اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾.
أي : آمنوا بموسى وعيسى ﴿اتقوا الله وَآمِنُواْ﴾ بمحمد ﷺ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾، أي : مثلين من الأجْر على إيمانهم بعيسى وبمحمد ﷺ ؛ وهذا نظير قوله تعالى :﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤].
و«الكِفْلُ » : الحظّ والنصيب(١).
وقد تقدم، وهو في الأصل كساء يكتفلُ به الراكب يحفظه من السقوط. قاله ابن جرير(٢).
وقال الأزهري(٣) : اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، والمعنى : يؤتكم نَصِيبيْنِ يحفظانكم من هلكةِ المعاصي كما يحفظ الكفلُ الراكب.
وقال أبو موسى الأشعري :«كِفْلَيْن » ضِعْفَيْن، بلسان «الحبشة ».
وقال ابن زيد :«كِفْلين » أجر الدنيا والآخرة(٤).
وقيل : لما نزلت :﴿أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي ﷺ فنزلت هذه الآية.
فإن قيل : إنه - تعالى - لما أعطاهم كِفْلَيْنِ، وأعطى المؤمن كفلاً واحداً كان حالهم أعظم.
فالجواب(٥) : أنه لا يبعد أن يكون النَّصيب الواحد أزيد قدراً من النصيبين.
روى أبو موسى عن النبي ﷺ أنه قال :«ثَلاثَةٌ يُؤتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ : رجُلٌ كانَتْ لَهُ جَاريةٌ فأدَّبهَا وأحْسَنَ أدبهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا وتَزوَّجَهَا، ورجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِكِتَابِهِ، وآمَنَ بمُحمَّدٍ ﷺ وعبدٌ أحْسَنَ عبادةَ اللَّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ »(٦).
قوله :﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً﴾.
قال مجاهد : أي : بياناً وهدى(٧).
وقال ابن عباس : هو القرآن(٨).
وقيل : ضياء يمشون به في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة، وهو النور المذكور في قوله تعالى ﴿يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾.
وقيل(٩) : تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام، فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها، وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد ﷺ وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى، لا الرِّياسة الحقيقية في الدين ثم قال :﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، أي : ما أسلفتم من المعاصي، ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
١ ينظر: تفسير القرطبي (١٧/١٧٢)..
٢ جامع البيان ١١/٦٩٣..
٣ تهذيب اللغة ١٠/٢٥٠ (كفل)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٩٤)..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢١٥..
٦ أخرجه البخاري ١/٢٢٩ كتاب العلم، باب: تعليم الرجل أمته (٩٧) وفي ٥/٢٠٥ كتاب العتق باب: فضل من أدب جاريته وعلمها (٢٥٤٤)، وفي ٥/٢٠٧ باب العبد إذا أحسن عبادة ربه (٢٥٤٧)، وفي ٥/٢١٠ باب كراهية التطاول على الرقيق (٢٥٥١)، وفي ٦/١٦٩ كتاب الجهاد، باب: فضل من أسلم (٣٠١١)، وفي ٦/٥٥١ كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا﴾ (٣٤٤٦) وفي ٩/٢٩ كتاب النكاح، باب: اتخذا السراري (٥٠٨٣)، ومسلم ١/١٣٤ - ١٣٥ كتاب الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ (٢٤١/١٥٤)..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٦٠) وعزاه إلى عبد بن حميد عن مجاهد..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٩٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٦٠) وعزاه إلى عبد بن حميد..
٩ ينظر: القرطبي ١٧/١٧٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى