جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
بِسمِ اللّهِ الرحمَن الرّحِيمِ
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ وَلََكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ﴾.قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته، فأطيعوه ولا تعصُوه، فإن عقابه لمن عاقبه يوم القيامة شديد. ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك اليوم وبدوّه، فقال : إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةٍ شَيْءٌ عَظِيمٌ.
واختلف أهل العلم في وقت كون الزلزلة التي وصفها جلّ ثناؤه بالشدّة، فقال بعضهم : هي كائنة في الدنيا قبل يوم القيامة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله : إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال : قبل الساعة.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال : حدثنا محمد بن الصلت، قال : حدثنا أبو كدنية، عن عطاء، عن عامر : يا أيّها النّاسُ اتقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظيمٌ قال : هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله : إنّ زَلْزَلَةَ السَاعَةِ فقال : زلزلتها : أشراطها. . . الآيات يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء، عن عامر : يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال : هذا في الدنيا من آيات الساعة.
وقد رُوي عن النبيّ ﷺ بنحو ما قال هؤلاء خبر، في إسناده نظر وذلك ما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«لمَا فَرَغَ اللّهُ منْ خَلْقِ السمَوَاتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصّوْرَ فأعْطاهُ إسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلى فيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ. » قال أبو هريرة : يا رسول الله، وما الصور ؟ قال :«قَرْنٌ ». قال : وكيف هو ؟ قال :«قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فيهِ ثَلاثّ نَفَخاتٍ، الأُولى : نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانيَةُ : نَفْخَةُ الصّعْقِ، والثالِثَةُ : نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ. يَأْمُرُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ إسْرافيلَ بالنّفْخَةِ الأُولى، فَيَقُولُ : انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ فَيَفْزَعُ أهْلُ السّمَواتِ والأَرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ الله، ويَأْمُرُ اللّهُ فَيُدِيمُها وَيُطَوّلها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التِي يَقُولُ اللّهُ : ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيّرُ اللّهُ الجِبالَ فَتَكُونُ سَرَابا، وَتُرَجّ الأرْضُ بأهلها رَجّا، وَهِيَ الّتِي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ، فَتَكُونُ الأرْض كالسّفِينَةِ الموبَقَةِ في البَحْرِ تَضْرِبُها الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بأَهْلها، أوْ كالقِنْديلِ المُعَلّقِ بالعَرْشِ تُرَجّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَمِيدُ الناسُ عَلى ظَهْرِها فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الولْدَانُ، وَتَطيرُ الشياطِينُ هارِبَةً حتى تَأْتي الأَقْطار فَتَلَقّاها المَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعُ وَيُوَلّي النّاس مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضَهُمْ بَعْضَا، وَهُوَ الذِي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ التنادِ يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عاصمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ فَبَيْنَما هُمْ عَلى ذلكَ، إذْ تَصَدّعَتِ الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْرا عَظِيما، وأَخَذَهُمْ لِذَلكَ مِن الكَرْبِ ما اللّهُ أعْلَمُ بِهِ، ثُمّ نَظَرُوا إلى السّماءِ فإذَا هِيَ كالمُهْلِ، ثُم خُسِفَ شمْسُها وخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثرَتْ نُجُومُها، ثُمّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ » قال رسول الله ﷺ :«والأمْوَاتُ لا يَعْلَمُون بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ » فقال أبو هريرة : فمن استثنى لله حين يقول : فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ ؟ قال :«أُولَئِكَ الشّهَدَاءُ، وإنّمَا يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياء، أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبّهمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللّهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْم وآمَنَهُمْ. وَهُوَ عَذَابُ اللّهِ يَبْعَثُهُ عَلى شِرَارِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ : يا أيها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . . إلى قوله : وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ ».
وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبيّ ومن ذكرنا ذلك عنه قولٌ، لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله. والصواب من القول في ذلك ما صحّ به الخبر عنه. ذكر الرواية عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا :
حدثني أحمد بن المقدام، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن صاحب له حدّثه، عن عمران بن حُصين، قال : بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وقد فاوت السّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله ﷺ بهذه الآية :«يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ». قال : فحَثّوا المطيّ، حتى كانوا حول رسول الله ﷺ قال :«هَلْ تَدْرُونَ أيّ يَوْمٍ ذَلكَ ؟ » قالوا : الله ورسوله أعلم. قال :«ذلكَ يَوْمَ يُنادَى آدَمُ، يُنادِيهِ رَبّهُ : ابْعَثْ بَعْثَ النارِ، مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النّارِ » قال : فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبيّ ﷺ :«ألا احْمَلُوا وأبْشِرُوا، فإنّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتا فِي قَوْمٍ إلاّ كَثَرَتاهُ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَني آدَمَ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَني إبْلِيسَ وَيأْجُوجَ وَمأْجُوجَ ». قال :«أبْشِرُوا، ما أنْتُمْ فِي النّاسِ إلاّ كالشّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمة في جَناحِ الدّابَة ».
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ ﷺ. وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : حدثنا أبي وحدثنا ابن أبي عديّ، عن هشام جميعا، عن قَتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن البنيّ ﷺ بمثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، عن العلاء بن زياد عن عمران، عن رسول الله ﷺ، بنحوه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن الحسن، قال : بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة العُسْرة، ومعه أصحابه، بعد ما شارف المدينة، قرأ : يا أيّها النّاسُ اتقُوا رَبكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها. . . الاَية، فقال رسول الله ﷺ :«أتَدْرُونَ أيّ يوم ذَاكُمْ » ؟ قيل : الله ورسوله أعلم. فذكر نحوه، إلا أنه زاد :«وإنّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولانِ إلاّ كانَ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ مِنَ الجاهِلِيّةِ، فَهُمْ أهْلُ النّارِ وإنّكُمْ بينَ ظَهْرَانْي خَلِيقَتَيْنِ لا يُعادّهما أحدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ إلاّ كَثَرُوهُمْ، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمأجُوجُ، وَهُمْ أهْلُ النارِ، وَتَكْمُلُ العِدّةُ مِنَ المُنافِقِينَ ».
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال :«يُقالُ لآدم : أخْرِجْ بَعْثَ النّار، قالَ : فَيَقُولُ : وَما بَعْثُ النّارِ ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصّغِيرُ، وَتَضَعُ الحاملُ حَمَلها، وَتَرَى النّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى، وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَديدٌ ». قالَ : قُلْنا فَأين الناجي يا رسول الله ؟ قال :«أبْشِرُوا فإنّ وَاحِدا منْكُمْ وألْفا منْ يَأْجُوجَ وَمأجُوجَ ». ثُمّ قالَ :«إنّي لأَطْمَعُ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهلِ الجَنّةِ » فَكَبّرْنا وحَمِدْنا اللّهَ. ثم قال :«إنّي لأَطْمَعُ أنْ تكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنةِ » فكَبّرْنا وحَمِدْنا اللّهَ. ثم قال :«إنّي لأطْمَعُ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنةِ إنّمَا مَثَلُكُمْ فِي النّاسِ كمَثَلِ الشّعْرَةِ البَيْضَاءِ في الثّوْرِ الأسْوَدِ، أو كَمَثلِ الشّعْرَةِ السّوْدَاءِ فِي الثوْرِ الأبْيَضِ ».
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال : قال رسول الله ﷺ :«يَقُول اللّهُ لاَدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ » ثم ذكر نحوه.
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال : ذكر رسول الله ﷺ الحشر، قال :«يقولُ اللّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يا آدَمُ فَيَقُولُ : لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ والخَيْرُ بِيَدَيْكَ فَيَقُولُ : ابْعَثْ بَعْثا إلى النّارِ ». ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن أنس قال : نزلت يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . . حتى إلى : عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ. . . الاَية على النبيّ ﷺ وهو في مسير، فرجّع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال :«أتَدْرُونَ أيّ يَوْمٍ هَذَا ؟ هَذَا يَوْمَ يَقُولُ اللّهُ لاَدَمَ : يا آدَمُ قُمْ فابْعَثَ النارِ مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ » فكُبر ذلك على المسلمين، فقال النبيّ ﷺ :«سَدّدُوا وَقارِبُوا وأبْشِرُوا فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ فِي الناسِ إلاّ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدّابّةِ، وإنّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْن
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته فأطيعوه ولا تعصوه، فإن عقابه لمن عاقبه يوم القيامة شديد.
ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك اليوم وبدوه، فقال: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ).
واختلف أهل العلم في وقت كون الزلزلة التي وصفها جلّ ثناؤه بالشدة، فقال بعضهم: هي كائنة في الدنيا قبل يوم القيامة.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) قال: قبل الساعة.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن عامر (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) فقال: زلزلتها: أشراطها. الآيات (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى).
وقد رُوي عن النبي ﷺ بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر (١)، وذلك ما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ، شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: قَرْنٌ. قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفْخاتٍ: الأولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العَالَمِينَ. يَأْمُرُ اللهُ عَزّ وَجَلَّ إِسْرَافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولَى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللهُ، وَيَأْمُرُه اللهُ فَيُدِيمُها ويُطوِّلُها، فَلا يَفْتَر، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللُه (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) فَيُسَيِّرُ اللهُ الجِبَالَ فَتَكُونُ سَرَابًا، وَتُرَجُّ الأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللهُ (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) فَتَكُونُ الأَرْضُ كَالسَّفِينَةِ المُوبِقَةِ فِي البَحْرِ تَضْرِبُهَا الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا، أَوْ كَالْقَنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ تَرُجِّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَمِيُد النَّاسُ عَلى ظُهُرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدَان، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً حتى تَأْتي الأقْطار، فَتَلَقَّاهَا المَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا، فَتَرْجِعُ وَيُوَلّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللهُ (يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلى ذلكَ، إِذْ تَصَدَّعَت الأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْرًا عظيمًا، وَأَخَذَهُم لِذَلِكَ مِنَ الكَرْبِ ما اللهُ أَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى السَّمَاءِ فَإِذَا هِيَ كَالمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَ شَمْسُهَا وَخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثَرَتْ
وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبيّ ومن ذكرنا ذلك عنه، قولٌ لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله.
والصواب من القول في ذلك ما صح به الخبر عنه.
*ذكر الرواية عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا: حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن صاحب له حدثه، عن عمران بن حُصين، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وقد فاوت السَّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله ﷺ بهذه الآية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) ". قال: فحثُّوا المطيّ، حتى كانوا حول رسول الله ﷺ قال " هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذلكَ يَوْمَ يُنَادَى آدَمُ، يُنَادِيهِ رَبُّهُ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النَّارِ، قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ألا اعْمَلُوا وَأبْشِرُوا، فَإِنّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ ما كَانَتَا فِي قَوْمٍ إلا كَثَّرتاهُ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي إِبْلِيسَ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. قال: أَبْشِرُوا، مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقمة في جَناحِ الدَّابَّةِ".
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا هشام بن أبي
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد عن عمران، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن الحسن، قال: " بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة العُسْرة، ومعه أصحابه، بعد ما شارف المدينة، قرأ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا)... الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ ذَاكُمْ؟ قيل: الله ورسوله أعلم. فذكر نحوه، إلا أنه زاد: وَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولانِ إلا كَانَ بَيْنَهُمَا فَتْرَةٌ مِنَ الجَاهِلِيّةِ، فَهُمْ أَهْلُ النَّارِ وَإِنَّكُمْ بَيْنَ ظَهْرَانيْ خَلِيقَتَينِ لا يعادّهما أحدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلا كَثَّرُوهْم، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجًوجُ، وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ، وَتَكْمُلُ العِدَّةُ مِنَ المُنَافِقِينَ".
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال: يُقَالُ لآدَمَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ الحَامِلُ حَمْلْهَاَ، وَتَرى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ. قال: قُلْنَا فَأين الناجي يا رسول الله؟ قال: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ وَأَلْفا مِنْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ. ثُمَّ قالَ: إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنةِ، فَكَبَّرْنَا وَحَمَدْنَا اللهَ. ثم قال: "إنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنةِ، فَكَبَّرْنَا وَحَمِدْنَا اللهَ. ثم قال: إنّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنّة، إنَّمَا مَثَلُكُمْ فِي النَّاسِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ".
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، قال: "ذكر رسول الله ﷺ الحشر، قال: يقولُ اللهُ يومَ القِيامَةِ يا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ فَيَقُولُ: ابْعَثْ بَعْثا إلى النَّارِ ". ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن أنس قال: "نزلت (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)... حتى إلى (عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)... الآية على النبيّ ﷺ وهو في مسير، فرجَّع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: "أتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ هَذَا يَوْمَ يَقُولُ اللهُ لآدَمَ: يا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ! " فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "سَدّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، وِإنَّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْنِ ما كَانَتَا فِي شِيْءٍ قَطْ إِلا كَثَّرَتَاهُ: يَأجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ كَفَرَةِ الجِنِّ وَالإنْسِ".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال ابن ثور، عن معمر، عن إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: دخلت على ابن مسعود بيت المال، فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قلنا نعم، قال: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قلنا: نعم قال: فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذلكَ، إنَّه لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وإنَّ قِلَّةَ المُسْلِمِينَ فِي الكُفَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أو كالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ ".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله
والزلزلة مصدر من قول القائل: زلزلتُ بفلان الأرض أزلزلها زلزلة وزِلزالا بكسر الزاي من الزلزال، كما قال الله (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا) وكذلك المصدر من كل سليم من الأفعال إذا جاءت على فِعلان فبكسر أوّله، مثل وسوس وسوسة ووِسواسا، فإذا كان اسما كان بفتح أوّله الزَّلزال والوَسواس، وهو ما وسوس إلى الإنسان، كما قال الشاعر:
| يَعْرِف الجاهِلُ المُضَلَّلُ أَنَّ الدَّ | هْرَ فِيهِ النَّكْرَاءُ والزَّلْزَالُ (١) |
صَحَا قَلْبُهُ يا عَزَّ أوْ كادَ يَذْهَل (٢)
(٢) هذا مطلع قصيدة لكثير بن عبد الرحمن الخزاعي المشهور (بكثير عزة) في مدح عبد الملك بن مروان، ومصراعه الثاني * وأضحى يريد الصرم أو يتبدل *
(ديوانه طبع الجزائر ٢: ٢٨) قال شارحه: قوله " صحا قلبه ": قال في الاقتضاب: قال ابن قتيبة: وأصحت السماء العاذلة وصحا من السكر. أما السماء فلا يقال فيها إلا أصحت بالألف وأما السكر فلا يقال فيه إلا صحا بغير ألف وأما الإفاقة من الحب فلم أسمع فيه إلا صحا بغير الألف، كالسكر. وهو شاهد على الفعل تذهل في ماضيه لغتان فتح الهاء وكسرها، والأولى أفصح اللغتين. وقال في (اللسان: ذهل) : وفي التنزيل العزيز: " يوم تذهل كل مرضعة " أي تسلو عن ولدها. ابن سيدة: ذهل الشيء وذهل عنه وذهله وذهل الكسر يذهل فيهما ذهلا وذهولا: تركه على عمد أو غفل عنه أو نسيه لشغل. وقيل: الذهل: السلو والطيب النفس عن الإلف. وقد أذهله الأمر، وذهله عنه. أه.
قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولى بالصواب في ذلك، لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنيث من كل فاعل ومفعل إذا وصفوا المؤنث به، ولو لم يكن للمذكر فيه حظ، فإذا أرادوا الخبر عنها أنها ستفعله ولم تفعله، أثبتوا هاء التأنيث ليفرقوا بين الصفة والفعل. منه قول الأعشى فيما هو واقع ولم يكن وقع قبل:
| أيا جارَتا بِينِي فإنَّك طالِقهْ | كَذَاكَ أُمُورُ الناسِ غادٍ وطارِقَهْ (٢) |
(٢) البيت لأعشى بن قيس بن ثعلبة، من قصيدة له قالها لامرأته الهزانية (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين، ص ٢٦٣) والرواية فيه: يا جارتي. قال شارحه: الجارة هنا: زوجته. بيني: أي فارقي. غاد وطارقة: ذكر (غاد) على إرادة الجمع، وأنث (طارقة) على إرادة الجماعة. والغادي: الذي يأتي عدوه في الصباح. والطارق الذي يطرق، أي يأتي ليلا. وأنشده صاحب (اللسان: طلق) قال ابن الأعرابي: طلقت (بضم اللام) من الطلاق: أجود، وطلقت بفتح اللام - جائز. وكلهم يقول: امرأة طالق، بغير هاء. وأما قول الأعشى * أيا جارتا بيينى فإنك طالقه *
فإن الليث قال: أراد: طالقة غدا. قال غيره قال طالقة على الفعل، لأنها يقال ها قد طلقت، فبنى النعت على الفعل، وطلاق المرأة: بينونتها عن زوجها. وامرأة طالق من نسوة طلق، وطالقة من نسوة طوالق وأنشد قول الأعشى: * أجارتنا بيني فإنك طالقه *
... البيت.
| فمثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٌ | فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِل (١) |
فتأويل الكلام إذن: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تنسى وتترك كل والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) قال: تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) قال: ذهلت عن أولادها بغير فطام (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) قال: ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام، (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) يقول: وتسقط كل حامل من شدة كرب ذلك حملها.
وقوله (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) قرأت قرّاء الأمصار (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى على وجه الخطاب للواحد، كأنه قال: وترى يا محمد الناس حينئذ سُكارى وما هم بسُكارى. وقد رُوي عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير