محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٨ من سورة الحديد في ١١٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الحديد

١١٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، خافوا الله بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، وآمنوا برسوله محمد ﷺ. كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَآمِنُوا بِرُسُولِهِ يعني الذين آمنوا من أهل الكتاب.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يعني : الذين آمنوا من أهل الكتاب.
وقوله : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يُعطكم ضعفين من الأجر لإيمانكم بعيسى ﷺ، والأنبياء قبل محمد ﷺ، ثم إيمانكم بمحمد ﷺ حين بعث نبيا. وأصل الكِفل : الحظّ، وأصله : ما يكتفل به الراكبُ، فيحبسه ويحفظه عن السقوط يقول : يُحَصّنكم هذا الكِفْل من العذاب، كما يُحَصّن الكِفْل الراكب من السقوط. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو عمار المَرْوَزِيّ، قال : حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال : أجرين، لإيمانهم بعيسى ﷺ، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد ﷺ، وتصديقهم به.
قال : ثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال : أجْرَين : إيمانهم بمحمد ﷺ، وإيمانهم بعيسى ﷺ، والتوراة والإنجيل.
وبه عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس وهارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال : أجرين.
حدثنا عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يقول : ضعفين.
قال : ثنا مهران، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، قال : بعث النبيّ ﷺ جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشيّ يدعوه، فقدم عليه، فدعاه فاستجاب له وآمن به فلما كان انصرافه، قال ناس ممن قد آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلاً : ائذن لنا، فنأتي هذا النبيّ، فنسلم به، ونساعد هؤلاء في البحر، فإنّا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي ﷺ، وقد تهيأ النبيّ ﷺ لوقعة أُحُدُ فلما رأوا ما بالمسلمين من الخَصاصة وشدّة الحال، استأذنوا النبيّ ﷺ، قالوا : يا نبيّ الله إن لنا أموالاً، ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فإن أذِنت لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، وواسينا المسلمين بها. فَأَذنَ لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله فيهم الّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. . . إلى قوله : ومِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فكانت النفقة التي واسَوْا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بقوله : يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا فَخَروا على المسلمين، فقالوا : يا معشر المسلمين، أما من آمن منا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرّتين، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم، فما فضلكم علينا، فأنزل الله يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ فجعل لهم أجرهم، وزادهم النورَ والمغفرة، ثم قال : لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ. وهكذا قرأها سعيد بن جُبَير لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْن مِنْ رَحَمَتِهِ قال : ضعفين.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال والكفلان أجران بإيمانهم الأوّل، وبالكتاب الذي جاء به محمد ﷺ.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يعني الذين آمنوا من أهل الكتاب يُؤْتِكُم كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يقول : أجرين بإيمانكم بالكتاب الأوّل، والذي جاء به محمد ﷺ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ قال : أجرين : أجر الدنيا، وأجر الآخرة.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا حكام، عن سفيان، قال : حدثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن أبي موسى يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال : الكفلان : ضعفان من الأجر بلسان الحَبَشة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الشعبيّ، قال : إن الناس يوم القيامة على أربع منازل : رجل كان مؤمنا بعيسى، فآمن بمحمد ﷺ، فله أجران. ورجل كان كافرا بعيسى، فأمن بمحمد ﷺ، فله أجر. ورجل كان كافرا بعيسى، فكفر بمحمد ﷺ، فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد فباء بغضب.
حدثني العباس بن الوليد، قال : أخبرني أبي، قال : سألت سعيد بن عبد العزيز، عن الكفل كم هو ؟ قال : ثلاث مئة وخمسون حسنة، والكفلان : سبع مئة حسنة. قال سعيد : سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حبرا من أحبار اليهود : كم أفضل ما ضعفت لكم الحسنة ؟ قال : كفل ثلاث مئة وخمسون حسنة قال : فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين، ثم ذكر سعيد قول الله عزّ وجل في سورة الحديد يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ فقلت له : الكفلان في الجمعة مثل هذا ؟ قال : نعم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك صحّ الخبر عن رسول الله ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا معمر بن راشد، عن فراس، عن الشعبيّ، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال : قال رسول الله ﷺ :«ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرّتَيْن : رَجُلٌ آمَنَ بالكِتابِ الأوّلِ والكِتابِ الاَخِرِ، وَرَجُلٌ كانَت لَهُ أمّةٌ فأدّبَها وأحْسَنَ تَأدِيبَهَا، ثُمّ أعْتَقَها فَتزَوّجَها، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أحْسَنَ عِبادَةَ رَبّهِ، وَنَصَحَ لِسَيّدِهِ ».
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : ثني صالح بن صالح الهمداني، عن عامر، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ، بنحوه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : ثني عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، عن صالح بن صالح، سمع الشعبيّ يحدّث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله ﷺ، بنحوه.
حدثني محمد بن عبد الحكم، قال : أخبرنا إسحاق بن الفرات، عن يحيى بن أيوب، قال : قال يحيى بن سعيد أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إنّمَا آجالُكُم فِي آجالِ مَن خَلا مِنَ الأُمَم، كمَا بَينَ صَلاةِ العَصْرِ إلى مَغْرِبِ الشّمْس، وإنما مَثَلُكُم وَمَثَلُ اليَهُودِ والنّصَارَى كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتأجَرَ عُمّالاً، فَقالَ : مَن يَعْمَل مِن بُكْرَةٍ إلى نِصفِ النّهارِ على قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ألا فَعَمِلَت اليَهُودُ ثُمّ قالَ : مَن يَعْمَلُ مِنْ نِصفِ النّهارِ إلى صَلاةِ العَصْر على قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ألا فَعَمِلَتِ النّصَارَى ثُمّ قالَ : مَن يعْمَل مِن صَلاةِ العَصْر إلى مَغارِبِ الشّمْس على قِيرَاطَيْن قِيرَاطَيْن، ألا فَعَمِلْتُم ».
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله ﷺ :«مَثَلُ هَذهِ الأُمّةِ »، أو قال «أُمّتِي وَمَثَلُ اليَهُودِ والنّصَارَى، كمَثَلِ رَجُلٍ قالَ : مَنْ يَعْمَلُ لي مِن غَدوَةٍ إلى نِصْفِ النّهارِ على قِيرَاط » قالَتِ اليَهودُ : نَحْنُ، فَعَملُوا قال :«فَمَن يَعْمَلُ مِن نِصفِ النّهارِ إلى صَلاة العَصْر على قِيرَاطٍ ؟ » قالَتِ النّصَارَى : نَحْنُ، فَعَمِلُوا، «وأنْتُم المُسْلِمُونَ تَعْمَلُونَ مِن صَلاةِ العَصْر إلى اللّيْلِ على قِيرَاطَيْن »، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنّصَارَى وقالُوا : نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلاً، وأقَلّ أجْرا، قالَ «هَل ظَلَمْتُكُمْ مِن أُجُورِكُمْ شَيْئا ؟ » قالُوا : لا، قال :«فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أشاءُ ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني الليث وابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أُمامة الباهليّ، أنه قال : شهدت خطبة رسول الله ﷺ يوم حجة الوداع، فقال قولاً كثيرا حسنا جميلاً، وكان فيها :«مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ فَلَهُ أجْرُهُ مَرّتَيْنِ، وَلَهُ مِثْلُ الّذِي لَنَا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الّذِي عَلَيْنَا وَمَن أسْلَمَ مِنَ المُشْركينَ فَلَهُ أجْرُهُ، وَلَهُ مِثْلُ الذِي لَنا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الّذِي عَلَيْنا ».
وقوله : ويَجْعَلْ لَكُم نُورا تَمْشُونَ بِهِ اختلف أهل التأويل في الذي عنى به النور في هذا الموضع، فقال بعضهم : عنى به القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو عمار المروزي، قال : حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ويَجْعَل لَكُم نُورا تَمْشُونَ بِهِ قال : الفرقان واتباعهم النبيّ ﷺ.
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورا تَمْشُونَ بِهِ قال : الفرقان، واتباعهم النبيّ ﷺ. حدثنا أبو كُرَيب، وأبو هشام، قالا : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورا تَمْشُونَ بِهِ قال : القرآن.
حدثنا ابن حُمَيد
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يرعوها حقّ رعايتها ممكن أن يكون كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يرعها القوم على العموم. والمراد منهم البعض الحاضر، وقد مضى نظير ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
وقوله: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) يقول تعالى ذكره: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسله من هؤلاء، الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على ابتغائهم رضوان الله، وإيمانهم به وبرسوله في الآخرة، وكثير منهم أهل معاص، وخرج عن طاعته، والإيمان به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) قال: الذين رعوا ذلك الحقّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، خافوا الله بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، وآمنوا برسوله محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
كما حدثني محمد بن سعد. قال: ثني أبي، ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) يعني: الذين آمنوا من أهل الكتاب.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال:
سمعت الضحاك يقول في قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) يعني: الذين آمنوا من أهل الكتاب.
وقوله: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، يُعطكم ضعفين من الأجر، لإيمانكم بعيسى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، والأنبياء قبل محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم إيمانكم بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين بعث نبيا. وأصل الكفل: الحظّ، وأصله: ما يكتفل به الراكبُ، فيحبسه ويحفظه عن السقوط؛ يقول: يُحَصِّنكم هذا الكِفْل من العذاب، كما يُحَصِّن الكِفْل الراكب من السقوط.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو عمار المَرْوَزِيّ، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: أجرين، لإيمانهم بعيسى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وتصديقهم به.
قال: ثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: أجرين: إيمانهم بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وإيمانهم بعيسى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، والتوراة والإنجيل.
وبه عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ وهارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: أجرين.
حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) يقول: ضعفين.
قال: ثنا مهران، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن حبير، قال: بعث النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه، فدعاه فاستجاب له وآمن به؛ فلما كان عند انصرافه، قال ناس ممن قد آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلا ائذن لنا، فنأتي هذا النبيّ، فنسلم به، ونساعد هؤلاء في البحر، فإنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقد تهيأ النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لوقعة أُحُد؛ فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة وشدّة الحال، استأذنوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قالوا: يا نبيّ الله إن لنا أموالا ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فإن أذنت لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، وواسينا المسلمين بها، فأذن لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسو ابها المسلمين، فأنزل الله فيهم (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ).... إلى قوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين؛ فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بقوله: (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا) ؛ فخروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن منا بكتابكم وكتابنا، فله أجره مرتين، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم، فما فضلكم علينا، فأنزل الله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، فجعل لهم أجرهم، وزادهم النور والمغفرة، ثم قال (لِكَيْلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) وهكذا قرأها سعيد بن جبير (لِكَيْلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: ضعفين.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: والكفلان أجران بإيمانهم الأوّل، وبالكتاب الذي جاء به محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) يعني: الذين آمنوا من أهل الكتاب، (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) يقول: أجرين بإيمانكم بالكتاب الأوّل، والذي جاء به محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: أجرين: أجر الدنيا، وأجر الآخرة.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن سفيان، قال: ثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن أبي موسى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) قال: الكفلان: ضعفان من الأجر بلسان الحَبَشة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الشعبيّ، قال: إن الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى، فآمن بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فله أجران. ورجل كان كافرا بعيسى، فأمن بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فله أجر. ورجل كان كافرا بعيسى، فكفر بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد فباء بغضب.
حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: سألت سعيد بن عبد العزيز، عن الكفل كم هو؟ قال: ثلاث مئة وخمسون حسنة، والكفلان: سبع مئة حسنة. قال سعيد: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حبرا من أحبار اليهود: كم أفضل ما ضعفت لكم الحسنة؟ قال: كفل ثلاث مئة وخمسون حسنة; قال: فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين، ثم ذكر سعيد قول الله عزّ وجلّ في سورة الحديد (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، فقلت له: الكفلان في الجمعة مثل هذا؟ قال: نعم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك صحّ الخبر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا معمر بن راشد، عن فراس، عن الشعبيّ، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال، قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْن: رَجُل آمَنَ بالكِتابِ الأوَّل والكتابِ الآخِرِ، وَرَجُلٌ كانَت لَهُ أمَةٌ فأدَّبَها وأحْسَنَ تَأدِيبَهَا، ثُمَّ أعْتَقَها فَتَزَوَّجَها، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أحْسَنَ عبادَةَ رَبِّهِ، وَنَصَحَ لسيِّده".
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثني صالح بن صالح الهمداني، عن عامر، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى، عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، بنحوه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني عبد الصمد، قال ثنا شعبة، عن صالح بن صالح، سمع الشعبيّ يحدّث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، بنحوه.
حدثني محمد بن عبد الحكم، قال: أخبرنا إسحاق بن الفرات، عن يحيى بن أيوب، قال، قال يحيى بن سعيد: أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: "إنَّمَا آجالُكُم فِي آجال مَن خَلا مِنَ الأمَم، كَما بَينَ صَلاةِ العَصْرِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْس، وإنما مَثَلُكُم وَمَثَلُ اليَهُودِ والنَّصَارى كَمَثَل رَجُل اسْتأجَرَ عُمَّالا فَقَالَ: مَن يَعْمَل مِن بُكْرَةٍ إلى نِصفِ النَّهَارِ على قِيرَاطٍ قيراط، ألا فَعَمِلَتِ اليَهُودُ ثُمَّ قَالَ: مَن يَعْمَلُ مِنْ نِصفِ النَّهَارِ إلى صَلاةِ العَصْر على قِيراطٍ قيراط، ألا فَعَمِلَتِ النَّصَارِى، ثُمَّ قَالَ: مَن يعْمَل مِن صَلاةِ العَصْر إلى مَغَارِبِ الشَّمْس على قِيراطَيْن قيراطين، ألا فَعَمِلْتُم".
حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "مَثَلُ هَذهِ الأمَّةِ، أو قال أُمَّتِي، وَمَثَلُ اليَهُودِ والنَّصَارَى، كَمثَلِ رَجُلٍ قالَ: مَنْ يَعْمَلُ لي مِن غَدوَةٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ على قيرَاط؟ قالَتِ اليَهودُ:
نَحْنُ، فعملوا؛ قال: فَمَن يَعْملُ مِن نِصفِ النهار إلى صَلاة العَصْر على قِيرَاطِ؟ قالَتِ النَّصَارَى: نَحْنُ، فَعَمِلُوا، وأنْتُم المُسْلِمُونَ تَعْمَلُونَ مِن صَلاةِ العَصْر إلى اللَّيْلِ على قِيرَاطَيْن، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلا وأقَلُّ أجْرًا، قالَ هَل ظَلَمْتُكُمْ مِن أُجُورِكُمْ شَيْئا؟ قالُوا: لا قال: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيِه مَن أشاءُ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث وابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أُمامة الباهليّ، أنه قال: شهدت خطبة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يوم حجة الوداع، فقال قولا كثيرا حسنا جميلا وكان فيها: "مَن أسْلَمَ مِن أهْل الكتَابَيْنِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَهُ مِثْلُ الَّذي لَنَا، وَعَلَيْهِ مِثْلُ الَّذي عَلَيْنَا، وَمَن أسْلَمَ مِنَ المُشْركينَ فَلَهُ أجْرُهُ، وَلَهُ الذيِ لَنا، وَعَلَيْهِ مِثَلُ الَّذي عَلَيْنا".
وقوله: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) : اختلف أهل التأويل في الذي عنى به النور في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به القرآن.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو عمار المروزي، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) قال: الفرقان واتباعهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) قال: الفرقان، واتباعهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثنا أبو كُرَيب، وأبو هشام، قالا ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) قال: القرآن.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقال سعيد بن جبير : لما افتخر أهلُ الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله هذه الآية في حق هذه الأمة :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي : ضعفين، وزادهم :﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني : هدى يُتَبَصَّر به من العمى والجهالة، ويغفر لكم. فضلهم بالنور والمغفرة. ورواه ابن جرير عنه.
وهذه الآية كقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩].
وقال سعيد بن عبد العزيز : سأل عمر بن الخطاب حَبْرًا من أحبار يهود : كم أفضل ما ضعفت (١) لكم حسنة ؟ قال : كفل ثلاثمائة وخمسون(٢) حسنة. قال : فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين. [ ثم ] (٣) ذكر سعيد قول الله، عز وجل :﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قال سعيد : والكفلان في الجمعة مثل ذلك. رواه ابن جرير(٤)
ومما يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن نافع، عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :" مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ؟ ألا فعملت اليهود. ثم قال : من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين ؟ ألا فأنتم الذي عملتم. فغضبت النصارى واليهود، وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء. قال : هل ظلمتكم من أجركم شيئا ؟ قالوا : لا. قال : فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء " (٥)
قال أحمد : وحدثناه مُؤَمَّل، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، نحو حديث نافع، عنه (٦) انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن سليمان(٧) بن حرب، عن حماد، [ عن أيوب ](٨) عن نافع، به(٩) وعن قتيبة، عن الليث، عن نافع، بمثله(١٠)
وقال البخاري : حدثنى محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بَريد(١١) عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال :" مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار فقالوا : لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم : لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتَرَكُوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا : ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال أكملوا بقية عملكم ؛ فإن ما بقي من النهار شيء يسير. فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور " انفرد به البخاري(١٢)
ولهذا قال تعالى :﴿لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾
١ - (٢) في م: "ضعف"..
٢ - (٣) في م: "وخمسين"..
٣ - (٤) زيادة من أ..
٤ - (٥) تفسير الطبري (٢٧/١٤١)..
٥ - (٦) المسند (٢/٦)..
٦ - (٧) المسند (٢/١١١)..
٧ - (٨) في أ: "سليم"..
٨ - (٩) زيادة من صحيح البخاري..
٩ - (١) صحيح البخاري برقم (٢٢٦٨)..
١٠ - (٢) صحيح البخاري برقم (٣٤٥٩)..
١١ - (٣) في أ: "يزيد"..
١٢ - (٤) صحيح البخاري برقم (٢٢٧١)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ زَمَانَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرٌ، وَهُوَ يُصَلِّي صَلَاةً خَفِيفَةً (١) كَأَنَّهَا صَلَاةُ مُسَافِرٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَرَأَيْتَ هَذِهِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، أَمْ شَيْءٌ تَنَفَّلْتَهُ؟ قَالَ: إِنَّهَا الْمَكْتُوبَةُ، وَإِنَّهَا صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْطَأْتُ إِلَّا شَيْئًا سَهَوْتُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان يَقُولُ: "لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ". ثُمَّ غَدَوْا مِنَ الْغَدِ فَقَالُوا: نَرْكَبُ فَنَنْظُرُ وَنَعْتَبِرُ قَالَ: نَعَمْ فَرَكِبُوا جَمِيعًا، فَإِذَا هُمْ بِدِيَارٍ قَفْرٍ قَدْ بَادَ أَهْلُهَا وَانْقَرَضُوا وَفَنَوْا، خَاوِيَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا فَقَالُوا: تَعْرِفُ هَذِهِ الدِّيَارَ؟ قَالَ: مَا أَعْرَفَنِي بِهَا وَبِأَهْلِهَا. هَؤُلَاءِ أَهْلُ الدِّيَارِ، أَهْلَكَهُمُ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ، إِنَّ الْحَسَدَ يُطْفِئُ نُورَ الْحَسَنَاتِ، وَالْبَغْيُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ، وَالْعَيْنَ تَزْنِي وَالْكَفَّ وَالْقَدَمَ وَالْجَسَدَ وَاللِّسَانَ، وَالْفَرْجَ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ (٢)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يعمُر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدٍ العَمِّي، عَنْ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ رَهْبَانِيَّةٌ، وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" (٣)
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ بِهِ وَلَفْظُهُ: "لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةٌ، وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٤)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ -هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ-حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ -يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ-عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ مَرْوَانَ (٥) الْكَلَاعِيِّ، وَعُقَيْلِ بْنِ مُدْرِكٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: أَوْصِنِي فَقَالَ: سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلِكَ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأَسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ رُوحُكَ فِي السَّمَاءِ وَذِكْرُكَ فِي الْأَرْضِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ (٦)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾
قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ حَمَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ كَمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي فِي الْقَصَصِ (٧) وَكَمَا فِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَة، عن
(١) في أ، م "خفيفة وقعة".
(٢) مسند أبي يعلى (٦/٣٦٥).
(٣) المسند (٣/٢٦٦) وفيه زيد العمى ضعيف.
(٤) مسند أبي يعلى (٧/٢١٠).
(٥) في م: "هارون".
(٦) المسند (٣/٨٢) وقال الهيثمي في المجمع (٤/٢١٥) :"رجال أحمد ثقاب".
(٧) عند تفسير الآية: ٥٤.
أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَاليه فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ أَدَّبَ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١)
وَوَافَقَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الضَّحَّاكُ، وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمَّا افْتَخَرَ أهلُ الْكِتَابِ بِأَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أَيْ: ضِعْفَيْنِ، وَزَادَهُمْ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي: هُدًى يُتَبَصَّر بِهِ مِنَ الْعَمَى وَالْجَهَالَةِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ. فَضَّلَهُمْ بِالنُّورِ وَالْمَغْفِرَةِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٩].
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ: كَمْ أَفْضَلُ مَا ضُعِّفَتْ (٢) لَكُمْ حَسَنَةٌ؟ قَالَ: كِفْلٌ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ (٣) حَسَنَةً. قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَانَا كِفْلَيْنِ. [ثُمَّ] (٤) ذَكَرَ سَعِيدٌ قَوْلَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قَالَ سَعِيدٌ: وَالْكِفْلَانِ فِي الْجُمُعَةِ مِثْلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ (٥)
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ أَلَا فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ أَلَا فَعَمِلَتِ النَّصَارَى. ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ؟ أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِي عَمِلْتُمْ. فَغَضِبَتِ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ، وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مَنْ أَجْرِكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنَّمَا هُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ" (٦)
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثْنَاهُ مُؤَمَّل، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، نَحْوَ حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنْهُ (٧)
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ، فَرَوَاهُ عَنْ سُلَيْمَانَ (٨) بْنِ حرب، عن حماد، [عن أيوب] (٩) عن
(١) صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤).
(٢) في م: "ضعف".
(٣) في م: "وخمسين".
(٤) زيادة من أ.
(٥) تفسير الطبري (٢٧/١٤١).
(٦) المسند (٢/٦).
(٧) المسند (٢/١١١).
(٨) في أ: "سليم".
(٩) زيادة من صحيح البخاري.
نَافِعٍ، بِهِ (١) وَعَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ نَافِعٍ، بِمِثْلِهِ (٢)
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بَريد (٣) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا، وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا فَأَبَوْا وتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بِعْدَهُمْ فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَّوُا الْعَصْرَ قَالُوا: مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ؛ فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ. فَأَبَوْا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ" انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ (٤)
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أَيْ: لِيَتَحَقَّقُوا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى رَدّ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ، وَلَا [عَلَى] (٥) إِعْطَاءِ مَا مَنَعَ اللَّهِ، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ أَيْ: لِيَعْلَمَ وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا: "لِكَيْ يَعْلَمَ". وَكَذَا حطَّان (٦) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ "لَا" صِلَةً فِي كُلِّ كَلَامٍ دَخَلَ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ جَحْدٌ غَيْرُ مُصَرَّحٍ، فَالسَّابِقُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٢]، ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠٩]، ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥].
(١) صحيح البخاري برقم (٢٢٦٨).
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٤٥٩).
(٣) في أ: "يزيد".
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٢٧١).
(٥) زيادة من أ.
(٦) في م: "حطاب".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٢٨-٢٩ } ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
وهذا الخطاب، يحتمل أنه [ خطاب ] لأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا الله فيتركوا معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمد ﷺ، وأنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم الله ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي : نصيبين من الأجر نصيب على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد ﷺ.
ويحتمل أن يكون الأمر عاما يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم الله ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ أي : يعطيكم علما وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فلا يستكثر(١)  هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عم فضله أهل السماوات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين ولا أقل من ذلك.
١ - في ب: فلا يستغرب كثرة..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٨-٢٩} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وهذا الخطاب، يحتمل أنه [خطاب] لأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا الله فيتركوا معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم الله ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: نصيبين من الأجر نصيب على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
ويحتمل أن يكون الأمر عاما يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم الله ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ أي: يعطيكم علما وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فلا يستكثر (١) هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عم فضله أهل السماوات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين ولا أقل من ذلك.
[وقوله] ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: بينا لكم فضلنا وإحساننا لمن آمن إيمانا عاما، واتقى الله، وآمن برسوله، لأجل أن أهل الكتاب يكون لديهم علم (٢) بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي: لا يحجرون على الله بحسب أهوائهم وعقولهم الفاسدة، فيقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ويتمنون على الله الأماني الفاسدة، فأخبر الله تعالى أن المؤمنين برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، المتقين لله، لهم كفلان من رحمته، ونور، ومغفرة، رغما على أنوف أهل الكتاب، وليعلموا ﴿أن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ممن اقتضت حكمته تعالى أن يؤتيه من فضله، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الذي لا يقادر قدره].
تم تفسير سورة الحديد، ولله الحمد والمنة، والحمد لله.
(١) في ب: فلا يستغرب كثرة.
(٢) في ب: لأجل أن يكون عند أهل الكتاب علم.

تفسير سورة قد سمع
وهي مدنية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
كِفْلَيْنِ
ضِعْفَيْنِ.

إعراب الآية ٢٨ من سورة الحديد

من كتاب: إعراب القرآن

ويقال: رأفة وقد رؤف ورأف وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها نصبت رهبانية بإضمار فعل أي فابتدعوا رهبانية أي أحدثوها، وقيل: هو معطوف على الأول. ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ قال ابن زيد: أي ما افترضناها. إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ نصب على الاستثناء الذي ليس من الأول ويجوز أن يكون بدلا من المضمر أي ما كتبناها عليهم إلّا ابتغاء رضوان الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها لفظه عام ويراد به الخاص لا نعلم في ذلك اختلافا، ويدلّ على صحته فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وفي الذين لم يرعوها قولان: مذهب الضحّاك وقتادة أنّهم الذين ابتدعوها تهوّد منهم قوم وتنصّروا، وهذا يروى عن أبي أمامة، فأما الذي روي عن ابن عباس فإنهم كانوا من بعد من ابتدعها بأنهم كفار ترهّبوا، وقالوا:
نتبع من كان قبلنا ويدلّ على صحّة هذا حديث ابن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ قال: «من آمن بي». وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ قال: من جحدني.

[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٨]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال الضحّاك: من أهل الكتاب. اتَّقُوا اللَّهَ أي في ترك معاصيه وأداء فرائضه. وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني حظّين، كما روى أبو بردة عن أبيه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، من كان من أهل الكتاب فآمن بالتوراة والإنجيل ثم آمن بالقرآن، ورجل كانت له جارية فأدّبها فأحسن أدبها ثم تزوّجها، وعبد نصح مولاه وأدّى فرض الله جلّ وعزّ عليه» وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ عن ابن عباس قال: القرآن واتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقال مجاهد:
الهدى، قال أبو إسحاق: ويقال إنه النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة وَيَغْفِرْ لَكُمْ أي يصفح عنكم ويستر عليكم ذنوبكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ذو مغفرة ورحمة لا يعذّب من تاب.

[سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٩]

لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
لا زائدة للتوكيد ودلّ على هذا ما قبل الكلام وما بعده أي لأن يعلم ويروى عن ابن عباس أنه قرأ لأن يعلم أهل الكتاب وكذا يروى عن عاصم الجحدري وعن ابن مسعود لكي يعلم أهل الكتاب «١» وكذا عن سعيد بن جبير، وهذه قراءات على التفسير لا يقدرون فرفعت الفعل لأن المعنى أنه لا يقدرون يدلّ على هذا أن بعده:
(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٧، ومعاني الفراء ٣/ ١٣٧.
وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، وبعض الكوفيين يقول «لا» بمعنى «ليس»، والأول قول سيبويه، وروى المعتمر عن أبيه عن ابن عباس قال: اقرءوا بقراءة ابن مسعود ألّا يقدروا «١» بغير نون فهذا على أنه منصوب بأن. قال أبو جعفر: وهذا بعيد في العربية أن تقع أَنَّ معملة بعد يَعْلَمَ وهو من الشواذ، ومن الشواذ أنه روي عن الحسن أنه قرأ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ بالرفع ومجازه ما ذكرناه من أن التقدير فيه أنه وأن الفضل بيد الله أي بيد الله دونهم لأنه كما روي قالوا: الأنبياء منّا فكفروا بعيسى صلّى الله عليه وسلّم وبمحمد فأعلم الله جلّ وعزّ أنّ الفضل بيده يرسل من شاء وينعم على من أراد إلّا أن قتادة قال:
لمّا أنزل الله جلّ وعزّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ حسد اليهود المسلمين فأنزل الله جلّ وعزّ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ أي من خلقه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي على عباده.
(١) انظر البحر المحيط ٨/ ٢٢٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٢٨ من سورة الحديد

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَيَغْفِرْ لَكُمْ

ادغام الراء في اللام واسكان الميم

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

اظهار الراء ساكنة واسكان الميم

حفص عن عاصم إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو ورش عن نافع قالون عن نافع

اظهار الراء ساكنة وصلة الميم

قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٤ أقوال
١
عن ابن عمر، يقول: قال رسول الله ﷺ: «مَثل هذه الأمة -أو قال: أُمّتي- ومَثل اليهود والنصارى كمَثل رجل قال: مَن يعمل لي مِن غدوة إلى نصف النهار على قيراطٍ؟ قالت اليهود: نحن. فعملوا. قال: فمَن يعمل مِن نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ قالت النصارى: نحن. فعملوا. وأنتم المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل على قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا، وأقلّ أجرًا. قال: هل ظلمتُكم مِن أجوركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فذاك فضلي أُوتيه من أشاء»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ١‏/‏١١٦ (٥٥٧)، ٣‏/‏٩٠ (٢٢٦٨، ٢٢٦٩)، ٩‏/‏١٣٨ (٧٤٦٧)، ٩‏/‏١٥٦ (٧٥٣٣)، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٤٠-٤٤١.
٢
عن أبي أُمامة الباهلي، قال: شهدتُ خطبة رسول الله ﷺ يوم حجّة الوداع، فقال قولًا كثيرًا حسنًا جميلًا، وكان فيها: «مَن أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرّتين، وله مِثل الذي لنا، وعليه مِثل الذي علينا، ومَن أسلم من المشركين فله أجره، وله مِثل الذي لنا، وعليه مِثل الذي علينا»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٦‏/‏٥٧٠ (٢٢٢٣٤)، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٤١. قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏٩٣ (٣٣٤): «رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه القاسم أبو عبد الرحمن، وقد ضعفه أحمد وغيره». وقال الألباني في الضعيفة ١٤‏/‏١١٠٤: «إسناده حسن».
٣
عن عامر الشعبي -من طريق معمر- قال: إنّ الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمنًا بعيسى، فآمن بمحمد ﷺ؛ فله أجران. ورجل كان كافرًا بعيسى، فآمن بمحمد ﷺ؛ فله أجر. ورجل كان كافرًا بعيسى، فكفر بمحمد ﷺ؛ فباء بغضبٍ على غضب. ورجل كان كافرًا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد؛ فباء بغضبٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٨.
٤
عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يُؤتَون أجرهم مرّتين: رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له أمَة فأدَّبها وأحسن تأديبها، ثم أعتَقها فتزوّجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربّه، ونصَح لسيده»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏٦٠-٦١ (٣٠١١)، ومسلم ١‏/‏١٣٤ (١٥٤)، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٩.

تفسير

٢١ قولًا
١
عن أبي موسى الأشعري -من طريق أبي الأحوص- ﴿كِفْلَيْنِ﴾، قال: ضِعفين، وهي بلسان الحبشة١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٦٤٩-، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٨ بنحوه، وابن أبي شيبة ١٠‏/‏٤٧١، وابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق ٥‏/‏٩٢، والفتح ١٠‏/‏٤٥٢-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: أجرين؛ بإيمانهم بعيسى، ونَصَب أنفسهم، والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي (٥٤١٥)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١‏/‏٨٤-٨٥، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه. كذلك عزا أوله إلى عبد بن حميد. وتقدم مطولًا في تفسير الآية السابقة.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: والكِفلان: أجران؛ بإيمانهم الأول، وبالكتاب الذي جاء به محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٧.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: ضِعفين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥
عن عبد الله بن عمر، في قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: الكِفل: ثلاثمائة جزء وخمسون جزءًا من رحمة الله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: ضِعفين١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦٤٩، وأخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: أجرين؛ بإيمانكم بالكتاب الأول، والذي جاء به محمد ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٧. وعزاه السيوطي مختصرًا إلى عبد بن حميد.
٨
عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد الجرمي، في قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: الكِفل: ثلاثمائة جزء من الرحمة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٩
عن قتادة بن دعامة، ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: حظّين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، يعني: أجرين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٤٧.
١١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، قال: أجرين؛ أجر الدنيا، وأجر الآخرة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٨.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، قال: القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٤٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، قال: القرآن، واتّباعهم النبيَّ ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٢٩-٤٣٠، والنسائي (٥٤١٥)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١‏/‏٨٤-٨٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه. وتقدم مطولًا في تفسير الآية السابقة.
١٤
قال عبد الله بن عباس: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، يعني: على الصراط١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٨‏/‏٤٥.
١٥
عن سعيد بن جُبَير -من طريق عطاء- ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، قال: القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٤٢. وعزاه السيوطي إلى ابن الضريس.
١٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، قال: هُدًى١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦٤٩، وأخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٤٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: تمرُّون به على الصراط إلى الجنة، نورًا تهتدون به، ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوب المؤمنين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٤٧. وفي تفسير البغوي ٨‏/‏٤٥ بنحوه مختصرًا منسوبًا إلى مقاتل دون تعيينه.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلف في المراد بـ«النور» على قولين: الأول: القرآن. الثاني: الهدى. وجمع ابنُ جرير (٢٢/٤٤٢) بين القولين، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ الله -تعالى ذكره- وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نورًا يمشون به، والقرآن مع اتباع رسول الله ﷺ نور لِمَن آمن بهما وصدقهما وهدى؛ لأنّ مَن آمن بذلك فقد اهتدى». وذكر ابنُ عطية (٨/٢٤١-٢٤٢) أن «النور» هنا: إمّا أن يكون وعدًا بالنور الذي يسعى بين الأيدي يوم القيامة، وإما أن يكون استعارة للهدى الذي يُمشى به في طاعة الله.
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾: يعني: الذين آمنوا مِن أهل الكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٤.
١٩
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾: يعني: الذين آمنوا من أهل الكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٤.
٢٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يعني: وحّدوا الله، ﴿وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ يقول: صدّقوا بمحمد ﷺ أنّه نبيٌّ رسول١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٤٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلف في المعني بالخطاب بهذه الآية على قولين: الأول: أنهم أهل الكتاب. الثاني: المؤمنون من أمة محمد. وعلَّق ابنُ عطية (٨/٢٤١) على القول الأول الذي قاله ابن عباس، والضَّحّاك، بقوله: «فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بعيسى، اتقوا الله، وآمِنوا بمحمد». ثم قال: «ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح عن النبي ﷺ». وساق حديث أبي موسى المذكور في الآثار المتعلقة بالآية. وعلَّق على القول الثاني الذي قاله مقاتل، وسعيد بن جُبَير -كما في نزول الآية- بقوله: «أي: اثبتوا على ذلك، ودوموا عليه، وهذا هو معنى الأمر أبدًا لمن هو متلبس بما يؤمر به». وذكر ابنُ كثير (١٣/٤٣٩) أن ما جاء بالحديث [حديث ابن عمر في الآثار المتعلقة بالآية] يؤيد القول الثاني.
٢١
عن العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: سألتُ سعيد بن عبد العزيز عن الكِفل: كم هو؟ قال: ثلاثمائة وخمسون حسنة، الكفلان: سبعمائة حسنة. قال سعيد: سأل عمر بن الخطاب حبرًا من أحبار اليهود: كم أفضل ما ضُعِّفت لكم الحسنة؟ قال: كِفْلٌ ثلاث مئة وخمسون حسنة؛ قال: فحمد الله عمر على أنه أعطانا كِفلين. ثم ذكر سعيد قول الله عز وجل في سورة الحديد: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، فقلتُ له: الكِفلان في الجمعة مثل هذا؟ قال: نعم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٨-٤٣٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٨/٢٤٠) أن ما جاء في الحديث [حديث ابن عمر في الآثار المتعلقة بالآية] يؤيد هذا المعنى.

نزول الآية

٧ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جبير-: أنّ أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبيِّ ﷺ، فشهدوا معه أُحُدًا، فكانت فيهم جراحات، ولم يُقتل منهم أحد، فلمّا رَأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله، إنّا أهل مَيسرة؛ فائذن لنا نجيء بأموالنا نُواسي بها المسلمين. فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٢-٥٤] فجعل لهم أجرين، قال: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص:٥٤] قال: تلك النّفقة التي واسَوا بها المسلمين، فلما نَزَلَتْ هذه الآية قالوا: يا معشر المسلمين، أمّا مَن آمن منّا بكتابكم فله أجران، ومَن لم يؤمن بكتابكم فله أجرٌ كأجوركم. فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فزادهم النور والمغفرة١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٦٦٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧‏/‏١٢١ (١١٤٠٤): «رواه الطبراني، وفيه مَن لم أعرفه».
٢
عن سعيد بن جُبَير -من طريق جعفر بن أبي المُغيرة- قال: بعث النبيُّ ﷺ جعفرًا في سبعين راكبًا إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه، فدعاه، فاستجاب له، وآمن به؛ فلما كان انصرافه قال ناسٌ ممن قد آمن به من أهل مملكته -وهم أربعون رجلًا-: ائذن لنا، فنأتي هذا النبي، فنُسلم به، ونساعد هؤلاء في البحر، فإنّا أعلم بالبحر منهم. فقدموا مع جعفر على النبي ﷺ، وقد تهيّأ النبيُّ ﷺ لوقعة أُحُد؛ فلما رأَوا ما بالمسلمين مِن الخَصاصة وشدّة الحال استأذنوا النبي ﷺ، قالوا: يا نبي الله، إنّ لنا أموالًا، ونحن نرى ما بالمسلمين مِن الخصاصة، فإن أذنتَ لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، وواسينا المسلمين بها. فأَذن لهم، فانصرفوا، فأتَوا بأموالهم، فواسَوا بها المسلمين؛ فأنزل الله فيهم: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [القصص:٥٢] فكانت النّفقة التي واسَوا بها المسلمين؛ فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بقوله: ﴿يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ [القصص:٥٤] فَخَرجوا على المسلمين، فقالوا: يا معشر المسلمين، أمّا مَن آمن منّا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرّتين، ومَن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم، فما فضلكم علينا؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾ فجعل لهم أجرهم، وزادهم النور والمغفرة، ثم قال: (لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ). وهكذا قرأها سعيد بن جُبَير: (لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٣٦-٤٣٧. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
عن سعيد بن جبير -من طريق ليث- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ خرجت اليهود على المسلمين، فقالت: مَن آمن مِنّا بكتابكم وكتابنا فله أجران، ومَن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم. فأنزل الله -تبارك وتعالى- على رسول الله ﷺ: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم﴾ فزادهم النور والمغفرة؛ ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٩٠.
٤
قال معمر: وسمعتُ آخر [أي: غير قتادة] يقول: لما أُنزِلَتْ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤]؛ أنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٧٦.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد بن بشير- في قول الله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾: عبد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي، إنّ هذه الآيات أنزلت فيهم، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: قد أوتوا أجرهم مرتين؛ بإيمانهم بالكتاب الأول، وبالكتاب الآخر. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾، فقال أهل الكتاب: قد أعطوا كما أعطينا. فأنزل الله: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ حتى ختم الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٨٩.
٦
قال مقاتل بن سليمان: جعل الله تعالى لمن آمن بمحمد ﷺ مِن أهل الإنجيل أجرهم مرّتين؛ بإيمانهم بالكتاب الأول، وكتاب محمد ﷺ، فافتخروا على أصحاب النبي ﷺ بذلك، فقالوا: نحن أفضل منكم في الأجر؛ لنا أجران: بإيماننا بالكتاب الأول، والكتاب الآخر الذي جاء به محمد ﷺ. فشَقّ على المسلمين، فقالوا: ما بالنا قد هاجرنا مع النبي ﷺ، وآمنّا به قبلكم، وغزونا معه، وأنتم لم تغزوا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٤٧.
٧
عن مقاتل بن حيّان، قال: لَمّا نزلت: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤]؛ فَخَرَ مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبيِّ ﷺ، فقالوا: لنا أجران، ولكم أجر. فاشتدّ ذلك على الصحابة؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾. فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب، وسوّى بينهم في الأجر١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
التفسير بالمأثور لسورة الحديد كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٨ من سورة الحديد

١٠ وقفات في هذه الآية

  • (ويجعل لكم نوراً تمشون به) لم يقل (فيه) لأن المؤمن نوره معه أينما حلَّ فلا يحد نوره مكان وإنما يقتبس المكان من نوره.

    — عقيل الشمري

  • (ويجعل لكم نوراً تمشون به) الصلاة نور تمشي به.

    — نايف الفيصل

  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ   إضافة النور إلى الله لا تخلو أن تكون: صفته سبحانه: فليس كمثله شيء ولا يجوز تمثيلها بصورة ولا بغيرها ونور مخلوق: كنور الشمس والقمر، فهو يضاف إلى الله إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله، وهو من إضافة المخلوق إلى الخالق، وهذا جائز  والله تعالى أعلم وقل مثل ذلك على سائر ما يضاف إلى الله مثل رحمة الله  فهناك رحمته التي هي صفته  ورحمته المخلوقة التي جاء في الحديث أنه خلق مائة رحمة وهكذا

    — عبدالله بلقاسم

  • طريق السعادة مظلم !! حتى تستضيء بنور الحق ﴿ يجعل لكم نورا تمشون به ﴾

    — مجالس التدبر

  • ما أفقرنا إلى مغفرة منك يارب، تمحو بها ذنوبنا وتستر عيوبنا، وإلى رحمة منك تسددنا وتصلح قلوبنا وتقوم سلوكنا.

    — مصحف تدبر المفصل

  • سورة الحديد اعتنتْ بأمرٍ مهمٍّ بالغ الأهمية في حياة الأمة المسلمة، ألا وهو أمر الإنفاق في سبيل الله، وهذا الغَرَض النبيل لا يمكن أن يَتَمَثَّل في حياة الفرد المسلم، وكذا في حياة الجماعة المسلمة؛ إلا بالإيمان الباعث الأكبر على هذا الغرض الكبير؛ ولهذا فقد قرن الإنفاق بالإيمان في سياق هذه السورة، حتى بدا هذان الغرضان كأنهما غرض واحد. على أنَّ هذين الأمرين مرادان لشأنٍ آخر، هو تحقيق التجرُّد الكامل لله - سبحانه وتعالى - والبَذْل في سبيله. وهذا الغرض قد جاء مصرَّحًا به في أول مقطع بعد مقطع الافتتاح، وهو قوله - تعالى -: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} . (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وحذّر الله تعالى من البخل (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) وختمت السورة ببيان الجزاء العظيم الذي أعدّه الله تعالى للمؤمنين يؤتهم كفلين من رحمته (لعله من باب الحث على الإنفاق فمن عرف أن جزاءه عظيم اجتهد في البذل) ويجعل لهم نورا يمشون به (ويقول صلى الله عليه وسلم: المسلم في ظل صدقته يوم القيامة) ويغفر لهم (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )

    — مجالس التدبر

  • *في الأنعام قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) وفي الحديد قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ولم يقل في الناس لماذا؟ آية الحديد عامة بينما الكلام في الأنعام اكتنفه الكلام عن الناس أصلاً، الكلام في الأنعام عن الدنيا وذكر معاملاتهم وافتراءاتهم وضلالاتهم بخلاف سورة الحديد. (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122)) الكلام عل الناس في سورة الأنعام قبلها وبعدها أما في الحديد فلم يذكر معاملات الناس وأحوالهم وإنما ذكر بشكل عام ربنا قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) لم يقل في الناس لأنه في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما يمشي به وحده والنور له وحده لا يشاركه به أحد (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ (13) الحديد) في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما النور له وحده وليس في الناس وليس يمشون به في الناس بينما في الأنعام هذه في الناس ومعاملاتهم وأحوالهم في الدنيا لذا قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) أما تلك فهي عامة في الآخرة لكن لا يمشي به في الناس. (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) في الدنيا والآخرة ولو قال في الناس لكان في الدنيا فقط كما قال في الأنعام قال (في الناس) والكلام على الدنيا.

    — فاضل السامرائي

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28)) *من المخاطب في هذه الآية : هذا خطاب عام للمؤمنين كافة من أهل الكتاب وللمؤمنين بمحمد . المؤمنون من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون بموسى وعيسى من أهل الكتاب يطلب منهم ربنا أن يتقوا الله ويؤمنوا بالنبي الخاتم  والمؤمنون من المسلمين عليهم أن يثبتوا على ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (136) النساء) أي اثبتوا. فالمؤمنون المسلمون يطلب منهم الثبات على ما هم عليه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ). هذا الطلب هو أحد أمرين: بالنسبة لأهل الكتاب الإيمان بالنبي الخاتم وأنه لا يشفع لهم إلا أن يؤمنوا بالنبي الخاتم وبالنسبة للمسلمين أن يثبتوا على ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) آمِنوا الثانية تدل على الثبوت وليس على طلب الإيمان لأنهم مؤمنين. فالخطاب إذن لأهل الكتاب وللمسلمين أهل الكتاب يطلب منهم الإيمان بالنبي الخاتم والمسلمين يطلب منهم الثبات على ما هم عليه من الإيمان. *ما معنى كفلين؟ أي نصيبين من الأجر. الكفل من معناه النصيب ويأتي بمعنى المِثل حسب السياق. *في الأحزاب قال (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)) وفي القصص (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا (54)) وهنا قال كفلين لماذا الاختلاف وما الفرق بين الكفل والأجر؟ الكفل هو النصيب وأحياناً بمعنى المِثل. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ (28) الحديد) أي نصيبين من الرحمة أي يضاعف لهم الأجر إذن لماذا لم يقل أجرهم كما في آية القصص؟ الأجر في اللغة هو الجزاء على العمل ، أصل الأجر الجزاء على العمل تقول أعطه أجراً، استأجره أي يعمل عملاً مقابل مال. الكِفل ليس له علاقة بالعمل وإنما نصيب. الكفل هو المِثل وقد يكون في الخير أو في الشر. لكن السؤال لماذا قال هنا كفلين من رحمته وقال في القصص والأحزاب أجرهم وأجرها؟ قلنا أن الأجر هو الجزاء على العمل وهنا لم يذكر عملاً وإنما التقوى والإيمان بالرسول هذا ليس عملاً وإنما قلبي الآن ما ذكر العمل بينما في القصص قال (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)) إذن ذكر الأجر بمقابل العمل قال (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) وفي سورة الأحزاب (وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) إذن الأجر مقترن بالعمل أما الكفل فهو النصيب. *في الآية (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) أين النور في الدنيا أو الآخرة؟ هو عام في الدنيا والآخرة قال (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (9) الحديد) (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122) الأنعام) وذكر أنه في الآخرة (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ (19) الحديد) وفي سورة الحديد ذكر ربنا تعالى أن يوم القيامة يعطى لهم نور والمنافقون يضرب بينهم بسور له باب. إذن (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) هذا عام في الدنيا والآخرة. *في الأنعام قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) وفي الحديد قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ولم يقل في الناس؟ آية الحديد عامة بينما الكلام في الأنعام اكتنفه الكلام عن الناس أصلاً، الكلام في الأنعام عن الدنيا وذكر معاملاتهم وافتراءاتهم وضلالاتهم بخلاف سورة الحديد. (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122)) الكلام عل الناس في سورة الأنعام قبلها وبعدها أما في الحديد فلم يذكر معاملات الناس وأحوالهم وإنما ذكر بشكل عام ربنا قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) لم يقل في الناس لأنه في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما يمشي به وحده والنور له وحده لا يشاركه به أحد (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ (13) الحديد) في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما النور له وحده وليس في الناس وليس يمشون به في الناس بينما في الأنعام هذه في الناس ومعاملاتهم وأحوالهم في الدنيا لذا قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) أما تلك فهي عامة في الآخرة لكن لا يمشي به في الناس. (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) في الدنيا والآخرة ولو قال في الناس لكان في الدنيا فقط كما قال في الأنعام قال (في الناس) والكلام على الدنيا.

    — موقع إسلاميات

  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) خطاب للمؤمنين عامة من أهل الكتاب، وللمؤمنين بمحمد. فالمؤمنون بموسى وعيسى من أهل الكتاب يطلب منهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد فإن أمارات صدقه ظاهرة وإن نعته موجود في كتبهم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلا يمنعهم الكبر وحظ الدنيا أو الحسد أو غير ذلك من الإيمان به. والمؤمنون به من المسلمين عليهم أن يتقوا الله ويثبتوا على الإيمان برسوله. وهذا نظير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) - النساء (136) أي اثبتوا على ذلك. (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي نصيبين، وذلك عام يشمل مؤمني أهل الكتاب والمسلمين. أما مؤمنو أهل الكتاب فقد ذكر ذلك لهم في قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) - القصص (52 – 54). وأما المسلمون فقد ذكر ذلك ربنا فيهم في الآية التالية وهي قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فدل ذلك على أن ذلك من فضل الله عليهم. بل ذهب قسم من المفسرين إلى أن هذه الآية إنما هي في المسلمين يبين ذلك الحديث الذي أورده البخاري في صحيحه مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له فعملت اليهود إلى نصف النهار. وعملت النصارى من الظهر إلى العصر على قيراط ثم عمل المسلمون من العصر إلى الغروب على قيراطين. قال فيه: واستكملوا أجر الفريقين كليهما أي استكملوا مثل أجر الفريقين أي أخذوا ضعف كل فريق (1). وجوز صاحب الكشاف أن يكون الخطاب لهما جميعاً وهو الذي نرجحه. جاء في (الكشاف): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يجوز أن يكون خطاباً للذين آمنوا من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم. فإن كان خطاباً لمؤمني أهل الكتاب فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (يُؤْتِكُمْ) الله كفلين أي نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ) لإيمانكم بمحمد وإيمانكم بمن قبله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ) يوم القيامة (نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) وهو النور المذكور في قوله (يسعى نورهم)، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) ما أسلفتم من الكفر والمعاصي، (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ليعلم (أَهْلُ الْكِتَابِ) الذين لم يسلموا، و(لا (مزيدة. (أَلَّا يَقْدِرُونَ) (أن) مخففة من الثقيلة أصله: أنه لا يقدرون (عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ) أي لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ولم يكسبهم فضلاً قط. وإن كان خطاباً لغيرهم فالمعنى اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله (أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) ولا ينقصكم من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله (2). وقال ههنا (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ولم يقل (كفلين من الأجر) أو (يؤتكم أجركم مرتين) كما قال في آية القصص التي ذكرناها وكما قال في نساء النبي (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) - الأحزاب (۳۱) فذكر في آية الحديد الرحمة وذكر هنالك الأجر ذلك لأن الأصل في معنى الأجر أن يكون الجزاء على العمل (3). وفي هذه الآية أعني آية الحديد لم يذكر عملاً وإنما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) ، فكان ذكر الكفلين من الرحمة أنسب بخلاف آية القصص فإنه ذكر عملاً فقد قال (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وقال بعدها (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) - القصص (55). وكذلك في آية الأحزاب فإنه ذكر الأجر بمقابل العمل (مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) فناسب ذكر الرحمة في آية الحديد كما ناسب ذكر الأجر في آيتي القصص والأحزاب والله اعلم. (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ذكر صاحب الكشاف أن ذلك يوم القيامة والذي يظهر أن ذلك عام في الدنيا ويوم القيامة كما قال تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) - الأنعام (۱۲۲) وكما قال (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ) - الحديد (9). وقد تقول: ولم لم يقل ههنا (ويجعل لكم نوراً تمشون به في الناس) كما قال في آية الأنعام؟ والجواب أن السياق مختلف فيهما فإن آية الحديد كما ذكرنا عامة في الدنيا ويوم القيامة بل استظهر بعض المفسرين أن ذلك في يوم القيامة، ويوم القيامة لا يكون المشي بالنور في الناس بل هو نور خاص بكل مؤمن لا يتعدى غيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أنه اكتنف آية الأنعام ذكر الناس ومعاملاتهم وافتراءاتهم وضلالهم وإضلالهم وما إلى ذلك. فهي في سياق الناس وأحوالهم فناسب ذكرهم في الآية بخلاف آية الحديد فإنها ليست في مثل هذا السياق وإنما نقدمها ذكر الرهبانية. والرأفة والرحمة فأطلق المشي سواء كان في معاملات الناس وأحوالهم أم في الاعتقاد. (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سبق ذكر المغفرة والرحمة في الآية وذلك في قوله (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) وقوله (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) فناسب قوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . قد تقول: ولم قدم المغفرة على الرحمة فقال: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) مع أنه سبق ذكر الرحمة ذكر المغفرة في الآية فقال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ثم قال (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ) ؟ فنقول: حيث اجتمع الاسمان الكريمان الغفور الرحيم في القرآن الكريم قدم اسمه الغفور إلا في موطن واحد وهو قوله في سورة سبأ (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) - سبأ (۲). ومما قيل في سبب ذلك أن آية سبأ لا تختص بالإنسان وإنما هي عامة فقدم الرحمة لأنها عامة لا تختص بالإنسان فإن الرحمة قد تكون بالحيوان أيضاً أما المغفرة فهي خاصة بالإنسان فقدم الرحيم على الغفور. ومن الملاحظ أيضاً أنه في جميع المواطن التي ورد فيها هذان الاسمان الكريمان تقدم قبلهما ذكر للإنسان في صورة من الصور إلا آية سبأ فإنه لم يتقدمها ذكر للإنسان . قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) فلم يذكر أمراً يتعلق بالإنسان. وقد ذكر بعد الآية أصناف الناس فقال (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ...) فلما أخر ذكر الناس أخر ما يتعلق بهم وهو المغفرة. فقدم ما يتعلق بالمتقدم وأخر ما يتعلق بالمتأخر، والله أعلم. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 302 إلى ص 305. (1) ينظر التحرير والتنوير 27/427 – 428. البحر المحيط 10/116. روح المعاني 27/295 – 296. (2) الكشاف 4/68. (3) أنظر لسان العرب (أجر). القاموس المحيط (أجر)

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ. .) . إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أن المؤمنِين مؤمنون برسوله؟! قلتُ: معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فيكون خطاباً لأهل الكتابِ خاصة، أومعناه: يا أيها الذين آمَنوا يوم الميثاق، آمِنوا باللَّه ورسوله اليوم، أو يا أيها الذين آمنوا في العلانية باللسان، اتقوا الله وآمنوا برسوله في السِّر بتصديق القلب.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

ترجمات معاني الآية ٢٨ من سورة الحديد

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(28) O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال