحيى: ففرضها اللهُ عليهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عمرو الداني في المكتفى ص٢١٣ رقم (٣٧).
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلف في الذين لم يرعَوا الرّهبانيّة حقّ رعايتها على قولين: الأول: أنهم هم الذين ابتدعوها. الثاني: أنهم الذين اتّبعوا مبتدعي الرّهبانيّة في رهبانيتهم. وعلَّق ابنُ عطية (٨/٢٤٠) على القول الأول الذي قاله ابن عباس، من طريق العَوفيّ، والضَّحّاك، وأبو أمامة الباهلي، وابن زيد، بقوله: «والكلام سائغ، وإن كان فيهم من رعى، أي: لم يرعوها بأجمعهم، وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتنفل وتطوع، وأنه يلزمه أن يرعاه حقّ رعايته». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤٣٣) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، فقال: «وذلك أنّ الله -جلّ ثناؤه- أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم؛ قال: فدلّ بذلك على أنّ منهم مَن قد رعاها حقّ رعايتها، فلو لم يكن منهم مَن كان كذلك لم يكن مستحقّ الأجر الذي قال -جل ثناؤه-: ﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم﴾». ثم قال بجواز دخول القولين تحت عموم الآية، فقال: «إلا أنّ الذين لم يرعَوها حقّ رعايتها ممكن أن يكون كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم؛ لأنّ الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعَوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يَرْعها القوم على العموم، والمراد منهم البعض الحاضر».
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ يقول: أعطينا الذين صدقوا ﴿أجْرَهُمْ﴾ يعني: جزاءهم، وهو الجنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٤٧.
٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ أجْرَهُمْ﴾، قال: الذين رَعَوْا ذلك الحقَّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٤.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا﴾ يعني: أتْبعنا ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ من بعدهم، يعني: من بعد نوح وإبراهيم وذريتهما ﴿بِرُسُلِنا﴾ في الأمم، ﴿وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يقول: وأتْبعنا بعيسى ابن مريم، ﴿وآتَيْناهُ﴾ يعني: وأعطيناه ﴿الإنْجِيلَ﴾ في بطن أُمِّه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٤٦-٢٤٧.
٥
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله». قلتُ: لبّيك، يا رسول الله. ثلاث مرات، قال: «هل تدري أيَّ عُرى الإيمان أوثق؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «أوثق عرى الإيمان: الولاية في الله؛ بالحُبّ فيه، والبُغض فيه». قال: «هل تدري أيّ الناس أفضل؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم؟ قال: «أفضل الناس أفضلهم عملًا إذا فَقُهوا في دينهم. يا عبد الله، هل تدري أيّ الناس أعلم؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ أعلم الناس أبصرهم بالحقّ إذا اختلف الناس، وإن كان مُقصِّرًا بالعمل، وإن كان يزحف على اسْتِه، واختلف مَن كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرها؛ فرقةٌ وازتِ الملوك، وقاتلَتْهم على دين الله وعيسى ابن مريم حتى قُتلوا، وفرقةٌ لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال، وترهّبوا فيها، وهم الذين قال الله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ أجْرَهُمْ﴾ هم الذين آمنوا بي وصدّقوني، ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾ الذين جحدوني وكفروا بي»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٥٢٢ (٣٧٩٠) واللفظ له، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٠- ٤٣١، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏٢٩-، والثعلبي ٩‏/‏٢٤٨.
٦
عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تُشدِّدوا على أنفسكم فيُشدَّد عليكم؛ فإنّ قومًا شدّدوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والدِّيارات: ﴿رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٧‏/‏٢٦٤- ٢٦٥ (٤٩٠٤) مطولًا. قال ابن مفلح في الآداب الشرعية ٢‏/‏٩٥: «إسناد جيد». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٢٥٦ (١٠٥٤٦): «رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، وهو ثقة». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٤‏/‏٢٥٩ (٣٥٢٠): «هذا إسناد صحيح». وقال الألباني في الضعيفة ٧‏/‏٤٦٧ (٣٤٦٨): «ضعيف».
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- قال: كانت ملوكٌ بعد عيسى بدّلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجدُ شيئًا أشدّ مِن شتْمٍ يشتمنا هؤلاء، أنهم يقرؤون: ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعُهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنّا، فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتْل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعُونا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أُسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطُونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نَرِد عليكم. وقالت طائفة: دعُونا نسيح في الأرض ونهِيم، ونأكل مما تأكل منه الوحوش، ونشرب كما تشرب، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دُورًا في الفيافي، ونحتَفر الآبار، ونحْرُث البُقول، فلا نَرِد عليكم، ولا نمرُّ بكم. وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك؛ فأنزل الله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، قال: والآخرون ممن تعبَّد مِن أهل الشرك، وفني مَن قد فني منهم، قالوا: نتعبّد كما تعبّد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دُورًا كما اتخذ فلان. وهم على شِركهم لا عِلْم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بُعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل؛ انحطّ صاحبُ الصَّومعة من صومعته، وجاء السائح من سياحته، وصاحب الدَّير مِن دَيره، فآمنوا به وصدّقوه، فقال الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ قال: أجرين؛ بإيمانهم بعيسى، ونَصَب أنفسهم، والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم، ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال: القرآن، واتّباعهم النَّبيَّ ﷺ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي (٥٤١٥)، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣٢، كما أخرجه من طريق عطية بنحوه، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١‏/‏٨٤-٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ كثير (١٣/٤٣٦) على هذا الأثر بقوله: «هذا السياق فيه غرابة». وسيأتي تفسيره لهاتين الآيتين على العموم خلافًا لهذا الأثر.
٨
عن أبي أُمامة الباهلي -من طريق زكريا بن أبي مريم- قال: إنّ الله كتب عليكم صيامَ شهر رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيءٌ ابتدعتموه، فدُوموا عليه، ولا تتركوه؛ فإنّ ناسًا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة، فعابهم الله بترْكها. وتلا هذه الآية: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في فضائل شهر رمضان -موسوعة ابن أبي الدنيا ١‏/‏٣٧٤ (٥٥)-، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٣ بنحوه، ومحمد بن نصر في مختصر قيام الليل (٩٠). وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن مردويه.
٩
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، قال: كان الله عز وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعَث محمدًا ﷺ، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبقَ منهم إلا القليل، وكثر أهل الشّرك، وانقطعت الرسل؛ اعتزلوا الناس، فصاروا في الغِيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيّرت طائفةٌ منهم، فتركوا دين الله وأمره وعهْده الذي عَهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعوا النصرانية واليهودية، فقال الله عز وجل: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، وثبتت طائفةٌ منهم على دين عيسى، حتى بعَث الله محمدًا ﷺ، فآمنوا به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٢-٤٣٣.
١٠
قال الحسن البصري: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ ففرضها الله عليهم حين ابتدعوها١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٥٦-.
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ فهاتان من الله، والرّهبانيّة ابتدعها قومٌ مِن أنفسهم، ولم تُكتب عليهم، ولكن ابتغَوا بذلك، وأرادوا رضوان الله، ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ قال: ذُكِرَ لنا: أنهم رفضوا النساء، واتخذوا الصّوامع١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٢٨. وعزاه السيوطي آخره إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وأخرجه عبد الرزاق مختصرًا من طريق معمر ٢‏/‏٢٧٦، وكذلك ابن جرير ٢٢‏/‏٤٢٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلف في قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى: أنّ الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله. الثاني: أنّ المعنى: أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وذكر ابنُ عطية (٨/٢٤٠) أن مجاهدًا قال: المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله. وعلَّق عليه بقوله: «فـ»كتب«-على هذا- بمعنى: قضى». وانتقد ابنُ القيم القول الأول مستندًا للغة، وظاهر لفظ الآية، فقال: «وهذا فاسد، فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه، كيف وقد أخبر: أنهم هم ابتدعوها؟ فهي مبتدعة غير مكتوبة». وبيّن أنّ قوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء... ﴾ على هذا يكون مفعولًا لأجله. وعلَّق عليه بقوله: «المفعول لأجله يجب أن يكون علة لفعل الفاعل المذكور معه. فيتّحد السبب والغاية، نحو: قمت إكرامًا. فالقائم هو المكرم. وفعل الفاعل هاهنا هو»الكتابة«، و﴿ابتغاء رضوان الله﴾ فِعْلهم لا فعل الله؛ فلا يصلح أن يكون عِلّة لفعل الله، لاختلاف الفاعل». وبنحوه ابنُ تيمية (٦/٢٣٤-٢٣٥)، وزاد فقال: «تخصيص الرّهبانيّة بأنه كتبها ابتغاء رضوان الله دون غيرها تخصيص بغير موجب، فإنّ ما كتبه ابتداء لم يذكر أنه كتبه ابتغاء رضوانه؛ فكيف بالرّهبانيّة؟!». و انتقد ابنُ تيمية (٦/٢٣٥) القول الثاني مستندًا لظاهر الآية، واللغة، فقال: «وأما قول مَن قال: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله. فهذا المعنى لو دل عليه الكلام لم يكن في ذلك مدحٌ للرّهبانيّة، فإنّ مَن فعل ما لم يأمر الله به بل نهاه عنه مع حُسن مقصده غايته أن يُثاب على قصده، لا يثاب على ما نُهي عنه، ولا على ما ليس بواجب ولا مستحبّ، فكيف والكلام لا يدل عليه، فإنّ الله قال: ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ ولم يقل: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله، ولا قال: ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله. ولو كان المراد: ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله؛ لكان منصوبًا على المفعولية، ولم يتقدم لفظ الفعل ليعمل فيه، ولا نفى الابتداع، بل أثبته لهم، وإنما تقدم لفظ الكتابة». وذكر ابنُ القيم (٣/١٣٣) أنه على هذا القول فقوله: ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ منصوب على أنه بدل من مفعول ﴿ما كتبناها﴾، وانتقده مستندًا إلى اللغة، فقال: «وهو فاسد؛ إذ ليس ابتغاء رضوان الله عين الرّهبانيّة، فتكون بدل الشيء من الشيء. ولا بعضها، فتكون بدل بعض من كلّ، ولا أحدهما مشتمل على الآخر؛ فتكون بدل اشتمال، وليس بدل غلط». وذكر ابنُ تيمية (٦/٢٣٣) أن البعض قال: قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ عطف على ﴿رأفة﴾، ﴿ورحمة﴾، وأنّ المعنى: أنّ الله جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية أيضًا ابتدعوها، وجعلوا الجعْل شرعيًا ممدوحًا«. وانتقده مستندًا للدلالة العقلية، والواقع، فقال:»هذا غلط لوجوه. منها: أنّ الرّهبانيّة لم تكن في كلّ مَن اتبعه، بل الذين صحبوه كالحواريين لم يكن فيهم راهب وإنما ابتُدعت الرّهبانيّة بعد ذلك بخلاف الرأفة والرحمة، فإنها جُعلت في قلب كلّ مَن اتبعه. ومنها: أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرّهبانيّة بخلاف الرأفة والرحمة، فإنهم لم يبتدعوها وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم، فإن كان المراد هو الجعل الشرعي الديني لا الجعل الكوني القدري فلم تدخل الرّهبانيّة في ذلك، وإن كان المراد الجعل الخلقي الكوني فلا مدح للرّهبانيّة في ذلك. ومنها: أنّ الرأفة والرحمة جعلها في القلوب والرّهبانيّة لا تختص بالقلوب، بل الرّهبانيّة ترك المباحات من النكاح واللحم وغير ذلك«. وساق ابنُ عطية احتمالًا آخر، فقال:»ويحتمل اللفظ أن يكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا في عموم المندوبات؛ لأن ابتغاء مرضاة الله بالقُرَب والنوافل مكتوب على كلّ أُمّة«. وعلَّق عليه بقوله:»فالاستثناء -على هذا الاحتمال- متصل"". ورجَّح ابنُ تيمية (٦/٢٣٥) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- أنّ قوله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا رضوان الله﴾ منصوب نصب الاستثناء المنقطع، أي: وابتدعوا رهبانيةً ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. فقال: «فإنّ إرضاء الله واجب مكتوب على الخلْق، وذلك يكون بفعل المأمور وبترك المحظور، لا بفعل ما لم يأمر بفعله وبترك ما لم ينه عن تركه، والرّهبانيّة فيها فعل ما لم يؤمر به وترك ما لم ينه عنه». ورجَّحه ابنُ القيم (٣/١٣٣-١٣٤) مستندًا إلى السياق، فقال: «فالصواب: أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع... ودلّ على هذا قول: ﴿ابتدعوها﴾».
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ يعني: اتبعوا عيسى ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ يعني: المودّة، كقوله: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] يقول: مُتَوادّين بعضهم لبعض، جعل اللهُ ذلك في قلوب المؤمنين بعضهم لبعض، ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ وذلك أنه لَمّا كثر المشركون وهزموا المؤمنين وأذلّوهم بعد عيسى ابن مريم، واعتزلوا واتخذوا الصّوامع، فطال عليهم ذلك، فرجع بعضهم عن دين عيسى عليه السلام، وابتدعوا النصرانية، فقال الله عز وجل: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ تبتّلوا فيها للعبادة في التقديم، ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ ولم نأمرهم بها ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ يقول: لم يرعوا ما أُمروا به. يقول: فما أطاعوني فيها، ولا أحسنوا حين تهوّدوا وتنصّروا. وأقام أناس منهم على دين عيسى عليه السلام حتى أدركوا محمدًا ﷺ، فآمنوا به، وهم أربعون رجلًا؛ اثنان وثلاثون رجلًا من أرض الحبشة، وثمانية من أرض الشام، فهم الذين كنى الله عنهم، فقال: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٤٦-٢٤٧.
١٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، قال: فلِم؟ قال: ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوّعًا، فما رعَوها حقّ رعايتها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٢٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابن تيمية (٦/٢٣٤) ما أفاده هذا القول من أنهم لما ابتدعوها كتب عليهم إتمامها مستندًا لظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «وليس في الآية ما يدلُّ على ذلك، فإنه قال: ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾، فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرّهبانيّة ولا إتمامها ولا رعايتها، بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة، وأنّ تلك البدعة لم يَرْعَوها حقّ رعايتها. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ يدلّ على أنهم لو رَعَوها حقّ رعايتها لكانوا ممدوحين. قيل: ليس في الكلام ما يدلّ على ذلك، بل يدلّ على أنهم -مع عدم الرعاية- يستحقّون من الذّم ما لا يستحقّونه بدون ذلك، فيكون ذمّ من ابتدع البدعة ولم يَرعَها حقّ رعايتها أعظم من ذمّ مَن رعاها، وإن لم يكن واحد منهما محمودًا، بل مذمومًا، مثل: نصارى بني تغلب ونحوهم ممن دخل في النصرانية ولم يقوموا بواجباتها، بل أخذوا منها ما وافق أهواءهم، فكان كفرهم وذمّهم أغلظ مِمّن هو أقلُّ شرًّا منهم، والنار دركات، كما أنّ الجنة درجات».

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ قال: «إنّ لكلّ أُمّة رهبانيّة، ورهبانيّة هذه الأُمّة الجهاد في سبيل الله»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢١‏/‏٣١٧ (١٣٨٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان ٦‏/‏٩٥ (٣٩٢٣) واللفظ له. قال البزار في مسنده ١٣‏/‏٥١٠ (٧٣٤٩): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده إلا معاوية بن هشام، عن سفيان، وغير معاوية يرويه مرسلًا». وأورده ابن أبي حاتم في علل الحديث ٣‏/‏٣٨٣-٣٨٤ (٩٥٢)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ٤‏/‏١٤٩ (٦٩٩) في ترجمة زيد بن الحواري العمي. وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٤‏/‏١٩٥٠ (٤٤٨١): «لم يروه عن معاوية غير زيد، وزيد ضعيف». وقال العراقي في تخريج الإحياء ص٩٢١: «فيه زيد العمي، وهو ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٥‏/‏٢٧٨ (٩٤٣١): «فيه زيد العمي، وثّقه أحمد وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٥‏/‏٩٢ (٤٢٨٦): «مدار إسناد حديث أنس هذا على زيد العمي، وهو ضعيف». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٢٩٨: «إسناده حسن». وقال الألباني في الصحيحة ٢‏/‏٩٥: «سند ضعيف».
التفسير بالمأثور لسورة الحديد كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٧ من سورة الحديد

١٦ وقفةً في هذه الآية

  • (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) العقل البشري يربي على (التعذيب) ، أما الوحي فيربي على (التعبيد) قال الله عن عيسى : (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) فكل نصراني ليس في قلبه (رأفة ورحمة) فاتباعه كاذب

    — عقيل الشمري

  • (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ (اتَّبَعُوهُ) (رَأْفَةً وَرَحْمَةً)) يجعل الله في قلوب عباده من الرحمة بحسب متابعتهم للرسل

    — عبدالله بلقاسم

  • {ورهبانية ابتدعوها} ثم يقول {فما رعوها حق رعايتها} ذم الله من لم يرعَ قربة ابتدعها لله،فكيف بمن لم يرعَ قربة شرعها الله لعباده؟

    — فوائد القرآن

  • ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ ،، خير أتباع الأنبياء قلبٌ امتلأ رأفة ورحمة . رب املأ قلوبنا منهما

    — إبراهيم العقيل

  • قال عبد الرحمن بن عمر: ذُكِر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع، واجتهادهم في العبادة، فقال: لا يقبل الله إلَّا ما كان على الأمر والسُّنة؛ ثم قرأ: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)، فلم يقبل ذلك منهم، ووبَّخهم عليه، ثم قال: الزم الطريق والسنة.

    — حلية الأولياء

  • ذُكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع، واجتهادهم، فقال: لا يقبل الله إلا ما كان الأمر والسنة{ورهبانية ابتدعوها}

    — مجالس التدبر

  • ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ تكررت في سورة الحديد ٣مرات وفي القرآن مثلها كثير حتى لا يغتر أحد بالكثرة أويستدل بها على الحق أهل الحق قليل

    — مجالس التدبر

  • ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها... الآية يا لجمال السياق ويالجمال التاريخ والشريعة

    — مجالس التدبر

  • {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الله يأمرنا بالاتباع لا بالابتداع.

    — مجالس التدبر

  • يجعلُ الله في قلوب الخلق من الرأفة والرحمة بحسب نصيبهم من اتباع الرسل والشرع المطهر.

    — مصحف تدبر المفصل

  • من ابتدع بدعة لم يوفق لإقامتها ولو اجتهد , فما بني علي باطل آل إلي باطل .

    — مصحف تدبر المفصل

  • ذم الله الغلو في العبادة وحرمه، فكيف بالغلو الذي يستبيح الدماء، ويجعل التكفير سيفاً مصلتاً على رقاب أهل الإسلام!.

    — مصحف تدبر المفصل

و٤ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٧ من سورة الحديد

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٧ من سورة الحديد

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(27) Then We sent following their footsteps [i.e., traditions] Our messengers and followed [them] with Jesus, the son of Mary, and gave him the Gospel. And We placed in the hearts of those who followed him compassion and mercy and monasticism, which they innovated; We did not prescribe it for them except [that they did so] seeking the approval of Allāh. But they did not observe it with due observance. So We gave the ones who believed among them their reward, but many of them are defiantly disobedient.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال