زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
وما بعد هذا قد سبق تفسيره [يونس: ٧٠] إلى قوله تعالى :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ وفي سبب نزول هذه الآية قولان :
أحدهما : أن ناسا من العرب كان يأتون رسول الله ﷺ فيقولون : نحن على دينك، فإن أصابوا معيشة، ونتجت خيلهم، وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنوا وقالوا : هذا دين حق، وإن لم يجر الأمر على ذلك قالوا : هذا دين سوءٍ، فينقلبون عن دينهم، فنزلت هذه الآية هذا معنى قول ابن عباس، وبه قال الأكثرون.
والثاني : أن رجلاً من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإسلام، فأتى رسول الله ﷺ فقال : أقلني، فقال :" إن الإسلام لا يقال ". فقال : إن لم أصب في ديني هذا خيرا، أذهب بصري ومالي وولدي، فقال :" يا يهودي : إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب "، فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن أبي سعيد الخدري.
قوله تعالى :﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ قال مجاهد، وقتادة :" على شك "، قال أبو عبيدة : كل شاكٍ في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم. وبيان هذا أن القائم على حرف الشيء غير متمكن منه، فشبه به الشاك، لأنه قلقٌ في دينه على غير ثبات، ويوضحه قوله تعالى :﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ أي : رخاءٌ وعافية ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ على عبادة الله ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ اختبار بجدب وقلة مال ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي : رجع عن دينه إلى الكفر. والمعنى انصرف إلى وجهه الذي توجه منه، وهو الكفر، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ حيث لم يظفر بما أراد منها، ﴿و﴾ خسر ﴿الآخرة﴾ بارتداده عن الدين. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو مجلز، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وابن أبي عبلة، وزيد عن يعقوب :" خاسر الدنيا " بألف قبل السين، وبنصب الراء " والآخرة " بخفض التاء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى