جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بِسمِ اللّهِ الرحمَن الرّحِيمِ

القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ وَلََكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ﴾.
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته، فأطيعوه ولا تعصُوه، فإن عقابه لمن عاقبه يوم القيامة شديد. ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك اليوم وبدوّه، فقال : إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةٍ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
واختلف أهل العلم في وقت كون الزلزلة التي وصفها جلّ ثناؤه بالشدّة، فقال بعضهم : هي كائنة في الدنيا قبل يوم القيامة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله : إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال : قبل الساعة.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال : حدثنا محمد بن الصلت، قال : حدثنا أبو كدنية، عن عطاء، عن عامر : يا أيّها النّاسُ اتقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظيمٌ قال : هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله : إنّ زَلْزَلَةَ السَاعَةِ فقال : زلزلتها : أشراطها. . . الآيات يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء، عن عامر : يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال : هذا في الدنيا من آيات الساعة.
وقد رُوي عن النبيّ ﷺ بنحو ما قال هؤلاء خبر، في إسناده نظر وذلك ما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«لمَا فَرَغَ اللّهُ منْ خَلْقِ السمَوَاتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصّوْرَ فأعْطاهُ إسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلى فيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ. » قال أبو هريرة : يا رسول الله، وما الصور ؟ قال :«قَرْنٌ ». قال : وكيف هو ؟ قال :«قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فيهِ ثَلاثّ نَفَخاتٍ، الأُولى : نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانيَةُ : نَفْخَةُ الصّعْقِ، والثالِثَةُ : نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ. يَأْمُرُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ إسْرافيلَ بالنّفْخَةِ الأُولى، فَيَقُولُ : انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ فَيَفْزَعُ أهْلُ السّمَواتِ والأَرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ الله، ويَأْمُرُ اللّهُ فَيُدِيمُها وَيُطَوّلها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التِي يَقُولُ اللّهُ : ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيّرُ اللّهُ الجِبالَ فَتَكُونُ سَرَابا، وَتُرَجّ الأرْضُ بأهلها رَجّا، وَهِيَ الّتِي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ، فَتَكُونُ الأرْض كالسّفِينَةِ الموبَقَةِ في البَحْرِ تَضْرِبُها الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بأَهْلها، أوْ كالقِنْديلِ المُعَلّقِ بالعَرْشِ تُرَجّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَمِيدُ الناسُ عَلى ظَهْرِها فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الولْدَانُ، وَتَطيرُ الشياطِينُ هارِبَةً حتى تَأْتي الأَقْطار فَتَلَقّاها المَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعُ وَيُوَلّي النّاس مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضَهُمْ بَعْضَا، وَهُوَ الذِي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ التنادِ يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عاصمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ فَبَيْنَما هُمْ عَلى ذلكَ، إذْ تَصَدّعَتِ الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْرا عَظِيما، وأَخَذَهُمْ لِذَلكَ مِن الكَرْبِ ما اللّهُ أعْلَمُ بِهِ، ثُمّ نَظَرُوا إلى السّماءِ فإذَا هِيَ كالمُهْلِ، ثُم خُسِفَ شمْسُها وخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثرَتْ نُجُومُها، ثُمّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ » قال رسول الله ﷺ :«والأمْوَاتُ لا يَعْلَمُون بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ » فقال أبو هريرة : فمن استثنى لله حين يقول : فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ ؟ قال :«أُولَئِكَ الشّهَدَاءُ، وإنّمَا يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياء، أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبّهمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللّهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْم وآمَنَهُمْ. وَهُوَ عَذَابُ اللّهِ يَبْعَثُهُ عَلى شِرَارِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ : يا أيها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . . إلى قوله : وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ ».
وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبيّ ومن ذكرنا ذلك عنه قولٌ، لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله. والصواب من القول في ذلك ما صحّ به الخبر عنه. ذكر الرواية عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا :
حدثني أحمد بن المقدام، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن صاحب له حدّثه، عن عمران بن حُصين، قال : بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وقد فاوت السّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله ﷺ بهذه الآية :«يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ». قال : فحَثّوا المطيّ، حتى كانوا حول رسول الله ﷺ قال :«هَلْ تَدْرُونَ أيّ يَوْمٍ ذَلكَ ؟ » قالوا : الله ورسوله أعلم. قال :«ذلكَ يَوْمَ يُنادَى آدَمُ، يُنادِيهِ رَبّهُ : ابْعَثْ بَعْثَ النارِ، مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النّارِ » قال : فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبيّ ﷺ :«ألا احْمَلُوا وأبْشِرُوا، فإنّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتا فِي قَوْمٍ إلاّ كَثَرَتاهُ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَني آدَمَ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَني إبْلِيسَ وَيأْجُوجَ وَمأْجُوجَ ». قال :«أبْشِرُوا، ما أنْتُمْ فِي النّاسِ إلاّ كالشّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمة في جَناحِ الدّابَة ».
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ ﷺ. وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : حدثنا أبي وحدثنا ابن أبي عديّ، عن هشام جميعا، عن قَتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن البنيّ ﷺ بمثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، عن العلاء بن زياد عن عمران، عن رسول الله ﷺ، بنحوه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن الحسن، قال : بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة العُسْرة، ومعه أصحابه، بعد ما شارف المدينة، قرأ : يا أيّها النّاسُ اتقُوا رَبكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها. . . الاَية، فقال رسول الله ﷺ :«أتَدْرُونَ أيّ يوم ذَاكُمْ » ؟ قيل : الله ورسوله أعلم. فذكر نحوه، إلا أنه زاد :«وإنّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولانِ إلاّ كانَ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ مِنَ الجاهِلِيّةِ، فَهُمْ أهْلُ النّارِ وإنّكُمْ بينَ ظَهْرَانْي خَلِيقَتَيْنِ لا يُعادّهما أحدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ إلاّ كَثَرُوهُمْ، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمأجُوجُ، وَهُمْ أهْلُ النارِ، وَتَكْمُلُ العِدّةُ مِنَ المُنافِقِينَ ».
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال :«يُقالُ لآدم : أخْرِجْ بَعْثَ النّار، قالَ : فَيَقُولُ : وَما بَعْثُ النّارِ ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصّغِيرُ، وَتَضَعُ الحاملُ حَمَلها، وَتَرَى النّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى، وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَديدٌ ». قالَ : قُلْنا فَأين الناجي يا رسول الله ؟ قال :«أبْشِرُوا فإنّ وَاحِدا منْكُمْ وألْفا منْ يَأْجُوجَ وَمأجُوجَ ». ثُمّ قالَ :«إنّي لأَطْمَعُ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهلِ الجَنّةِ » فَكَبّرْنا وحَمِدْنا اللّهَ. ثم قال :«إنّي لأَطْمَعُ أنْ تكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنةِ » فكَبّرْنا وحَمِدْنا اللّهَ. ثم قال :«إنّي لأطْمَعُ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنةِ إنّمَا مَثَلُكُمْ فِي النّاسِ كمَثَلِ الشّعْرَةِ البَيْضَاءِ في الثّوْرِ الأسْوَدِ، أو كَمَثلِ الشّعْرَةِ السّوْدَاءِ فِي الثوْرِ الأبْيَضِ ».
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال : قال رسول الله ﷺ :«يَقُول اللّهُ لاَدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ » ثم ذكر نحوه.
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال : ذكر رسول الله ﷺ الحشر، قال :«يقولُ اللّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يا آدَمُ فَيَقُولُ : لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ والخَيْرُ بِيَدَيْكَ فَيَقُولُ : ابْعَثْ بَعْثا إلى النّارِ ». ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن أنس قال : نزلت يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . . حتى إلى : عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ. . . الاَية على النبيّ ﷺ وهو في مسير، فرجّع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال :«أتَدْرُونَ أيّ يَوْمٍ هَذَا ؟ هَذَا يَوْمَ يَقُولُ اللّهُ لاَدَمَ : يا آدَمُ قُمْ فابْعَثَ النارِ مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ » فكُبر ذلك على المسلمين، فقال النبيّ ﷺ :«سَدّدُوا وَقارِبُوا وأبْشِرُوا فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ فِي الناسِ إلاّ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدّابّةِ، وإنّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْن

تفسير هذه الآية من كتب أخرى